روسيا والأزمة الأفغانية

 

* مع بدء الألفية الثالثة، عادت أفغانستان مرة أخرى لساحة الصراع الدولي برغبة الولايات المتحدة في تأكيد هيمنتها على قمة النظام الدولي بعد 11 سبتمبر.
* في خضم الصراع على إعادة ترتيب النظام الدولي، برزت مناطق كثيرة في العالم محل صراع بين الأقطاب الدولية، وفي القلب من تلك المناطق برزت أفغانستان.
* تسعى موسكو لامتلاك ورقة ضغط جديدة في صراعها مع الولايات المتحدة في سوريا، إذ إن مجريات الأمور والتنافس الموجود في سوريا يدفعان الروس إلى الدخول في أفغانستان.
* يجب التنسيق مع الصين من خلال تعزيز دور بنك التنمية الآسيوي الذي تسيطر عليه الصين للعب دور تنموي في أفغانستان، خاصة أن المؤشرات كافة تؤكد على وجود قوات برية صينية على الحدود الأفغانية.
* المبادرة الروسية لن تكون المبادرة الأخيرة، وإنما من المتوقع أن تتزاحم على الساحة الأفغانية مبادرات عدة إقليمية ودولية.
* المفاوضات بين الفرقاء الأفغان هي السبيل الأوحد نحو إعادة البناء، شريطة العمل على إدماج أفغانستان في منظومة من العلاقات التجارية والاقتصادية. وضرورة التوافق الدولي حول السلم والأمن في أفغانستان.

موسكو: عادت أفغانستان من جديد لتمثل واحدة من قمم الصراعات الجيوسياسية في العالم، فالتاريخ بأحداثه المختلفة وبفتراته المتباينة يكشف عن وقوع أفغانستان في قلب الكثير من الصراعات والحروب بين مختلف الإمبراطوريات العالمية، ولعل ما حدث مع قدوم المغول والتتار إلى حاضنة الأمة الإسلامية من البوابة الأفغانية يؤكد أهمية أفغانستان في منظومة الصراع الدولي، تلك الأهمية التي برزت حينما كانت أفغانستان مسرحاً لمؤامرات وتدخلات دولية وتبارت كل من بريطانيا وروسيا في فرض سيطرتها عليها خلال «اللعبة الكبرى» في القرن التاسع عشر، ثم تأكدت هذه الأهمية كذلك خلال فترة الحرب الباردة ووقوعها في حلبة الصراع الأميركي السوفياتي الذي انتهى بالغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 ثم فشله بسبب الدور الأميركي الممول للتنظيمات الإرهابية التي رفعت شعار «محاربة الشيوعية».

الرئيس الأفغاني أشرف غني يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القصر الرئاسي بكابل بأفغانستان في 15 يوليو 2018 (غيتي)

الرئيس الأفغاني أشرف غني يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القصر الرئاسي بكابل بأفغانستان في 15 يوليو 2018 (غيتي)

ومع بدء الألفية الثالثة، عادت أفغانستان مرة أخرى لساحة الصراع الدولي برغبة الولايات المتحدة في تأكيد هيمنتها على قمة النظام الدولي ما بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001. إذ أعقب تلك الأحداث احتلال الولايات المتحدة الأميركية لأفغانستان بهدف التأكيد للجميع على أن القطب الأوحد لا يزال قادرا على مواجهة الخطر العالمي الجديد المتمثل في الإرهاب الدولي المسؤول عن تلك الأحداث، فكانت أفغانستان بداية النهاية لتربع هذا القطب على قمة النظام الدولي، إذ بدأت الولايات المتحدة في الهبوط من على سفح هذه القمة مع دخولها المستنقع العراقي عام 2003. ليبدأ النظام الدولي في التغير نحو تعددية قطبية لم تنته ملامحها إلى اليوم، وذلك مع عودة الدب الروسي إلى الساحة العالمية مستعيدا جزءا من قوته والتي تجلت في الأزمة السورية، وقد صاحب تلك العودة صعود التنين الصيني وسعيه إلى التمدد في مختلف مناطق العالم رافضا بدوره القطبية الأحادية للنظام الدولي.
في خضم كل تلك الأحداث عادت أفغانستان لتشغل الاهتمام الدولي والإقليمي وهو ما تجلى في تعددية المبادرات المطروحة من ناحية، وتنوع التدخلات المستمرة من جانب الأطراف المعنية في الشؤون الأفغانية من ناحية أخرى.
وكانت المبادرة الروسية واحدة من تلك المبادرات المطروحة في هذا الخصوص، إذ دعت موسكو إلى عقد جولة جديدة من المفاوضات بشأن الأزمة الأفغانية بعقد مؤتمر دولي في الرابع من سبتمبر 2018. لتستكمل سلسلة الاجتماعات واللقاءات التي عقدتها موسكو في سبيل حل تلك الأزمة وكان آخرها في 17 مارس (آذار) 2017 بالعاصمة الروسية موسكو، حيث شارك كثير من الأطراف الإقليمية والدولية المعنية باستثناء واشنطن.
إلا أنها عادت وأعلنت تأجيل هذه القمة إلى موعد آخر، كما جاء فى بيان وزارة الخارجية الروسية عقب مكالمة هاتفية جرت بين وزير الخارجية الروسى سيرغي لافروف، والرئيس الأفغاني أشرف غني، جاء فيه: «إن الجانبين بحثا المسائل الملحة للتعاون الثنائي في مجال التسوية الأفغانية، بما في ذلك الجلسة الجديدة لمشاورات موسكو حول أفغانستان برئاسة البلدين... وإن رئيس أفغانستان أيد جلسة مشاورات موسكو من حيث المبدأ، وطلب تأجيل عقدها نظراً لضرورة وضع موقف موحد للجانب الأفغاني حول هذه المسألة، آخذاً بعين الاعتبار التغييرات في قيادة أجهزة القوة الأفغانية... واتفق الجانبان على تحديد موعد جديد لعقد الاجتماع».

مقاتلو طالبان الأفغان وسكانها يقفون على متن مركبة مدرعة تابعة للجيش الوطني الأفغاني، وهم يحتفلون بوقف إطلاق النار، في اليوم الثالث من عيد الفطر، في منطقة مايواند بإقليم قندهار في 17 يونيو 2018 (غيتي)

مقاتلو طالبان الأفغان وسكانها يقفون على متن مركبة مدرعة تابعة للجيش الوطني الأفغاني، وهم يحتفلون بوقف إطلاق النار، في اليوم الثالث من عيد الفطر، في منطقة مايواند بإقليم قندهار في 17 يونيو 2018 (غيتي)


في ضوء هذه الدعوة التى وُجهت إلى 12 طرفًا، من بينهم الولايات المتحدة التى رفضت المشاركة كما هو موقفها فيما سبق، وتأجيلها لحين موافقة الحكومة الأفغانية على المشاركة فيها، بعدما وافقت حركة طالبان، تثار كثير من التساؤلات حول الموقف الروسى تجاه ما يحدث في أفغانستان: ما دوافع وأسباب هذا الاهتمام الروسى بأفغانستان؟ وإلى أي مدى يرتبط هذا الاهتمام بالتحولات الدولية والإقليمية الراهنة؟ وما فرص نجاح المبادرة الروسية فى المستقبل؟ وما التداعيات المترتبة على إخفاقها واستمرار الأزمة الأفغانية؟

وفي محاولة الإجابة على كل هذه التساؤلات، يستعرض التقرير المحاور الآتية:

 

أولاً: أفغانستان وتعددية المسارات... هل تجدي نفعا؟

 


في ضوء تلك الأهمية التي تشغلها أفغانستان في خريطة العالم، نظرا لموقعها الجيوستراتيجي وكذلك أهميتها في دعم أمن واستقرار المنطقة، تعددت المبادرات وتنوعت المسارات التي طُرحت في سبيل وضع نهاية للأزمة الأفغانية التي تتشعب يوما بعد يوم بفضل تعددية اللاعبين الإقليميين والدوليين في الشأن الأفغاني، وهو ما ترتبت عليه تعددية المسارات المقترحة، فنجد لدينا أكثر من منتدى دولي وإقليمي لحل تلك القضية، من بينها؛ «عملية كابل»، و«معادلة موسكو»، ومنتدى «قلب آسيا - عملية إسطنبول»، ومجموعة الاتصال الدولية المعنية بأفغانستان، ومجموعة الاتصال «منظمة شنغهاي للتعاون - أفغانستان»، ومؤتمر التعاون الاقتصادي الإقليمي لأفغانستان.
ومن ثم، يبرز التساؤل ما الجدوى من وراء كل تلك المنتديات التي لم تنجح حتى اليوم في إيجاد مخرج للدولة الأفغانية من أزمتها المتفاقمة؟ هل تعكس هذه المنتديات رؤى متباينة للأطراف الدولية والإقليمية التي تسعى لحل الأزمة وفقا لما يحقق مصالحها الذاتية على حساب الشعب الأفغاني؟ وهل مصالح تلك الأطراف متعارضة إلى الحد الذي تجد فيه صعوبة في تنسيق جهودها وإعادة ترتيب الأوضاع؟ وهل دور القوى الدولية والإقليمية في الأزمة الأفغانية على قدم المساواة بما يمنع من سيطرة طرف على مقدرات الأوضاع ويفرض شروطه ورؤيته على الأطراف المتصارعة لوقف نزيف الأزمة وتداعياتها؟
كل تلك التساؤلات وغيرها تعكس مدى عمق الأزمة التي تواجهها أفغانستان في المستقبل القريب والبعيد لتظل ترضخ في وحل من الصراعات والنزاعات التي لن تنتهي إلا بقراءة واعية من الشعب الأفغاني للتحديات التي تواجهه وفي مقدمتها تقسيمه إلى فئات ومجموعات تتلاعب بها القوى السياسية في الداخل والتي يعد بعضها وكيلا أو ممثلا لطرف دولي أو إقليمي، إذ أصبحت أفغانستان ساحة لانقسامات متنوعة، تارة على أسس دينية وأخرى مذهبية، وثالثة عرقية، ورابعة سياسية، ليدخل الشعب الأفغاني في بوتقة من الاختلافات التي أدت إلى النتيجة التي يعيشها اليوم.

 

ثانياً: أفغانستان محط اهتمام روسي كبير... الدوافع والأسباب

 


ليست مبالغة القول إن أفغانستان تحتل مكانة متميزة في السياسة الخارجية الروسية والتي تستهدف منذ تولي فلاديمير بوتين مقاليد الحكم في أوائل الألفية الثالثة وإعادة انتخابه للمرة الرابعة في أوائل هذا العام (2018)، إعادة بناء الدولة الروسية داخليا وخارجيا بهدف استعادة مكانتها الدولية حينما كانت قطبا منافسا للقطب الأميركي في فترة الحرب الباردة، وفقدت هذه المكانة جراء تفكك المنظومة الاشتراكية في تسعينات القرن المنصرم، لينجح الرئيس بوتين في استعادة جزء من تلك المكانة وليصبح فاعلا رئيسيا في تحديد ملامح النظام الدولي الجديد الذي يُبنى بعيدا عن القطبية الأحادية التي انفردت بها الولايات المتحدة طوال العقدين الماضيين، إذ رأت موسكو أن عودة النظام الدولي إلى حالة التعددية القطبية تعيد توازن القوى والمصالح بين أطرافه الفاعلين.

مسلحون من حركة طالبان الأفغانية يركبون دراجة نارية أثناء توجههم إلى الشارع، للاحتفال بوقف إطلاق النار، في اليوم الثاني من عيد الأضحى، في إحدى ضواحي جلال آباد في 16 يونيو 2018 (أ.ف.ب - غيتي)

مسلحون من حركة طالبان الأفغانية يركبون دراجة نارية أثناء توجههم إلى الشارع، للاحتفال بوقف إطلاق النار، في اليوم الثاني من عيد الأضحى، في إحدى ضواحي جلال آباد في 16 يونيو 2018 (أ.ف.ب - غيتي)


وفي خضم هذا الصراع على إعادة ترتيب أوضاع النظام الدولي نحو تعددية قطبية، برزت مناطق كثيرة في العالم محل صراع بين الأقطاب الدولية المتصارعة على قمة النظام الدولي، ومثلت منطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وجوارهما الإقليمي محور الاهتمام الأميركي الروسي الصيني، وفي القلب من تلك المناطق برزت أفغانستان بموقعها الجيوستراتيجي كمحور رئيسي في أي ترتيبات تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها.
وفي ضوء ذلك، برزت الدوافع الروسية للوجود في أفغانستان، والتي يمكن أن نجملها فيما يأتي:
1- انتهاج موسكو سياسة خارجية جديدة تنطلق من عدة محددات، أبرزها؛ الدخول في مناطق صراعية كثيرة والتقدم بمقترحات ورؤى لحل تلك الصراعات وخاصة في المناطق التقليدية للوجود الأميركي، سعيا من جانبها لمنافسة الوجود الأميركي منعا لانفراده بوضع الحلول التي تؤثر في مجالات الأمن القومي الروسي، بل تسعى موسكو لأن تطرح نفسها كوسيط أساسي في أي صراعات تدور في محيطها الإقليمي وتحديدا في منطقتي آسيا الوسطى وجنوب آسيا.
2- مواجهة الإرهاب في تلك المنطقة، إذ إنه في ضوء المعلومات الاستخبارية عن وجود تنظيمات إرهابية في منطقة القوقاز بما يهدد الأمن القومي الروسي، وهو ما أشار إليه زامير كابولوف، السفير الروسي الأسبق لدى أفغانستان والمبعوث الخاص للرئيس بوتين، وذلك بقوله: «إن ما يثير قلقنا هو أن داعش يهدد أفغانستان وكل دول آسيا الوسطى، وباكستان، والصين، والهند وحتى روسيا». ويذكر في هذا الخصوص أن ثمة جماعتين إرهابيتين في تلك المنطقة مرتبطتان بالتنظيمين الإرهابيين (القاعدة وداعش)، وهما: إمارة القوقاز «المرتبطة بالنصرة والتابعة للقاعدة»، وولاية القوقاز الإسلامية «المرتبطة بداعش». وقد أعلنت الاستخبارات الروسية مؤخرا أن 2400 شخص من القوقاز قد التحقوا بصفوف داعش فيما هناك تقديرات أخرى تتحدث عن انضمام 5 آلاف إلى 7 آلاف شخص من روسيا وآسيا الوسطى إلى الجماعات الإرهابية. ولذا، تسعى روسيا إلى إقناع الحكومة الأفغانية بالسماح لها بتوسيع دائرتها الأمنية حتى مناطق شاسعة من شمال أفغانستان، وكذلك إيجاد نوع من التعاون العسكري بين موسكو وكابل لمنع انتشار الإرهاب وتعرض أمن المنطقة لخطر الإرهاب.
3- التخوف من أي نجاح للولايات المتحدة في عقد مصالحة مع طالبان في ظل الغياب الروسي، حيث يعني ذلك فقدان موسكو لواحدة من مناطق الصراع والنفوذ مع الغرب، بما يؤثر سلبا على الطموح الروسي نحو استعادة مكانتها الدولية. صحيح أن موسكو تدرك أنه من الصعوبة بمكان أن تصبح الراعي الخارجي الرئيسي لهذه الدولة وأن تحل محل الولايات المتحدة، إلا أنه من الصحيح أن وجوداً أكبر لها في أفغانستان يسمح لموسكو بالتأثير على أي تطور في الدول التي كانت تشكل سابقاً جزءا من المنظومة السوفياتية.
4- سعي موسكو لامتلاك ورقة ضغط جديدة في صراعها مع الولايات المتحدة في سوريا، إذ إن مجريات الأمور والتنافس الموجود في سوريا يدفع الروس ومن أجل الضغط على أميركا في سوريا إلى الدخول في أفغانستان.

ثالثاً: طالبان والروس... تغيير التحالفات

 


في خطوة قد يراها البعض غير منطقية وغير مقبولة متمثلة في التقارب الروسي مع حركة طالبان التي لم تعترف بها رسميا، شهدت العلاقات الروسية مع جماعة طالبان تقاربا ملحوظا، هو ما عبر عنه أحد قادة جماعة طالبان السابقين، سيد محمد أكبر آغا، في مقابلة مع جريدة «موسكو تايمز» في 13 فبراير (شباط) 2017... وذلك بقوله: «نحن مستعدون لمصافحة روسيا من أجل تخليص أنفسنا من ويلات أميركا، وقد أثبت التاريخ أننا أقرب إلى روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، منا إلى الغرب».
ويرجع هذا التغيير في موقف الطرفين إلى رؤيتهما بشأن كيفية تحقيق كل طرف لمصالحه، إذ ترى موسكو أن طالبان أقل تهديداً لمصالحها على المدى الطويل، مقارنة بالفوضى التي تمتلئ بها شوارع أفعانستان في ظل حكومة موالية للولايات المتحدة الأميركية، ساعده في ذلك الطبيعة السياسية لجماعة طالبان، حيث غالبيتها من البشتون، وقد أثبتت مرونة ملحوظة خلال العقدين الماضيين، على خلاف الجماعات المتطرفة العابرة للحدود مثل داعش، والقاعدة، وهو ما يعني من وجهة نظر موسكو أنه حان الوقت لاستيعاب طالبان في إطار سياسي أفغاني جديد، سعيا لحماية حدودها وحدود حلفائها في آسيا الوسطى من مخاطر تسرب الإرهابيين من ناحية، ومواجهة الوجود الأميركي من ناحية أخرى، ذلك الوجود الذي فشل في تحقيق أهدافه من خلال وجوده في المنطقة بسبب موقف طالبان الرافض لهذا الوجود، وهذا ما أشار إليه السفير الروسي الأسبق في أفغانستان كابولوف، بقوله: «إن مبلغ تريليون دولار الذي أنفقته أميركا خلال السنوات الـ15 الماضية، راح سدى».
على الجانب الآخر، رأت طالبان في روسيا الداعم الأكبر للتخلص من الوجود الأميركي الذي أنهى حلمها في حكم أفغانستان، وهو ما عبر عنه بعض قادة طالبان بقولهم: «لنا عدو مشترك. كنا نحتاج الدعم للتخلص من الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان وكانت روسيا تريد خروج كل القوات الأجنبية من أفغانستان بأسرع ما يمكن... وأن الجماعة تجري اتصالات مهمة مع موسكو منذ 2007 على الأقل وإن الدور الروسي لم يتجاوز الدعم المعنوي والسياسي».

 

رابعاً: المبادرة الروسية والمبادرة الأوزبكية الأخيرة بديل أم مكمل؟

 


قبل نحو ستة أشهر، طرح رئيس أوزبكستان، شوكت ميرضيائيف، مبادرته لعقد المؤتمر الدولي رفيع المستوى بشأن أفغانستان في 26 - 27 مارس 2018 في طشقند، والذي جاء تنفيذا للعرض المشترك المقدم من وفد أوزبكي أفغاني خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي الذي عُقد في 19 يناير (كانون الثاني) 2018 في نيويورك.

رئيس أفغانستان أشرف غني ورئيس أوزبكستان شوكت ميرزييوييف، ووزراء خارجية أوزبكستان، وقرغيزستان وباكستان وتركيا وروسيا،وكازاخستان،وطاجيكستان،وأفغانستان، ونائب وزير الخارجية الإيراني، ونائب وزير الخارجية الصيني، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، ووكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية خلال مؤتمر السلام في أفغانستان (غيتي)

رئيس أفغانستان أشرف غني ورئيس أوزبكستان شوكت ميرزييوييف، ووزراء خارجية أوزبكستان، وقرغيزستان وباكستان وتركيا وروسيا،وكازاخستان،وطاجيكستان،وأفغانستان، ونائب وزير الخارجية الإيراني، ونائب وزير الخارجية الصيني، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، ووكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية خلال مؤتمر السلام في أفغانستان (غيتي)


وقد هدف هذا المؤتمر الذي لم يُعقد إلى إصدار – كما أعلن حينذاك – ما يعرف بـ«إعلان طشقند» والذي يتضمن عدة محاور، أبرزها:
- أن تسير عملية السلام تحت إشراف القوات الأفغانية بنفسها، وذلك وفقا لأحكام قرارات ومقررات الجمعية العامة ومجلس الأمن للأمم المتحدة.
- دمج المعارضة المسلحة في الحياة السياسية بأفغانستان والاعتراف بها باعتبارها قوة سياسية شرعية في حالة نجاح عملية السلام.
- رفض جميع أشكال ومظاهر الإرهاب دون أي تمييز، ومقاومة تهديدات الإرهاب العابر للقوميات والاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة التي تشكل التحديات المشتركة للاستقرار والتنمية المستدامة، سواء بالنسبة لأفغانستان أو للمنطقة والعالم بشكل عام.
رغم أهمية هذه المبادرة وجدوى بنودها التي كان من المتوقع التوصل إليها، إلا أنها لم تر النور، حيث تعثرت الجهود في عقد هذا المؤتمر الدولي بما جعلها حبرا على ورق.
ومن ثم، يبرز التساؤل: هل تعد المبادرة الروسية بديلة للمبادرة الأوزبكية أم مكملة لها؟ وهل ستنجح أم سيكون مصيرها كمصير المبادرة الأوزبكية؟
وتأتي الإجابة في محورين: الأول، أن المبادرة الروسية لم تكن بديلة عن المبادرة الأوزبكية وإن سعت إلى تحقيق ذات الأهداف التي تضمنتها المبادرة الأوزبكية، إلا أنه من الواضح أن موسكو لديها مسار مختلف تسعى من خلاله إلى تحقيق حزمة من الأهداف التي تتفق ومصالحها، من أبرزها زيادة نفوذها وتحسين صورتها في البلد الذي سبق وأن احتلته عام 1979 ولم تنجح في الاحتفاظ به، إذ سرعان ما خرجت منه تحت ضغط المقاومة الشرسة التي لاقتها موسكو من القوى الأفغانية المدعومة آنذاك من أطراف دولية وإقليمية رأت في التمدد السوفياتي في أفغانستان تمددا للآيديولوجيا الشيوعية التي تهدد مصالح تلك الأطراف في هذه المنطقة تحديدا. الثاني، من غير المتوقع أن تؤتي المبادرة الروسية ثمارها في ظل بيئة أفغانية معقدة ومتشابكة من ناحية، وفي ظل غموض ملامح الخطوات الروسية في أفغانستان من ناحية أخرى، إذ من غير المعلوم ما هي نوعية عملية السلام التي يريد الروس تنفيذها في هذا البلد؟ ومن هم الأطراف المعاونون لنجاح هذه العملية؟ وما هو موقف الأطراف الأخرى المنغمسة في الصراع الأفغاني من تلك العملية؟

 

خامساً: المبادرة الروسية... واشتراطات النجاح

 


في ضوء تلك القراءة غير الإيجابية للجهود الروسية لنجاح مبادرتها في حل الأزمة الأفغانية، يصبح التساؤل المطروح؛ ما هو المطلوب تحديداً في سبيل إنجاح تلك الجهود؟ هل يكفي فقط مجرد الجلوس على طاولة المفاوضات بين الفرقاء الأفغان كخطوة رئيسية نحو حلحلة الأزمة؟ هل تكفي مشاركة أطراف عدة وصل عددهم - طبقا لما نشر من أخبار - إلى 12 طرفا وجهت لهم دعوة للمشاركة؟
هذه التساؤلات تحاول أن تضع الاشتراطات الواجب توافرها لإنجاح المبادرة الروسية رغم أنها لم تكن الأولى من نوعها، وإنما سبقتها جولات ثلاث من المفاوضات بين الأطراف الأفغانية وبمشاركة أطراف دولية وإقليمية لم تكن الولايات المتحدة الأميركية طرفا في أي منها كما سبقت الإشارة.

مظاهرات في شمال أفغانستان في 16 يوليو 2018 (غيتي)

مظاهرات في شمال أفغانستان في 16 يوليو 2018 (غيتي)

ومن هذا المنطلق، تطرح هذه الورقة مجموعة من الاشتراطات الواجب توافرها لإنجاح المبادرة الروسية حتى في وضع أسس الحل التي يمكن أن تمثل الأرضية المشتركة لبناء الثقة بين الأطراف الأفغانية من جانب، والفواعل الدولية والإقليمية المنغمسة في الصراع من جانب آخر. تتمثل أبرز هذه الاشتراطات فيما يأتي:
1- الاستفادة من الخبرات السابقة سواء من خلال الوجود الروسي المباشر في أفغانستان في أواخر سبعينات القرن المنصرم، أو من خلال الوجود الأميركي اليوم، أو من خلال المبادرات الكثيرة التي طُرحت لحل الأزمة، وذلك في وضع مقاربة غير تقليدية في التعامل مع مختلف أبعاد الأزمة الأفعانية بعيدا عن اللقاءات التقليدية والمباحثات المارسونية التي لا تقدم جديدا. مع ثبات روسيا على موقفها والذي تؤكد عليه مرارا بأنها لن تجري أي محادثات سرية مع طالبان كما أشارت إلى ذلك المتحدثة باسم الخارجية الروسية زاخاروفا: بقولها: «إن روسيا تفضل التوصل إلى سلام عن طريق التفاوض في أفغانستان وهو ما لا يمكن أن يحدث بغير إقامة علاقات مع كل الأطراف بما فيها حركة طالبان»، وأن تواصلها مع حركة طالبان يأتي في الإطار الذي حدده السفير الروسي في أفغانستان إلكسندر مانتيتسكي، بقوله: «إن اتصالات حكومته مع الحركة تهدف إلى ضمان سلامة المواطنين الروس والتشجيع على المشاركة في محادثات السلام».
2- التنسيق المُحكم مع الأطراف الإقليمية الفاعلة في الأزمة الأفغانية، إذ كما سبقت الإشارة ثمة مبادرات كثيرة طُرحت سواء على مستوى الدول أو المنظمات الإقليمية المعنية وكان مصيرها الفشل، والذي يجد بعضا من تفسيره في قيام كل طرف بتقديم مبادرة تراعي مصالحه ومصالح حلفائه على حساب مصالح الأطراف الأخرى التي تلعب دورا مهما في إفشال هذه المبادرة. ولذا، فكان من الواجب على موسكو قبل طرح مبادراتها بشكل علني أن تجري مباحثاتها ومفاوضاتها السرية مع الفاعلين الرئيسيين في القضية الأفغانية.
3- التأكيد على الدور التنموي لأي مبادرات للسلام والأمن، إذ إنه في ظل غياب ملف التنمية الحقيقية للدولة الأفغانية، يظل الشعب الأفغاني أسير انتماءاته دون الوطنية (القبلية والمذهبية) بعيدا عن الولاء للوطن، وهو ما يعني ضرورة أن تتبنى روسيا مبادرة تنموية رئيسية في النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبشرية للشعب الأفغاني بداية، ثم تأتي المبادرة السياسية، إذ إنه من المهم أن تدرك موسكو أن ذكرى الغزو السوفياتي لا تزال حية في ذهن كل أفغاني، ومن المستبعد تغييرها في ظل عودة دورها دون تغيير حقيقي في حياة هؤلاء المواطنين الذين ينظرون إلى الدور الخارجي على أنه دور يرتبط بمصالحه على حساب مصالح الدولة والشعب الأفغاني، وهو ما يمثل عائقا أمام نجاح روسيا في تنفيذ مبادرتها. وفي هذا الخصوص، يُقترح ما يأتي:
• التنسيق مع الصين من خلال تعزيز دور بنك التنمية الآسيوى الذي تسيطر عليه الصين للعب دور تنموي في أفغانستان، خاصة أن المؤشرات كافة تؤكد على وجود صيني من خلال قوات برية على الحدود الأفغانية.
• أن تتبنى روسيا بالتعاون مع دول آسيا الوسطى مبادرة تنموية مشتركة لتنمية أفغانستان.
4- إذا كان من الصعوبة بمكان المشاركة الأميركية في أي مبادرات تطرحها موسكو لحل الأزمة الأفغانية ويدلل على ذلك رفضها المشاركة في أي جولة من الجولات التي عقدتها موسكو بشأن أفغانستان. فإنه من الصعوبة بمكان أيضا أن تحقق أي مبادرة روسية نجاحا يُذكر في ظل وجود عسكري أميركي على الأرض الأفغانية، حيث يوجد في أفغانستان أكثر من (8) آلاف جندي أميركي، وقد قررت إدارة الرئيس ترمب زيادة عدد القوات، بعد أن كان يطالب بخفضها أثناء حملة ترشحه للرئاسة الأميركية، إذ من المنتظر أن يزيد العدد إلى أكثر من (11) ألف جندي أميركي. ومن ثم، يستوجب على روسيا إذا أرادت أن تُسهم في حل هذه الأزمة أن تأخذ في الحسبان هذا الوجود الأميركي من خلال البحث عن مقاربة ثنائية تجمعهما بشأن أفغانستان، على أن يتم خلالها التوافق على الأسس الرئيسية لأي حل منتظر، خاصة وأنهما يملكان ذات الهدف في محاربة الإرهاب ومنع استغلال الأراضي الأفغانية كمنطلق لعملياته ضد مصالح الطرفين، إلا أنهما يختلفان في كيفية تحقيق مصالحهما في تلك المنطقة. وغني عن القول إن المطالبة بأخذ الوجود الأميركي في الحسبان في أي مبادرة تُطرح لحل الأزمة تنطلق من قراءة دقيقة لواقع الأزمة التي يقع أحد طرفيها ويُقصد به الحكومة الأفغانية في نطاق السيطرة الأميركية الكاملة، بما يعني أنه من الصعوبة بمكان على حكومة كابل الدخول في أي مفاوضات أو مباحثات مع طالبان برعاية روسية دون تنسيق وإذن مسبق من الإدارة الأميركية، يؤكد على ذلك ما نُشر عن وزارة الخارجية الأفغانية في إشارتها إلى أنه: «يجب تنفيذ عملية السلام تحت قيادة جمهورية أفغانستان الإسلامية، ونحن لن نشارك في محادثات موسكو». وكان هذا الموقف هو السبب وراء تأجيل عقد هذه القمة كما سبقت الإشارة.

متظاهرون أفغان يصرخون بشعارات مناهضة للحكومة خلال مظاهرة في ميمانه شمال أفغانستان في 4 يوليو 2018 (أ.ف.ب - غيتي)

متظاهرون أفغان يصرخون بشعارات مناهضة للحكومة خلال مظاهرة في ميمانه شمال أفغانستان في 4 يوليو 2018 (أ.ف.ب - غيتي)


5- تقديم مبادرات الحل بمشاركة أطراف عربية بدلا من التعاون مع طهران في الملف الأفغاني، إذ إن التعاون السابق بين بعض القوى الأفغانية وبعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر، يمنح فرصة كبيرة لبناء الثقة في أي مبادرات تطرحها موسكو، وذلك نظرا للعلاقات الحميدة التي تجمع الأطراف الأفغانية مع هذه البلدان بما يُسهل التوصل إلى تفاهمات تمثل أسسا لإنجاح مبادرات السلام المطروحة. في حين أن الوجود الإيراني لن يسمح بحلول سلمية للصراع بين الأطراف الأفغانية كما ترغب موسكو. فمن المعلوم أن طبيعة التدخل الإيراني في أي أزمة هو محاولة تأجيجها لأبعد حد ممكن سعيا لتحقيق مكاسب على حساب كافة الأطراف، وهي سياسة تتعارض كلياً مع السياسة الروسية الهادفة إلى إحلال السلام والأمن والاستقرار في أفغانستان لوقف شبح الإرهاب الذي يطال حدودها الجنوبية وحدود جوارها الإقليمي، بل مما يزيد الأمر سوءا أن وجود الإيرانيين على الأرض يعني - بالضرورة - تنافساً عسكريا مع واشنطن، مع ما يحمله ذلك من احتمالات تصادم يعرقل أي جهود روسية للتسوية السلمية.
نهاية القول إنه إذا كان ما سبق طرحه من اشتراطات لإنجاح المبادرة الروسية يمثل الأرضية الرئيسية لعودة الاستقرار إلى الدولة الأفغانية، فإنه من المهم الأخذ في الحسبان أن المبادرة الروسية لن تكون المبادرة الأخيرة في هذا الصدد، وإنما من المتوقع في ظل غياب تلك الاشتراطات أن تتزاحم على الساحة الأفغانية مبادرات عدة إقليمية ودولية، والتي تعكس مدى إدراك الجميع بأن الحل العسكري لن يجدي في حلحلة الأزمة، وأن المفاوضات السلمية بين الفرقاء الأفغان هي السبيل الأوحد نحو إعادة بناء تلك الدولة ذات الموقع الجيوستراتيجي، شريطة أن يُصاحب تلك المفاوضات أمران مهمان: الأول، العمل على دعم واندماج أفغانستان في منظومة من العلاقات التجارية والاقتصادية وروابط البنية التحتية مع دول المنطقة. الثاني، ضرورة التوافق الدولي واسع النطاق حول القضايا الأساسية للسلم والأمن في أفغانستان، ودعم الجهود المبذولة من قبل قيادة الأفغان أنفسهم والقوى المختلفة لديهم من أجل المصالحة الوطنية.
ومن دون هذين الشرطين تظل الأزمة الأفغانية تدور في حلقة مفرغة من الصراعات اللانهائية والتي يدفع ثمنها الشعب الأفغاني في المقام الأول، ثم الأمن والاستقرار في المنطقة وربما العالم بأسره، إذ تظل أفغانستان مفرخة للإرهاب والإرهابيين، ومصدراً لتجارة الأفيون والمخدرات.


اشترك في النقاش