الرشوة في العالم تلتهم تريليوني دولار سنوياً

* كريستين لاغارد: التكلفة السنوية للرشوة تعادل 2 % تقريباً من إجمالي الناتج المحلي العالمي.
* تستخدم بعض الحكومات شتى الوسائل لإخماد صوت الساعين لمكافحة الفساد، من حملات تشهير ومضايقات إلى الدعاوى القضائية.
* رفعت حملة مكافحة الفساد التي أعلنها الملك سلمان بن عبد العزيز، وأشرف على تنفيذها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أسهم المملكة العربية السعودية في محاربة الفساد. وتقدمت السعودية 5 مراكز في الترتيب الدولي.
* 4 خطوات أساسية لمكافحة الفساد: تعزيز الشفافية... وتعزيز سيادة القانون... وتنظيم وتبسيط اختصاصات الموظفين العموميين... وأن تلعب القيادة السياسية دوراً حاسماً في مكافحة الفساد.

 

القاهرة: بينما تعد «مكافحة الفساد» من العبارات الأكثر ترديدا على لسان المسؤولين في جميع دول العالم، كشفت منظمة الشفافية الدولية، أن جهود أكثر من ثلثي الدول في محاربة الفساد ما زالت «متعثرة».
وتتراوح التكلفة السنوية للرشوة، وهي شكل واحد فقط من أشكال الفساد، ما بين 1.5 تريليون وتريليوني دولار أميركي، بما يعادل 2 في المائة تقريبا من إجمالي الناتج المحلي العالمي، بحسب كريستين لاغارد، مدير صندوق النقد الدولي، وهذه التكاليف هي «قمة جبل الجليد» فقط، أما الآثار طويلة الأجل فهي أعمق بكثير.
وأكدت دراسات البنك الدولي أن خسائر الفساد تشكل 2 في المائة من الناتج القومي العالمي، وتعادل نحو 10 مرات قيمة المساعدات المقدمة للدول النامية. وأكد البنك الدولي أن الفساد عائق كبير في وجه تحقيق هدف إنهاء الفقر المدقع في عام 2030. ورفع نسبة المشاركة الاقتصادية بنسبة 40 في المائة من السكان في الدول النامية.


فيما أشار المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، فيليب لازاريني، إلى وجود رابط بين الفساد وتراجع النمو الاقتصادي، إذ إن كلفة القيام بالأعمال ترتفع في الدول التي تشهد فسادا بنسبة 10 في المائة عن الكلفة في الدول التي تشهد فسادا أقل.
وحددت المديرة التنفيذية لمنظمة الشفافية الدولية، باتريشيا موريرا، الإجراءات التي رصدها التقرير في الدول ذات التصنيف المنخفض في مؤشرات مكافحة الفساد، قائلة: «تستخدم بعض الحكومات شتى الوسائل لإخماد صوت الساعين لمكافحة الفساد، من حملات تشهير ومضايقات إلى دعاوى قضائية، وإمعان في البيروقراطية، وإجراءات إدارية معقدة».
وحددت موريرا أيضا، الإجراءات الواجب على تلك الدول اتباعها، لتحسين تصنيفها، قائلة: «ندعو هذه الحكومات التي تتستر وراء فرض قوانين تقيد الحريات أن تتراجع عنها على الفور وأن تفسح المجال لمشاركة المكونات المدنية».

 

ترتيب الدول

 


وفيما أصدرت منظمة الشفافية الدولية، تقريرها السنوي عن نسب انتشار الفساد في 180 دولة حول العالم، متضمنا تقييما لجهود تلك الدول في محاربة الفساد. وجاءت نيوزيلندا في المركز الأول والدنمارك في المركز الثاني، بينما حلت فنلندا والنرويج وسويسرا مشاركةً في المركز الثالث، وبالتالي أصبح ترتيب سنغافورة في المركز السادس مشاركة مع السويد، وجاءت كل من كندا ولوكسمبورغ في المركز الثامن، فيما جاء في ذيل التقرير الصومال وجنوب السودان وسوريا وأفغانستان واليمن، في المراكز الخمسة الأخيرة، ما يعني أن هذه الدول تعد الأكثر فسادا في العالم.
وكشفت المنظمة في تقريرها، أن تحليل نتائج تلك الدول كشف عن وجود علاقة طردية، بين مستويات الفساد وحماية حرية الصحافة ونشاط المجتمع المدني، وتوصلت إلى أن معظم البلدان التي تتدنى فيها مستويات حماية الصحافة والمنظمات غير الحكومية تتصدر أعلى معدلات الفساد. فحرية الصحافة تعني سهولة الكشف عن الحقيقة، وكذلك الأمر بالنسبة للجمعيات الأهلية، فكلما سمحت الدولة بوجود منظمات مجتمع مدني تراقب وتحلل السياسات، زادت إمكانيات الكشف عن الفساد بكافة صوره.

 

استفحال الرشوة

 


قال الخبير المغربي في الحوكمة والمحاسبة ومكافحة الفساد، الدكتور محمد براو، إن المتخصصين عادة ما يعرفون الفساد بـ«الثقب الأسود». وعن تصنيف المغرب، قال براو إن تقرير المنظمة يؤكد أن المغرب ما زالت تصنف ضمن الدول التي تعاني من «الرشوة»، ورغم وجود جمود «مزمن» في مؤشر إدراك الرشوة والفساد خلال السنوات الأخيرة، فإن الحكومة المغربية نفسها تعترف بـ«استفحال الرشوة».
وحدد الخبير المغربي، 3 قرارات للحد من انتشار الفساد في المغرب، أولها: تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وسرعة إصدار قانون الحق في الحصول على المعلومات، الذي أقره البرلمان مؤخرا، وثالثا: تفعيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي صدر قانونها منذ عدة أشهر.

يستقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الخارجية والكومنولث هوغو سواير رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية خالد بن عبد المحسن المحيسن (إلى اليسار) في مؤتمر قمة مكافحة الفساد في لندن 2016 - في لانكستر هاوس (غيتي)

يستقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الخارجية والكومنولث هوغو سواير رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية خالد بن عبد المحسن المحيسن (إلى اليسار) في مؤتمر قمة مكافحة الفساد في لندن 2016 - في لانكستر هاوس (غيتي)

 

تفاؤل حذر

 


وفي تونس، كشف تقرير الشفافية الدولية الأخير عن تحسن طفيف في مؤشر مكافحة الفساد في تونس، حيث حصلت تونس في تقييم 2017 على 42 في المائة مقابل 41 في المائة في تقييم 2016. محتلة بذلك المركز 76 على مستوى العالم.
واعتبر الخبير التونسي، مختار بن حفصة، عضو التنسيقية الأفريقية لشبكة إلغاء الديون غير الشرعية ذلك «أمرا يدعو إلى التفاؤل رغم أنه غير معبر بدقة عن الحقيقة»، موضحا أن تونس سبقت كثيرا من الدول العربية في اتخاذ إجراءات جادة لمحاربة الفساد، أبرزها قانون حرية تداول المعلومات، فضلا عن تفعيل دور هيئة مكافحة الفساد، وتبني استراتيجية وطنية لمحاربة الفساد. وأنشئت محكمة خاصة للفصل في قضايا الفساد، ولكن ورغم ذلك ما زال أمام المجتمع التونسي الكثير لنبذ الفساد ومحاربته.

 

تراجع المؤشر

 


وعلى عكس تونس؛ تراجع ترتيب مصر في مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 درجتين، حيث سجلت 32 نقطة، مقابل 34 في تقرير العام السابق، واحتلت المركز 117 بين الـ180 دولة التي شملها التقرير. وهو ما اعتبرته الخبيرة المصرية في الحوكمة ومكافحة الفساد، غادة موسي «غير معبر عن الحقيقة على أرض الواقع»، مشيرة إلى أن التقرير لم يوضح أسباب انخفاض مؤشر مصر من 37 في المائة عام 2014 إلى 32 في المائة هذا العام، واكتفى فقط بالاعتماد على تقرير مؤسسة «فريدوم هاوس» الخاص بحرية الصحافة وتكوين الجمعيات الأهلية، رغم أنه معروف بانحيازه ضد مصر.
وأضافت أن تصنيف مصر منذ 2011 وحتى الآن يدور في فلك الـ30 في المائة، ووفقا لاستراتيجية 2030 التي تستهدف مصر من خلالها أن تكون من أقوى 30 دولة في العالم اقتصاديا بحلول عام 2030، تتضمن تجاوز الـ50 في المائة في مؤشر منظمة الشفافية الدولية، لافتة إلى أنه «يفصلنا عن تحقيق هدفنا 12 سنة، بواقع ارتفاع درجة ونصف الدرجة كل عام».
وكشفت أن مصر اتخذت كثيرا من الإجراءات لمكافحة الفساد، وطبقت غالبية التدابير الوقائية من الفساد التي حددتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، سواء في مجال الإصلاح الإداري أو الشفافية، أو رفع كفاءة المؤسسات الإدارية للدولة، أو الإفصاح والكشف عن قضايا الفساد، لافتة إلى أن هيئة الرقابة الإدارية لديها موقع إلكتروني تنشر من خلاله قضايا الفساد التي تباشرها، وكذلك الحال بالنسبة لهيئة النيابة الإدارية، إضافة إلى إصدار قانون الاستثمار ليحمي الفئة التي تشتكي من الرشاوى، وبث حملات توعية للمواطنين لتجنب الفساد والرشاوى.
وقالت موسى: «لا ينقصنا في الوقت الحالي سوى إصدار قانون حرية تداول المعلومات».

 

السعودية تتقدم خمسة مراكز

ورفعت حملة مكافحة الفساد التي أعلنها الملك سلمان بن عبد العزيز، وأشرف على تنفيذها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أسهم المملكة العربية السعودية بالمحافل الدولية في مجال محاربة الفساد. وتقدمت السعودية 5 مراكز في الترتيب الدولي، إلى المركز 57 عام 2017. بعدما كانت في المركز 62 عام 2016، كما تقدمت المملكة مركزًا واحدًا إلى المركز الثالث على صعيد الدول العربية مقارنة بالتقرير السابق.

متظاهرون من حركة «حراك» خلال مظاهرة ضد الفساد والقمع والبطالة في بلدة إمزورن شمال المغرب في صباح يوم 11 يونيو (حزيران) 2017 (أ.ف.ب/ غيتي)

متظاهرون من حركة «حراك» خلال مظاهرة ضد الفساد والقمع والبطالة في بلدة إمزورن شمال المغرب في صباح يوم 11 يونيو (حزيران) 2017 (أ.ف.ب/ غيتي)


وأكد التقرير جدية السلطات السعودية في الإصلاحات التي باشرتها، وذلك من خلال تشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
وكانت المملكة قد أقرت الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد عام 2007، وأنشأت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عام 2011. كما تم تحديث وإصدار الكثير من الأنظمة في مجال تعزيز مبدأ الشفافية وحماية النزاهة.
وقد أطلقت المملكة العربية السعودية رؤيتها 2030، التي أكدت أن الشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد من أهم المرتكزات لتحقيق الأهداف في الحد من تأثير الفساد المالي والإداري على مسيرة التنمية، وذلك من خلال بناء وتفعيل منظومة من القوانين والإجراءات المرتبطة بمكافحة الفساد وسد منافذه، والأخذ بتطبيق مبادئ الحوكمة والشفافية لتحقيق معدلات عالية من النزاهة في جميع القطاعات، وبناء شراكة حقيقية مع كافة أطياف المجتمع، ومساهمة فاعلة لتطوير الأنظمة والقوانين الهادفة لمكافحة الفساد المالي والإداري بجميع صوره، والاستفادة من أفضل الممارسات والتجارب في هذا المجال.

 

الإمارات الأولى عربياً وإقليمياً

 


وقد واصلت الإمارات العربية المتحدة تصدرها دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوصفها أكثر دول المنطقة في الشفافية ومكافحة الفساد، وأظهر مؤشر مدركات الفساد للعام 2017، والذي احتلت فيه الإمارات المركز الأول عربيًا وإقليميًا بـ71 نقطة، أن مجموع النقاط المرتفعة التي سجلتها الدولة يبلغ وفقًا للتقرير نحو ضعف متوسط النقاط التي سجلتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتقدمت الإمارات ثلاثة مراكز مقارنة بالعام الماضي لتأتي في المركز الـ21 ضمن أفضل دول العالم بعدما منحها المؤشر 71 نقطة من مجموع 100 في مكافحة الفساد.
وأرجع التقرير المركز المتقدم الذي حققته الإمارات للإدارة الرشيدة والكفء للمال العام، إضافة للإجراءات المتطورة التي تتبناها الدولة لإدارة المشتريات والمستويات الممتازة للخدمات والبنيات التحتية.

 

تكاليف الفساد

 


وأشارت كريستين لاغارد، مدير صندوق النقد الدولي، إلى أن للفساد عميق الجذور عواقب وخيمة على الاقتصاد، حيث يقوّض قدرة البلدان على تحقيق نمو اقتصادي احتوائي ومستدام. مشيرة إلى دراسة صندوق النقد الدولي التي تكشف عن أن ارتفاع مستوى الفساد يرتبط بانخفاض ملحوظ في النمو والاستثمارات، والاستثمار الأجنبي المباشر، والإيرادات الضريبية.
وأضافت أن الفساد يضعف قدرة الحكومة على تحصيل الضرائب، ويشوه الإنفاق بإبعاده عن الاستثمارات ذات القيمة في مجالات مثل الصحة والتعليم والطاقة المتجددة وتوجيهه نحو المشروعات التي تهدر الموارد التي تحقق مكاسب قصيرة الأجل. والفساد بمثابة ضريبة على الاستثمار أو أسوأ من ذلك، نظرا لعدم اليقين بشأن ما يُطلب من رشاوى في المستقبل.
وأكدت ضرورة توسيع نطاق مكافحة الفساد ليشمل كل هذه المجالات. فأوجه الضعف في الحوكمة مضرة في حد ذاتها، لكنها تفتح الباب أيضًا لاستشراء الفساد. وحتى تصبح استراتيجيات مكافحة الفساد فعالة بالفعل، يتعين أن تتجاوز مجرد إلقاء الفاسدين في السجون، إذ إنها تتطلب إصلاحات تنظيمية ومؤسسية أوسع نطاقًا. فالمؤسسات القوية والشفافة والمسؤولة هي، في نهاية المطاف: «العلاج» الأكثر استمرارية للفساد. وأضافت «لاغارد»: «لكي نكافح الفساد بحق، علينا التصدي لتيسير ممارسات الفساد في القطاع الخاص».

 

التجربة الأمیركية

 


منذ أربعين عامًا، سنّت الولايات المتحدة قانونا يمنع الشركات من دفع رشاوى للفوز بالعطاءات والأعمال التجارية في دول أخرى. ولفترة طويلة كانت هي البلد الوحيد الذي يفرض مثل هذا الحظر.
وحذت الكثير من دول العالم حذوها. واعتمدت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي اتفاقيتها الخاصة بمكافحة الرشوة في العام 1997، كما اعتمدت الأمم المتحدة في العام 2003 معاهدتها الخاصة والتي وقعتها حتى الآن 181 دولة.
وقد تعاونت وكالات تطبيق القانون في تلك الدول مع وزارة العدل الأميركية وهيئة الأوراق المالية الأميركية لإنتزاع مئات الملايين من الدولارات من الشركات التي استهانت بالحظر الدولي. وفي الولايات المتحدة، فإن دفع الرشاوى داخل البلاد ينتهك قوانين أخرى.
يقول قادة الشركات الأميركية الكبرى إن رفض دفع رشاوى أو إكراميات لتسهيل الإجراءات أمر جيد لأعمالهم في الخارج، وهو لا يعوق المبيعات أو يقلّص الأرباح.
فمحاربة الفساد حجر الزاوية في سياسة الأمن القومي الأميركي، ليس فقط للأسباب الأخلاقية الواضحة، ولكن لأن البلدان المليئة بالفساد تعاني بشكل ثابت ومستمر من مجموعة من المشاكل الأخرى.
وفرض مسؤولو تطبيق القانون في الولايات المتحدة غرامات بما يقرب من 11 مليار دولار بموجب قانون مكافحة الرشوة. وينطبق القانون على جميع الشركات الأميركية وعلى الشركات الأجنبية المُدرجة في البورصات الأميركية.
فقد دفعت مجموعة سيمنز الألمانية 1.6 مليار دولار للسلطات الأميركية والألمانية في العام 2008 بسبب قيامها برشوة مسؤولين في خمس قارات. وفي العام الماضى، توصلت شركة الاتصالات اللاسلكية السويدية تيليا إلى تسوية بقيمة 965 مليون دولار مع السلطات الأميركية والهولندية بسبب مخطط واسع للرشاوى في أوزبكستان.
وكل شركة أميركية كبرى لديها مدونة لقواعد السلوك والأخلاق تمنع الرشوة وتطلب من الموردين والوسطاء.

 

شبكات قوية بين رجال الأعمال والحكومة

 


حذر صندوق النقد الدولي من ارتفاع مخاطر وتكلفة الفساد الاقتصادية والاجتماعية على الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن ظاهرة الفساد تتفاقم في كل من الاقتصاديات النامية والمتقدمة.

تظهر هذه الصورة التي تم التقاطها في 17 يوليو (تموز) 2018 تاجر عملة باكستانياً يحسب أوراقاً نقدية بالدولار الأميركي في متجر لبيع العملات في كراتشي (أ.ف.ب/ غيتي)

تظهر هذه الصورة التي تم التقاطها في 17 يوليو (تموز) 2018 تاجر عملة باكستانياً يحسب أوراقاً نقدية بالدولار الأميركي في متجر لبيع العملات في كراتشي (أ.ف.ب/ غيتي)


وأكد شون هاغن، مدير الإدارة القانونية بصندوق النقد الدولي، أن الفساد جريمة قانونية لا بد من مواجهتها بمؤسسات قانونية قوية، مشيرا إلى أن الظواهر الاقتصادية تتفاعل مع الديناميكيات السياسية والاجتماعية. وقال إن «أحد أسباب اندلاع ثورات الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط هو الفساد والثورة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية».
ويؤكد خبراء الصندوق أن الفساد يؤثر على معدلات النمو المحتمل والشامل، ويؤثر سلبا على الاستقرار المالي الكلي والاستثمار العام والخاص وتراكم رأس المال البشري، كما يؤثر سلبا على الإنتاجية، بما يؤدي إلى انخفاض معدلات النمو وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كما يولد الفساد حالة من انعدام الثقة في الحكومة ويضعف من قدرة الدولة على أداء وظيفتها الأساسية.
وأشار تقرير صندوق النقد الدولي، إلى أن انتشار الفساد في الوظائف الحكومية يؤدي إلى ضعف قدرة الدولة على تحصيل الضرائب، ما يؤدي إلى انخفاض الإيرادات. ويؤدي الفساد إلى انتشار ثقافة التهرب الضريبي، ويجعل الجمهور أقل رغبة في الأمتثال للقوانين الخاصة بالضرائب التي ينظر لها على أنها غير عادلة.
ويعوق الفساد صياغة وتنفيذ سياسات نقدية سليمة، ويؤدي إلى تآكل قدرة الدول على تحصيل الإيرادات، ويقوض استقلالية ومصداقية البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية، ونتيجة لذلك ترتفع معدلات التضخم في البلدان ذات المستويات الأعلى في الفساد.
ويترتب على الفساد نتائج اجتماعية سيئة، حيث يقل الإنفاق على التعليم والصحة في الأنظمة الفاسدة.. وهذا يؤدي بدوره إلى ارتفاع معدلات وفيات الأطفال ومعدلات عالية في التسرب من المدارس وانخفاض مستويات التعليم، وكلها تؤثر على طبقة الفقراء التي تعتمد بشكل أكبر على الخدمات الحكومية، كما يؤدي الفساد إلى تفاقم عدم المساواة في الدخل، والفقر.
وأوضح الصندوق أن تعريف الفساد لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب مالية (رشوة) للموظف الحكومي، موضحا أن التدخل السياسي أو استغلال المناصب العامة يعد فسادا كذلك. وقال الصندوق إن المشرعين الذين لهم مصالح خاصة قد يعرقلون سن قوانين للمصلحة العامة، وهو ما يمثل الشكل التقليدي للاستيلاء على الدولة.
وقال خبراء الصندوق: «لوحظ في بعض البلدان أن الفساد أصبح منتشرا بحيث لم يعد من السهل تحديده بسبب الشبكات القوية من العلاقات بين رجال الأعمال والحكومة، وانتشار نمط من السلوك أصبح هو القاعدة».

 

أربع خطوات

 


وحدد تقرير صندوق النقد أربع خطوات أساسية لمكافحة الفساد، الخطوة الأولى تعزيز الشفافية واعتماد معايير دولية في الشفافية الضريبية والمالية. والخطوة الثانية تعزيز سيادة القانون والملاحقة القانونية الفعالة، وتعيين مؤسسات متخصصة لمواجهة الفساد مع إطار فعال لمكافحة غسل الأموال للحد من عائدات الفساد.
والخطوة الثالثة تنظيم وتبسيط اختصاصات الموظفين العموميين ووضع إطار مؤسسي لمنع الاحتكار في الاقتصاديات النائية. أما الخطوة الرابعة، فهي أن تلعب القيادة السياسية دورا حاسما في مكافحة الفساد وضمان اتخاذ إجراءات مناسبة عند الحاجة، ووضع حوافز مناسبة للسلوك الجيد وضمان أجور وإجراءات فعالة.


اشترك في النقاش