توتر العلاقات بين الصين وتايوان يصل إلى مستوى الحرب الباردة


* اعتبر ماو تسي تونغ التدخل الأميركي في الشرق الأوسط جزءًا من فعلٍ أكبر لمنع انتشار الشيوعية.
* كشف ماو عن مبادرته الأخيرة لجلب الاشتراكية إلى الصين في بداية عام 1958 بعنوان: القفزة العظيمة إلى الأمام.
* لا يمكن للعالم إلا أن يأمل أن لا تقرر الصين تصعيد التوتر وخلق أزمة رابعة في مضيق تايوان.

 


بكين: أطلق جيش تحرير ماو تسي تونغ الشعبي في 23 أغسطس (آب) 1958 أكثر من 40 ألف طلقة مدفعية على جزيرة كينمن التي كانت تحت سيطرة جمهورية الصين بزعامة تشيانغ كاي شيك. وتسببت تلك العملية ببدء أزمة مضيق تايوان الثانية. واستمرت الأزمة حتى السادس من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عندما تم إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوع واحد، على الرغم من استمرار القصف في وقت لاحق من الشهر. وقد تم إطلاق أكثر من 550 ألف قذيفة على جزر كينمن خلال هذه الأزمة. وخلق الوابل المستمر من القصف حصارًا مدفعيًا على الجزيرة.

12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1944: زعيم المتمردين الشيوعيين الصينيين ماو تسي تونغ، الرئيس المستقبلي للصين الشيوعية ورئيس الحزب الشيوعي، يخاطب الاجتماع. (غيتي)

12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1944: زعيم المتمردين الشيوعيين الصينيين ماو تسي تونغ، الرئيس المستقبلي للصين الشيوعية ورئيس الحزب الشيوعي، يخاطب الاجتماع. (غيتي)

وشكلت أزمة مضيق تايوان الثانية نقطة رئيسية في العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان وكذلك العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. كما أنها بمثابة درس عن العزيمة الأميركية في دعم حليفٍ لها.

 

علاقة الأزمة بالشرق الأوسط

 

الغريب أن قصف كينمن كانت له جذور في الشرق الأوسط، ففي 14 يوليو (تموز)، 1958، بدأ عبد الكريم قاسم انقلابًا في العراق أطاح فيه بالمملكة الهاشمية وأنشأ جمهورية العراق. وردًا على ذلك، أرسلت الولايات المتحدة وبريطانيا قوات إلى لبنان والأردن لمنع الفوضى من الانتشار في هذه المناطق. وكان يُنظر إلى الحكومة الجديدة على أنها مؤيدة للكتلة الاشتراكية، وبالتالي لم تكن الولايات المتحدة لتسمح بسقوط الحكومات الأخرى.
واعتبر ماو تسي تونغ التدخل الأميركي في الشرق الأوسط جزءًا من فعلٍ أكبر لمنع انتشار الشيوعية. إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل في لبنان، فما الذي يمنعها من القيام بأكثر من ذلك في آسيا ضد جمهورية الصين الشعبية؟ ولم تكن الكلمات كافية لماو. فقد أراد الإثبات لمواطنيه في الشرق الأوسط بأن الصين تنفذ ما تقول وأنه يجب معالجة الأفعال الإمبريالية الأميركية في كل ركن من أركان العالم. وفي 17 يوليو، أمر ماو القوات الجوية الصينية بالانتقال إلى مقاطعة فوجيان، التي تقع على حدود مضيق تايوان وتحيط بأرخبيل كينمن، وإعداد المدفعية لقصف الجزر.
وعقد ماو أيضًا لقاء مع نيكيتا خروتشوف في أوائل أغسطس (آب) وطالب الزعيمان في نهاية القمة بانسحاب القوات من الشرق الأوسط. وبدأ القصف في 23 أغسطس. وبحلول ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة قد اعترفت بالحكومة الجديدة في العراق وبدأت القوات بالانسحاب من لبنان والأردن، ولذلك فقد تم الارتباط الأولي للصراع في الشرق الأوسط. إلّا أن القيادة الصينية واصلت الربط خلال تصريحات مسؤوليها العلنية طوال الأزمة.
وفي 6 سبتمبر (أيلول)، أي بعد أكثر من أسبوع من بدء القصف على كينمن، قال رئيس وزراء جمهورية الصين الشعبية حينها زاو إنلاي: «زادت الأنشطة المزعجة والتخريبية لجماعة تشيانغ كاي شيك ضد البر الرئيسي الصيني عن حدها، منذ أن شنت الولايات المتحدة التدخل المسلح ضد الدول العربية مؤخرًا».

 

ماو يختبر المياه

 

على الرغم من أن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت ماو لزيادة التوتر في مضيق تايوان بدأ في الشرق الأوسط، إلا أنه لم يكن السبب الوحيد لبدء الأزمة من طرفٍ واحد. وكان يحتاج إيجاد طريقة لتحفيز الناس على دعم خطوته التالية في خطته الثورية، وكان يريد اختبار إرادة الولايات المتحدة وعزيمتها في دفاعها عن نظام تشيانغ كاي شيك.
وكشف ماو عن مبادرته الأخيرة لجلب الاشتراكية إلى الصين في بداية عام 1958 بعنوان: القفزة العظيمة إلى الأمام. ومع ذلك، وكما كتب تشن جيان في كتابه «الصين بزعامة ماو والحرب الباردة»، يحتاج ماو إلى دعم أكبر من الشعب قبل أن يتمكن من تقديم الجانب الأكثر تطرفًا في خطته: جعل الشعب شيوعيًا وعسكرة القوى العاملة.

مقاتلون فلسطينيون من حركة فتح التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية يقرأون الاقتباسات من الرئيس ماو تسي تونغ من «الكتاب الأحمر الصغير» في الأردن عام 1970. (غيتي)

مقاتلون فلسطينيون من حركة فتح التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية يقرأون الاقتباسات من الرئيس ماو تسي تونغ من «الكتاب الأحمر الصغير» في الأردن عام 1970. (غيتي)

وشرح ماو بصراحة حاجته للتوتر في 17 أغسطس عندما قال:
«نقول في تصريحاتنا إننا نعارض التوتر ونسعى جاهدين للوصول إلى الانفراج، كما لو كان الانفراج ميزة لنا أيضا والتوتر ميزة للغرب. ولكن ألا نستطيع النظر إلى الوضع من جهة أخرى؟ هل يشكّل التوتر ميزة نسبية لنا وضررًا على الغرب؟... من مصلحتنا وجود عدو أمامنا وتوتر».
واعترف ماو مرارًا وتكرارًا بالجوانب الإيجابية للتوتر الدولي وتأثيره على السكان. ومن شأن القصف على كينمن ورد الولايات المتحدة أن يساعد في إيقاظ الناس للقتال في الثورة الاشتراكية.
وعبر ماو في 25 أغسطس، أي بعد يومين من بدء القصف، عن مشاعره حول تورط الولايات المتحدة وسبب آخر لتدبير الأزمة:
«اتضح من رد فعل واشنطن في الأيام الماضية أن الأميركيين خائفون للغاية من أننا لن نصل إلى كينمن وجزر ماتسو فقط بل سنحرر تايوان أيضًا. وفي الواقع، أطلقنا عشرات الآلاف من القذائف على كينمن، ولكن ذلك مجرد إجراء بحثي تم تنفيذه بواسطة البنادق. لن نقول إننا سنصل وكذلك لن نقول العكس... هدفنا الرئيسي من القصف ليس قياس الدفاعات القائمة على الأرض بل قياس عزيمة الأميركيين واختبارها».
أراد ماو أن يرى كيف ستحمي الولايات المتحدة «الجزر النائية»، وهو المصطلح المستخدم في تسمية مجموعات جزر كينمن وجزر ماتسو، حيث كانت تركز الصين قصفها. كان دفاع تشيانغ عن تايوان أمرًا محسومًا، ولكن الوضع كان مختلفًا بالنسبة لكينمن وجزر ماتسو.
ودخلت معاهدة الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين حيّز التنفيذ عام 1955، وضمنت دفاع الولايات المتحدة عن تايوان في حال قررت جمهورية الصين الشعبية شن أي هجوم. ومع ذلك، لم يكن وضع الجزر النائية معروفًا لأنه تم حذفها من المعاهدة: «ويعود مصطلح (الإقليمية) و(الأراضي) لجمهورية الصين وتايوان وأرخبيل بسكادورز».
وفي ديسمبر (كانون الأول) 1954 أي قبل توقيع المعاهدة بفترة قليلة، أوضح وزير الخارجية الأميركية حينها جون فوستر دولز موقف الجزر النائية. وأشار إلى أن الرئيس سيحدد وضع الدفاع عن الجزر اعتمادا على طبيعة التهديد. ولم يتم تحويل التوضيح إلى قانون مكتوب، ولذلك أراد الحزب الشيوعي الصيني معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستضم كينمن وجزر ماتسو باعتبارهما جزءًا من تايوان.
ولاحظت وزارة الخارجية الأميركية أهمية الجزيرة في الدفاع عن تايوان بعد بدء القصف مباشرة. وقد سبق الإعلان عن ذلك رسالة عبر الإذاعة من الصين تقول إن «الهبوط في كينمن أصبح وشيكًا». وأرسل الإشعار الأميركي إشارة إلى ماو أنه إذا تمادى أكثر فذلك يعني بداية الحرب مع الولايات المتحدة، وهو أمر لم يكن يريد حصوله.

مدينة زامن الصينية في المسافة وراء الحواجز العمرية المضادة للهبوط على شاطئ مواجه للصين في جزيرة كينمن التايوانية التي تقع على بعد أميال قليلة فقط من الصين، في 19 أبريل (نيسان) 2018 في كينمن، تايوان. (غيتي)

مدينة زامن الصينية في المسافة وراء الحواجز العمرية المضادة للهبوط على شاطئ مواجه للصين في جزيرة كينمن التايوانية التي تقع على بعد أميال قليلة فقط من الصين، في 19 أبريل (نيسان) 2018 في كينمن، تايوان. (غيتي)

 

الأزمة تهدأ

 


أدرك ماو بحلول شهر سبتمبر أنه بحاجة إلى العمل على استراتيجية خروج لإنهاء القصف وتجنب التصعيد إذ لم يكن يريد خوض الحرب ضد الولايات المتحدة. واستؤنفت محادثات سفراء الولايات المتحدة والصين في 15 سبتمبر في وارسو عندما أعاد الرئيس دوايت أيزنهاور تعيين السفير المسؤول عن المحادثات في أواخر 1957. ولم تكن المحادثات مثمرة لأن الصينيين طالبوا الولايات المتحدة بسحب قواتها من تايوان. إلّا أنها وفّرت منصة ضرورية خلال وضعٍ متوتر.
وكانت قناة الاتصال أساسية لتجنب أي نوع من التصعيد غير الضروري لأن الولايات المتحدة كانت وجهت صواريخ ماتادور، التي كانت قادرة على حمل أسلحة نووية، باتجاه تايوان في فبراير (شباط) 1958 قبل بدء الأزمة. إلّا أن الولايات المتحدة لم تكن تسمح أن يتعدى الصراع مضيق تايوان، لذلك سمحت للجيش باستخدام الخيارات غير النووية فقط للرد على الأفعال الصينية. وأعاد الجيش والبحرية توجيه الموارد والقوة البشرية إلى مضيق تايوان لإظهار عزم الولايات المتحدة على الدفاع عن تايوان.
وقرر ماو في النهاية السماح لتشيانغ كاي شيك بإبقاء كينمن، وطالبه بعدم الغزو أو المطالبة بسحب القوات. وفهم فائدة إبقاء القوات القومية قريبة من الصين. وقال: «نريد أن نحافظ عليه في متناول أيدينا. إن وجوده على أراضي [كينمن وجزر ماتسو] يعني أنه يمكننا مراقبته عبر الشواطئ وسلاحنا الجوي. وإذا احتللنا الجزر، سنكون قد فقدنا القدرة على التسبب في إزعاجه في أي وقت نريده». وحينها، لم يكن لدى الصين القدرة على شن هجوم على تايوان، لذلك كانت تلك الجزر فرصتها الوحيدة لمضايقة قوات تشيانغ.

المتظاهرون اليساريون الأتراك يرددون شعارات معادية للولايات المتحدة وهم يلوحون بالأحمر وأعلام بصور ماو تسي تونغ في 17 مارس (آذار) 2007 خلال مظاهرة ضد الحرب في العراق، في تقسيم بوسط إسطنبول. (أ.ف.ب - غيتي)

المتظاهرون اليساريون الأتراك يرددون شعارات معادية للولايات المتحدة وهم يلوحون بالأحمر وأعلام بصور ماو تسي تونغ في 17 مارس (آذار) 2007 خلال مظاهرة ضد الحرب في العراق، في تقسيم بوسط إسطنبول. (أ.ف.ب - غيتي)


كما تغيرت نظرته بالنسبة لمشاركة الولايات المتحدة. وأوضح ماو فيما يُطلق عليها «استراتيجية التعلق»، فوائد إبقاء الولايات المتحدة متفقة مع تايوان، وقال: «تحوّلت تايوان إلى مشنقة قديمة منذ أن احتلتها أميركا قبل عدة سنوات. ومن يربط أميركا هناك؟ تربطها جمهورية الصين الشعبية بها. ويحمل 600 مليون صيني مشنقة في أيديهم. وهو حبل فولاذي يربط عنق أميركا. من ربط أميركا؟ لقد صنعت أميركا بنفسها هذه المشنقة وربطت نفسها بها وألقت الطرف الآخر من حبل المشنقة إلى الصين، مما جعلنا نمسك به».
واعتبر ماو أن السماح للقوات القومية بالبقاء في كينمن وجزر ماتسو لن يعزز الموقف الأميركي هناك، ولكنه سيكون بمثابة إزعاج للولايات المتحدة. وكان إبقاء القوميين - وبالتأكيد الولايات المتحدة - في متناول اليد أكثر أهمية من «الفوز» بشكل نهائي في الأزمة.
وأعلن وزير الدفاع الوطني في جمهورية الصين الشعبية بينغ ديهواي في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1958 وقفًا لإطلاق النار: «أمرت بوقف القصف على جبهة فوكين لمدة سبعة أيام ابتداء من 6 أكتوبر وذلك لاعتباراتٍ إنسانية. وستكونون أحرارا لشحن كل ما يلزمكم خلال هذه الفترة بشرط أن لا تكون هناك مرافقة أميركية». كما دعا الإعلان تايوان والصين إلى الدخول في محادثات لإنهاء الحرب والقلق من الولايات المتحدة لأن «الإمبرياليين الأميركيين هم عدونا المشترك». واستمر القصف في وقتٍ لاحق من أكتوبر للسماح لقوات تشيانغ بإعادة التموين.
وفي النهاية، لم تغزُ قوات ماو كينمن أبدًا، وما زالت الجزر التي كانت ستتسبب في يومٍ من الأيام بنشوب حرب تحت سيطرة تايوان. ويسافر السياح الصينيون الآن إلى كينمن لزيارة المتاحف المخصصة «لـ823 قصفًا مدفعياً» بالإضافة إلى مواقع الحرب الأخرى ذات الصلة. ومع ذلك، وللأسف، توترت العلاقات مؤخرًا بين الصين وتايوان ووصلت إلى مستويات تذكرنا بالحرب الباردة. ولا يمكن للعالم إلا أن يأمل أن لا تقرر الصين تصعيد التوتر وخلق أزمة رابعة في مضيق تايوان.


* توماس جي شاتوك: محرر «جيوبوليتيكوس»؛ مدونة معهد أبحاث السياسة الخارجية وباحث مشارك في معهد أبحاث السياسة الخارجية.

اشترك في النقاش