لبنان ومبدأ النفاق

إيلي فواز

 

* ممارسة يومية في لبنان لمبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» بشكل يتخطى كل خيال.

... فمثلا ليس مستغرباً أن تقرأ تصريحاً لسياسي لبناني يريد فجأة محاربة الفساد، وهو الذي تلاحقه شبهات الفساد منذ أن مارس السياسة في أدق تفاصيلها التشريعية منذ أكثر من ثلاثة عقود. كما لن تُفاجأ بنائب منتخب حديثا يمدح في فريق سياسي كان سبباً في إيصاله للندوة البرلمانية وهو الذي قضى وقتاً يهاجمه فيما مضى. كما أنه من الطبيعي أن تأتيك صورة من أحد المقاهي في الخارج تجمع أضداداً في السياسة اللبنانية في جلسة حميمية تجمعها مصالح شخصية جداً.
ومن هذا المنطلق يبادرك صحافي، يقدم نفسه على أنه يساري ملحد، بمطالعة دينية عن الصراع مع «الإمبريالية الصهيونية»، يضاهي فيها «بن لادن» نفسه.
عندما تتساءل عن تلك التناقضات، أو تفتش عن سبب انتقال السياسيين من حالة العداء المطلق إلى حالة من الوئام، وتتبدّل بلغة الهجاء لغة أخرى فيها كثير من ود، يأتي الجواب تلقائيا بأن لبنان بلد التسويات، وأن اللبنانيين محكومون بالتوافق. الغريب أن هذا الاستنتاج أو هذا المنطق لا يتنبه له السياسيون في عز عدائهم الواحد للآخر. أفضل مثال لوصف هذه الحالة قد تكون الحملة الشعواء التي قام بها التيار الوطني الحر ضد تيار المستقبل، حيث لم يوفر شتيمة بحق رموزه وتاريخه، ليعود ويعيش معه حالة من تعاون بعد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية. الاستفحال في العداء بين المكونات السياسية اللبنانية طبعاً ينتقل بشكل طبيعي إلى جمهورهم، والتي سرعان ما تغير من موقفها مع تغير موقف القيادات السياسية. مثلا حالة العداء القائمة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية منذ أيام حرب الإلغاء عام 1989 - والتي كانت نكبة اجتماعية لم تُعالَج أبداً، قسمت العائلة الواحدة بين موالٍ لهذا أو ذاك من الزعيمين، وحيث قتل الأخ أخاه، في معارك دون كيشوتية، استمرت حتى قبيل انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، وتوّجها الزعيمان بمصالحة أُطلق عليها عنوان «اوعى خيك» اتضح بعد مرور وقت قصير عليها أنها مجرد اتفاق تقاسم مصالح ومحاصصة لوظائف حكومية.
التحالفات السياسية في لبنان هي تحالفات ظرفية، تتكون حسب مصلحة الزعيم ومبايعيه. لا تحتكم إلى مصلحة وطنية مشتركة، أو رؤية موحدة تجاه الأمور الاقتصادية مثلا أو العلاقات الخارجية. إنها مصالح ضيقة ومؤقتة تتبدل بتبدل الأحوال.
لا يمكن أن نستبعد من الفريق الذي راهن على سقوط نظام الأسد أن يعود ويحج إلى الشام، مع سقوط هذا الرهان. لن يكون هناك حرج في التفتيش عن مبررات هذا التقارب. مصلحة لبنان السياسية، أو الاقتصادية، الرباط الأخوي بين الشعبين، وحدة المصير والمسار. لن يعدم السياسيون وسيلة من أجل تفسير تقلب مواقفهم.
في لبنان للأسف يوجد ثقافة للنفاق وهناك ممارسة يومية لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة بشكل يتخطى كل خيال. وعلى هذه الحال سيظل الشعب اللبناني يعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية وبيئية لن ترى طريقها إلى الحل. فوظيفة تلك المشاكل هي ضرورة وجودية لوظيفة الزعيم.