لبنان وقصة التطبيع مع سوريا

إيلي فواز

 

* على الساسة اللبنانيين أن يتحلوا بالقليل من الموضوعية، وأن لا ينزلقوا إلى سجالات عقيمة. ليهتموا بأمن الطرقات، وبتأمين الكهرباء وبلم النفايات، قبل الاهتمام بإعمار سوريا أو التطبيع مع نظام الأسد.

على مدى الأسابيع الماضية، دأبت جبهة الممانعة بكل وسائلها على إعلان الانتصارات في كل الاتجاهات، اليمنية، والعراقية، وخاصة السورية.
في لبنان بدأ الحديث عن إعادة الإعمار في سوريا، ودور التاجر اللبناني في هذا المجال، كما الحديث عن تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، وغرق البلد في جدل بيزنطي طبعا هو بغنى عنه نظرا إلى فشل الطبقة السياسية، حتى كتابة هذه الأسطر، في تأليف حكومة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. جدل بعيد عن أي منطق على كل الأحوال.
أولا: لم تنته الحرب في سوريا بعد، حتى يكون الحديث في لبنان عن التطبيع. فالحرب ما زالت مستمرة في إدلب مثلا. ثم النظام لم يحكم سيطرته على كامل الأراضي السورية. فمناطق الأكراد تعتبر اليوم مناطق حكم ذاتي. ثم هذا النظام لا يستطيع الصمود من دون القوة الجوية الروسية، والميليشيات التابعة لإيران. الكلام عن انتصار الرئيس الأسد في غير مكانه.
هناك مفاوضات قائمة بين كل من إسرائيل وروسيا حول الوجود الإيراني. وهذه المفاوضات إذا ما فشلت فالمنطقة قادمة على حرب مدمرة لن يسلم منها لبنان و«حزب الله» طبعا. أضف إلى ذلك وجود قوات أميركية وقواعد لها في الداخل السوري وربطها حسب تصريح مستشار الأمن القومي جون بولتون بمحاربة «داعش» ووجود القوات الإيرانية.
الكلام عن انتصار الأسد إذن مبالغ فيه. الدقيق هو صمود هذا النظام عسكريا حتى اللحظة.
أضف إلى ذلك أن هناك جرائم ضد الإنسانية قام بها هذا النظام تحديدًا. وسيكون من الصعب جدا إفلات الرئيس الأسد وأبرز مساعديه من الملاحقة القانونية الدولية. يظن الرئيس الأسد أنه يستطيع تبرير استمراره بالحكم إلى ما لا نهاية عبر استعمال شماعة «الإرهاب». صحيح أن أجهزة المخابرات العالمية تتواصل مع النظام السوري، ولكن ليس قطعا دعما للنظام بقدر ما هو البحث عن «إرهابيين» من جنسيات غربية تريد تلك الأجهزة معرفة مصيرهم لما يشكلونه من خطر على أمن بلادهم. ثم هناك أمر آخر يقلق الغرب وهو موضوع اللاجئين. لا يريدون أن يشهدوا على موجات هجرة أخرى. لذا يعملون على إعادتهم إلى بلادهم أو حتى استقرارهم في البلدان التي تؤويهم. ولكن ما إن تحل تلك الإشكاليات، حتى يبدأ العمل على محاكمة الرئيس السوري على جرائم ارتكبها مصنفة جرائم ضد الإنسانية.
أما في موضوع إعادة الإعمار والتي يتحمس لها تجار لبنان، فهي معقدة أكثر بكثير مما يظن البعض.
ديفيد ساترفيلد مساعد وزير الخارجية الأميركي أعاد تأكيد ما شكا منه لافروف وزير خارجية روسيا عن امتناع الولايات المتحدة من تقديم أي دعم مالي لإعادة إعمار سوريا، فقال لن يكون هناك مساعدات لإعادة الإعمار إلى سوريا ما لم تقر الأمم المتحدة - لا موسكو ولا واشنطن ولا أي عاصمة أخرى – بأن هناك عملية إصلاحات سياسية قائمة على مقررات الأمم المتحدة في شأن سوريا موثقة لا رجعة فيها جارية، ما يعني عمليا الانتقال السياسي كما جاء في القرار الأممي رقم 2254.
هذا يعني أنه إن لم تلبِ الشروط الأميركية، فستتعرض سوريا لعقوبات اقتصادية ستجعل مسألة إعادة الإعمار صعبة جدا.
هناك من الواضح أمور معقدة، سيتطلب حلها وقتا طويلا ومفاوضات مضنية بين جميع الأطراف المؤثرين على الساحة السورية، ولن تكون نتيجتها قطعا كما يحلو لجهابذة الممانعة تصويرها: انتصارا.

لذا على الساسة اللبنانيين أن يتحلوا بالقليل من الموضوعية في مقاربة هذا الموضوع، وأن لا ينزلقوا إلى سجالات عقيمة. ليهتموا بأمن الطرقات، وبتأمين الكهرباء وبلم النفايات، قبل الاهتمام بإعمار سوريا أو التطبيع مع النظام.