مذكرات أبى فرات (3).. الجواهري: حفظت في طفولتي 500 بيت شعر في يوم واحد مقابل ليرة ذهبية

سجلت «المجلة» عام 1982 ،ذكريات الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري نقلا عن لسانه من العاصمة التشيكية براغ التي أقام بها الراحل (أبو فرات) عدة سنوات، وتنشرها في حلقات.
وفي العدد الماضي نشرت «المجلة» الحلقة الثانية من ذكريات الراحل أبو فرات،الذي تحدث عن طفولته ،و البيئة التي تربى فيها في مدينته النجف. وروى الشاعر الراحل عن والده – رحمه الله – «انه كان في أواخر حياته رجلا معدما باع كل ما غلا ثمنه في المنزل كي لا يمد يده إلى الآخرين». وتابع الجواهري ذكرياته عن أول حب صادفه في حياته قائلا : «كنت لا أزال في الثامنة من عمري عندما أحببت لأول مرة. لقد أحببت بكل ما تحوي هذه الكلمة من معنى».وفي ما يأتي الحلقة الثالثة من ذكريات محمد مهدي الجواهري.

•في الماضي كان صوتي جميلا و كانت والدتي تأنس لغنائي الشعر
•نشرت أول قصيدة لي في الصحف في 5 مايو عام 1920

عالم الشعر

ويتابع الجواهري سرد ذكرياته من دون أن نقاطعه كالعادة، بأسئلة تقطع عليه سياق هذه الذكريات.
يقول: في هذا العالم، عالم الشعر، كنت أرتع وأتمتع بما كتبه كبار الشعراء. أما في الليل، عندما ينام كل من في المنزل فكنت أبقى وحدي أغازل النجمة في السماء وتصافح عيناي آلافا من أبيات الشعر. ونتيجة لهذا الغرام كان يضرب المثل بسرعة حفظي الأشعار.
وفي أحد الأيام، جاء علي الجصاني لزيارتنا، وهو أحد أصدقاء والدي. وما إن جلس فترة من الوقت، حتى أخرج من جيبه ليرة ذهب رشيدية تخطف بوهجها أبصار الكبار، فكيف بي وأنا لم أبلغ الثانية عشرة بعد؟ وقلبها علي الجصاني بيده مرات عدة. ثم قال: «ما رأيك يا مهدي في هذه الليرة؟ الذهبية؟ هل تريد أن تراهن عليها؟».

خمسمائة بيت في يوم واحد

قلت: وكيف؟ قال: «كم باستطاعتك أن تحفظ من الشعر؟ أجبته: خمسمائة بيت في يوم واحد. قال: «حسنا موعدنا غدا مع بعض الأصدقاء ومجموعات شعرية. وتبدأ في التاسعة صباحا في مراجعتها. أما نحن فسنتركك لنعود إليك ساعة الغروب. وعندها: فإما أن تربح هذه الليرة الذهبية.. وإما أن تخسر الرهان فتعد لنا وليمة في منزل والدك».
اتسعت عيناي من الفرح. فالليرة الذهبية توازي مائة دينار في أيامنا هذه. فقلت: موافق. وفي المساء تلوت على علي الجصاني وجعفر الكشوان ومهدي النجار، الخمسمائة بيت. وربحت الليرة الذهبية.
ولا تظنوا أن الشعر الذي حفظته كان من مستوى: «أنام وأصحو ثم أنام وأصحو.. وينام البعوض في المحيط الهادي». فما حفظته لم يكن من الشعر الخنفشاري بل كان من عيون الشعر العربي الأصيل.

حفظت القرآن

لكن والدي – رحمه الله – كان يريد أن يوجهني التوجيه الديني. وطبعًا، تعلمت الفقه الإسلامي وحفظت القرآن. ورغم أن والدي كان شاعرا – عدا كونه رجل دين – فلم يكن يريد أن يراني متعلقًا بدواوين الشعر والشعراء، بل كان يعدني لأن أكون – مستقبلا – من رجال الدين. ولكوني كنت أخاف أبي وأحترمه، فقد كنت أثناء وجوده أتصفح الكتب الدينية التي كان يعطيني إياها.
وما إن يخرج من المنزل حتى أجن من الفرح. أشعر وكأن الدنيا صارت ملكي. فأبدأ بقراءة الشعر بصوت مرتفع. وهذه عادة ما زالت تلازمني حتى الآن، ومقياس القصيدة وجودتها بالنسبة إلي وكيفية نقدها وترتيبها تتم عبر قراءتها منغمة على الطريقة البدوية. إذ يجب أن أغنيها لأستطع الحكم إذا كانت صياغتها صحيحة، متماسكة أم لا.

في الماضي كان صوتي جميلا. لذلك كانت والدتي تأنس لغنائي الشعر. لكن ما إن يعود والدي ثانية إلى المنزل، حتى أتوارى عن الأنظار. أنزل إلى السرداب في غير أوان النزول إليه. وهناك أعود إلى الشعر، كنت أحس أن حياتي بلا قراءة الأشعار لا طعم لها. حتى إن الكثيرين لدى موت والدي، رغم حزنهم عليه، قالوا: «لموت الشيخ عبد الحسين حسنة واحدة، فقد أفرج عن مواهب ابنه مهدي الشعرية».
ومنذ توفي والدي، انطلقت. لكن بقي شقيقي عبد العزيز في مقام الوالد، مع فارق اتجاهه نحو الشعر والأدب. فقد كان يكتب في «الهلال» و«المقطم». وعندما تجرأت وبدأت «قرزمة» الشعر بقي شعري طي الكتمان. إذ كنت أتساءل أمام نفسي: كيف يمكنني قراءة شعري أمام شاعر يكتب في كبرى المجلات الأدبية في العالم العربي؟ يومها كنت في نحو السابعة عشر من عمري.

كانت الفترة الفاصلة بين «القرزمة» والنظم قصيرة جدا. رغم أن الشعراء الآخرين تطول فترة «قرزمتهم». لماذا أنا لا؟ لأن التراث المجموع في داخلي تفجر مرة واحدة. ونشر شعري في الصفحات الأولى. رغم أن نفسي كان قصيرا مثل بقية الشعراء. وكذب كل من يدعي أنه يستطيع نظم المطولات مرة واحدة. فهذا معناه: أنه كاذب ومدع حتى في الغرب، عندما يبدأ الشاعر، يكون نفَسه قصيرا. ومع مرور الزمن تزداد أفكاره عمقا وتتكاثر الصور الشعرية لديه.
والشاعر الأصيل يبدأ بنظم أبيات لا تتعدى أصابع اليد. وبعد فترة تنفجر قريحته وتصبح القصيدة صفحتين ثم ثلاثا وبعدها أربعا.
وللحقيقة وللتاريخ، فقد ابتدأت أنا مثل بقية الشعراء. أكتب عدة أبيات ثم أعود فأوسعها بعد فترة.

أول قصيدة

لنعد إلى أول قصيدة نشرت لي في الصحف. وكان ذلك في 5 مايو (أيار) 1920. يومها كانت تجربتي الأولى. لم أخبر أحدا في المنزل. بل أرسلت القصيدة إلى جريدة «العراق» في البريد وبدأت أنتظر النتيجة. هل سترفض قصيدتي ويكون نصيبها سلة المهملات؟ هل ستنشر ويكتب اسمي في الصحف؟ كان الانتظار صعبا. وبعد فترة من الزمن (20 مايو) رأيت قصيدتي منشورة في الصفحة الأولى ضمن إطار وتتصدر القصيدة كلمة «نابغة النجف: محمد مهدي الجواهري». فكدت أطير من الفرح. لم تعد الأرض تحملني، فصرت أرقص وأغني ولم أعد أعرف ماذا أفعل. أنا، مهدي الجواهري، يكتب اسمي تحت كلمة «نابغة النجف»؟ هذا شيء رائع! شيء لا يصدق! وما زلت أحفظ بعض أبيات تلك القصيدة. لكن اسمها لم أعد أذكره تماما. هل هو «الشاعر»؟ أم «الشاعر المهجور» أم «المقهور»؟ لا أدري! (راجع القصيدة في مكان آخر).
كانت قصيدة ضبابية. تخيلات. وأنا كاتبها لا أدرى لها تفسيرا. ربما كانت ترجيعا للعقل الباطني أو الشعور الداخلي. بحيث تكاد تكون شبه رمزية.
وبقيت على هذه الحالة من الفرح والجنون إلى أن حضر أخي عبد العزيز إلى المنزل. فحاولت ضبط نفسي خافيا الجريدة. لكن بعد لحظات من حضوره ناداني: مهدي.. أأنت أرسلت شعرا إلى جريدة العراق؟.. قلت: نعم. ومشى دون أن يعقب على ذلك. أكان سكوته تشجيعا أم امتعاضا؟ لا أعرف.

 


أول قصيدة للجواهري عام 1920

دعا الموت فاستحلت لديه سرائره
أخو مورد ضاقت عليه مصادره
عراه سكوت فاسترابت عداته
وما هو إلا شاعر كَلّ خاطره
وحيدا يحامي عن مبادئ جمة
أما في البرايا منصف فيوازره
تفرد في الشكوى فأسعده البكا
لقد ذل من فيض المدامع آجره
يهيم بليث النجم سرا فينثني
كأن رقيبا في الدراري يحاذره
يروم محالا أن يرى عيش ماجد
أوائله محمودة وأواخره
فؤادي وإن ضاق الفضا عنه فسحة
فلا بد أن تحويه يوما مقابره
سيحمل همي عند منزل وحدتي
وتصبح آمالي طوتها ضمائره
فيا طير لا تسجع ويا ريح سكني
هبوبا على جسمي ليسكن ثائره
ويا منزل الأحداث رحمة مشفق عليه
ففيك اليوم قرت نواظره
ويا بدر من سامرته وجدك انقضى
فمن لك بعد اليوم خلا تسامره
عساك إذا ضاقت بصدرك فرحة
تطالعه في رمسه فتذاكره
ويا خلة الباكي عليه تصنعا
ألم تك قبل اليوم ممن تغايره
تحمل ما ينأى فشاطره الردى
فما ضر لو كنت الرزايا تشاطره
ويا غاصبًا قلبي لترقيق حرة
سراحا فقد دارت عليه دوائره
دعابك يستشفى فأغضب فانطو
وما فيه إلا الهجر داء يخامره
أمن بعد ما وسدته بت جازعا
إذا مات مهجورا فلا رق هاجره


اشترك في النقاش