«حزب الله» خارج مساره... فرصة تاريخية لإضعافه

من أجل تقييده في لبنان وإيقاف نفوذه الإقليمي
* على مدار ستة وثلاثين عاما من وجوده كتنظيم، أجرى «حزب الله» تغييرات كبرى، وخاض تجارب تشكيلية أثرت على وضعه الراهن.
* بدأت الأعمدة التي شكلت قاعدة تأييد «حزب الله» في الترنح... وانخفضت ميزانية الخدمات الاجتماعية جراء توجيه مزيد من الأموال إلى العمليات العسكرية الدائرة في سوريا والمنطقة. 
* أول مرة استخدم فيها «حزب الله» سلاحه ضد قوة لبنانية أخرى كان في 7 مايو 2008.
* أعلن الأمين العام لـ«حزب الله»  في خطاب ألقاه 10 مارس الماضي أن التنظيم تعهد بالولاء الكامل للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وأن التزام «حزب الله» تجاه خامنئي يتجاوز التزامه بالدستور (اللبناني). 
* حسن نصر الله: «حزب الله» ليس مُلزما بتوجيهات المرشد الأعلى الإيراني فحسب، بل «بمقترحاته وأفكاره».
* لم يفز «حزب الله» بالانتخابات الأخيرة في لبنان لأنه كان الأكثر شعبية بين الفصائل، بل لأنه استطاع التخلص من المعارضة تحت تهديد السلاح.
* نصر الله: «حزب الله» ليس مُلزماً بتوجيهات المرشد الأعلى الإيراني فحسب، بل «بمقترحاته وأفكاره».
* «حزب الله» متورط في صفقات مخدرات في جميع أنحاء العالم. وتقوم شخصياته البارزة بتعيين أقربائهم وشركائهم المقربين لتولي مناصب عامة.
* تقبلت الأغلبية العظمى من الشيعة في لبنان مفهوم «حزب الله» الديني بعد وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني البارز محمد حسين فضل الله عام 2010. 

واشنطن: على مدار ستة وثلاثين عاما من وجوده كتنظيم، أجرى «حزب الله» تغييرات كبرى، وخاض تجارب تشكيلية أثرت على وضعه الراهن، ومنها الوضع السياسي في لبنان، وانضمام «حزب الله» إلى الحكومة، واغتيال رفيق الحريري، والحروب التي اشتعلت في لبنان والمواجهات العنيفة مع الجيش الإسرائيلي، وانسحاب القوات السورية من لبنان والحرب الأهلية في سوريا، والفوضى الإقليمية إلى جانب تداعياتها.

إن كلاً من تطور التنظيم من صنيعة إيرانية إلى كيان ذي صورة لبنانية، وتطوير ثقافة التنظيم العسكري، والتطورات الاقتصادية وتأثير التنظيم على المجتمع الشيعي في لبنان، والولاء الديني، والتراجع الأخلاقي وبداية الفساد، جميعها عوامل تنطوي على نقاط ضعف يمكن استغلالها من أجل تقييد «حزب الله» في لبنان وإيقاف نفوذه الإقليمي.

تطور «حزب الله»

يمكننا تعريف التغييرات التي خضع لها «حزب الله» بتقسيم عملية تطور التنظيم إلى خمس مراحل أساسية:

  • 1982 - 1992 – «العصابة»: من تأسيس التنظيم على يد إيران، وتركيزه على تنفيذ عمليات إرهابية ضد أهداف غربية في لبنان والخارج، وحرب عصابات ضد قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، إلى تعيين حسن نصر الله أمينًا عامًا وقرار دخول المؤسسة السياسية اللبنانية (الانتخابات البرلمانية عام 1992).
  • 1992 - 2000 - «تأسيس خطاب المقاومة»: في أثناء هذه الفترة، أسس الحزب قاعدة نفوذه في جنوب لبنان، مع التأكيد باستمرار على خطابه عن مقاومة الاحتلال وجولات من أعمال العنف والصراع مع القوات الإسرائيلية (1993 و1996)، وحتى انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان في مايو (أيار) عام 2000.
  • 2000 - 2006 - «الفترة الذهبية للمقاومة»: في أثناء هذه الفترة، حقق «حزب الله» توازناً رادعاً ضد إسرائيل ونفذ عمليات متذرعاً بمجموعة متنوعة من الأسباب (مزارع شبعا وانتهاك الحدود، والأسرى اللبنانيون، ودعم الصراع الفلسطيني)، واكتسب قوة عسكرية وسياسية (التحالف مع بشار الأسد واغتيال رفيق الحريري) حتى انسحاب القوات السورية من لبنان، ثورة الأرز وحرب لبنان الثانية.
  • 2006 - 2013 – «دولة داخل دولة»: استعاد «حزب الله» نفوذه السياسي، بل عززه، بعد الحرب عن طريق الدعم والتمويل من سوريا وإيران، وصولا إلى نقطة الصراع العسكري الداخلي في لبنان (2008)، بعد النزاع حول سلاح المقاومة في يد «حزب الله» والمطالب بتفكيك شبكة الاتصال المستقلة التي كونها التنظيم. بيد أن «حزب الله» امتنع عن التحرك ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
  • 2013 - 2018 - «دور «حزب الله» الإقليمي»: إن العنصر الأساسي في تشكيل هذه السنوات هو استمرار وجود «حزب الله» في سوريا وقتاله هناك، والذي فاق إلى حد كبير دور التنظيم في مقاومة إسرائيل وهمشه. وأدت مشاركة «حزب الله» في القتال إلى تكبده ثمنا فادحا، مما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا والجرحى من مقاتليه واستهلاك موارد اقتصادية هائلة استدعت من «حزب الله» تعزيز قوته القتالية بدرجة كبيرة. في الوقت ذاته، يحاول التنظيم بسط نفوذه وتأثيره الإقليمي، بما في ذلك العراق واليمن.
لقطة من الموقع الذي حدثت فيه اشتباكات دامت ستة أيام بين "حزب الله" وجماعة "تحرير الشام" المسلحة خلال موجهة في بلدة عرسال في بعلبك - لبنان - 29 يوليو 2017. (غيتي)
لقطة من الموقع الذي حدثت فيه اشتباكات دامت ستة أيام بين "حزب الله" وجماعة "تحرير الشام" المسلحة خلال موجهة في بلدة عرسال في بعلبك - لبنان - 29 يوليو 2017. (غيتي)

«حزب الله» بمظهر لبناني مقابل «حزب الله» القوة الإيرانية

أول مرة استخدم فيها «حزب الله» سلاحه ضد قوة لبنانية أخرى كان في 7 مايو (أيار) عام 2008، وهو اليوم الذي يوصف بأحداث السابع من أيار، عندما اجتاح «حزب الله» وعملاؤه غرب بيروت وجبل الدروز في محاولة لتخويف قادة 14 آذار وتحديدا سعد الحريري ووليد جنبلاط. تشير هذه الأحداث إلى مفترق طرق مهم لنفوذ «حزب الله» المتنامي على لبنان. بعد هذه الأحداث مباشرة ذهب السياسيون اللبنانيون إلى العاصمة القطرية الدوحة لتشكيل حكومة وحدة وطنية. ومنذ ذلك الحين، لم يكن تحالف 14 آذار قادرًا على الحكم، حتى انهياره وفوز «حزب الله» بالانتخابات في مايو (أيار) 2018.

لم يفز «حزب الله» بالانتخابات الأخيرة في لبنان لأنه كان الأكثر شعبية بين الفصائل، بل فاز لأنه استطاع التخلص من المعارضة وتمكين الحلفاء عن طريق تهديد السلاح.

حتى تدخلهم في سوريا، كانت قاعدة تنظيم «حزب الله» كما هي. ولكن بدأت الأعمدة التي شكلت قاعدة التأييد في الترنح. وفي ظل مصاحبة الخطاب الطائفي الجديد ضد الإرهاب السني لمهمتهم في سوريا، توقف خطاب التنظيم عن المقاومة والعمل، مما أثار الكثير من التساؤلات داخل المجتمع الشيعي. بالإضافة إلى ذلك، انخفضت ميزانية الخدمات الاجتماعية من أجل توجيه مزيد من الأموال إلى العمليات العسكرية الدائرة في سوريا والمنطقة. وفي حين كان المجتمع الشيعي كله معتادًا على الاستفادة من هذه الخدمات، أصبحت الدوائر المقربة من «حزب الله» ومقاتليه فقط هي المستفيدة منها. ولم يستمر إلا العمود الوحيد المتبقي، والذي يتم تعزيزه، وهو الهوية الشيعية الطائفية التي أصبحت أداة «حزب الله» لاحتواء قاعدة مؤيديه.

ومع ذلك، يتبنى الشيعة الذين لا يزالون يعطون أصواتهم لـ«حزب الله» اليوم موقفًا أكثر طائفية، مما ساهم في عزلتهم كمجتمع وسط موقعهم السني الإقليمي. بيد أن هذا أيضا عزز من صلاتهم مع النظام الشيعي في إيران، والذي يقدم ذاته بوصفه الحامي الأساسي والأكبر للشيعة.

سيطر هذا التحول في الرسالة والخطاب على صورة الشيعة في لبنان والمنطقة. ويُنظر إلى «حزب الله» باعتباره ذراعاً إيرانية بدلاً من كونه حزباً أو حركة لبنانية.

انكشفت هذه الصلة العضوية في عدة مناسبات. بعد الانتقام لاغتيال جهاد مغنية وجماعته في القنيطرة، في 30 يناير (كانون الثاني) عام 2015، قال نصر الله: «يجب أن يعرف الشعب اللبناني والمنطقة والإسرائيليون أن ذلك ليس له علاقة بالقضية النووية الإيرانية. وليس للرئاسة اللبنانية ولا المقاومة ولا قرار المقاومة الرد على أي اعتداء. هذه قضية لبنانية، وجمهورية إيران الإسلامية تحترم ذلك. وتحترم مصالحنا وتحترم شرفنا».

بعد مرور ثلاثة أعوام، في 12 مارس (آذار) عام 2018، نشر موقع «فردا نيوز» الإيراني نصا كاملا للخطاب الذي ألقاه الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في مؤتمر لمواطنين إيرانيين مقيمين في لبنان. أعلن الأمين العام للحزب في الخطاب، الذي ألقاه نصر الله بحسب الموقع في 10 مارس (آذار) 2018، أن التنظيم تعهد بالولاء الكامل للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وأن التزام «حزب الله» تجاه خامنئي يتجاوز التزامه بالدستور (اللبناني). وفي خطابه، أوضح نصر الله أن «حزب الله» ليس مُلزما بتوجيهات المرشد الأعلى الإيراني فحسب، بل «بمقترحاته وأفكاره». ووفقا لما ذكره نصر الله، عندما تناقش اللجنة المركزية لـ«حزب الله» قضية ما، تمتنع عن أي فعل، إذا كان هناك احتمال أن لا يرضى عنه خامنئي. وفي خطوة غير معتادة، لم ينشر خطاب نصر الله على أي من وسائل الإعلام اللبنانية أو العربية. وحتى في إيران، لم ينشر الخطاب إلا في عدد محدود من المواقع الإخبارية. وبعد يوم من نشر الخطاب (13 مارس 2018)، نشر «حزب الله» نفيًا رسميا للتقرير المنشور على موقع «فردا». وفي إعلان النفي الذي نشر على شبكة «الميادين»، ادعى أنه لا أساس لمحتوى الخطاب المنسوب إلى نصر الله في أثناء اجتماعه المزعوم مع الجالية الإيرانية في لبنان.

ويجب الإشارة إلى تصريحات مماثلة صدرت في الماضي في لقاءات إعلامية مع نائب نصر الله نعيم قاسم وقائد الحرس الثوري الإيراني السابق سيد يحيى رحيم صفوي.

لقطة من الموقع الذي حدثت فيه اشتباكات دامت ستة أيام بين "حزب الله" وجماعة "تحرير الشام" المسلحة خلال موجهة في بلدة عرسال في بعلبك - لبنان - 29 يوليو 2017. (غيتي)
لقطة من الموقع الذي حدثت فيه اشتباكات دامت ستة أيام بين "حزب الله" وجماعة "تحرير الشام" المسلحة خلال موجهة في بلدة عرسال في بعلبك - لبنان - 29 يوليو 2017. (غيتي)

القضية العسكرية

تبنى «حزب الله» خلال السنوات الأولى بعد إنشائه نهجًا مركزيًا للغاية يتناسب مع أنظمة القيادة والسيطرة التي يتبعها، وكان يناسب أيضًا النطاق المحدود نسبيًا للمقاتلين في المنظمة في ذلك الوقت وانتشارهم المحدود بشكلٍ رئيسي في جنوب نهر الليطاني وعملياته العسكرية التي شملت عمليات إرهابية وحرب عصابات.

وفي أعقاب انسحاب قوات جيش الدفاع الإسرائيلي من جنوب لبنان، أنشا «حزب الله» مفهومًا للعمليات بناءً على أمر القيادة(1). والذي تم تنفيذه بشكل أساسي خلال زمن الحرب وكان مصمما لتمكين «حزب الله»، الذي أصبح الآن يملك هيكلاً تنظيمياً أكبر (سواء من حيث المقاتلين أو الترسانة)، في الحفاظ على الفعل المتزامن واستمرارية العمل مع مرور الوقت(2).

إلا أن وفاة عماد مغنية عام 2008 شكلت تحديًا كبيًرا لقدرة التنظيم على العمل. وقد نزعم أن «حزب الله» لم يجد بعد حلاً فعليًا لذلك. فالتنظيم لم ينجح حتى الآن في العثور على شخصية ذات جاذبية مماثلة وخبرة عسكرية ومحيط يمتلك ذلك التوافق الداخلي الواسع أو شخصية قادرة على قيادة النشاط العسكري للتنظيم. ونتيجة هذا النقص كانت ولا تزال المشاركة المتنامية والتأثير من قبل مستشاري الحرس الثوري الإيراني إلى جانب العبء الهائل على الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله.

ويتزايد عدم القدرة على السيطرة منذ دخول «حزب الله» في القتال في سوريا والحاجة لزيادة القوات المقاتلة هناك بشكلٍ ملحوظ. وليس من المستغرب أن يؤدي ذلك إلى تراجع نوعية كفاءة من تم تجنيدهم في صفوف «حزب الله»، إلى جانب استخدام مجموعات الميليشيا الشيعية غير اللبنانية.

ومن بين الأدلة الأخرى على عدم قدرة الحزب على السيطرة وفاة مصطفى بدر الدين، أحد كبار قادة التنظيم، الذي قُتل بناء على تعليمات نصر الله وقاسم سليماني.

القضية الاجتماعية الاقتصادية

اضطر «حزب الله» إلى إجراء تغييرات لم يرغب في القيام بها داخل هيكله وقوته القتالية بسبب التغييرات في الميزانية. ولم يخض «حزب الله» حربًا طويلة من قبل، وبالتأكيد ليس خارج الحدود اللبنانية. وقد فاق الصراع السوري حدوده وأجبر الحزب على التخفف من بعض معاييره عندما يتعلق الأمر باستراتيجيات التجنيد.

وتم تجنيد الكثير من المقاتلين الجدد للقتال في سوريا. وذهب الكثير من هؤلاء المقاتلين إلى سوريا رغم عدم اتضاح فكرة من سيواجهون أو سبب مواجهتهم هناك، فقد ذهبوا بعد إجراء تدريب متعجل لهم وبعد تأثرهم بالخطاب الطائفي العدواني الذي تم تلقينه لهم. وكان «حزب الله» يجند قبل الحرب في سوريا مقاتلين يتمتعون بالتزامات آيديولوجية ودينية انضموا للحزب لأنهم آمنوا بمهمة المقاومة. وكانوا يندرجون من جميع الطبقات الاجتماعية. أما اليوم، فإن قوة «حزب الله» القتالية مكوّنة في الغالب من شبان يأتون من عائلات فقيرة للغاية وينظرون للحزب على أنه عمل يُكسبهم المال. يقومون بعملهم ويحصلون على رواتبهم ولا يجادلون.

ولذلك، فإن إحدى الطرق لاحتواء قدرة «حزب الله» على التجنيد تكمن في توفير بدائل اقتصادية لهؤلاء الشباب الشيعة. وقد أخفقت جميع البدائل السياسية أو الآيديولوجية الأخرى أو البلاغية لأنها لم تُستكمل أبداً بمشروعٍ اقتصادي.

الشكل البياني الثاني: جدول تخطيطي يظهر العلامة الفارقة في تطور «حزب الله»

احتفال إحدى مؤيدات حزب القوات اللبنانية المسيحي المناهض لـ«حزب الله» في معقل الأشرفية المسيحي في بيروت في 8 يونيو 2009.(غيتي)
احتفال إحدى مؤيدات حزب القوات اللبنانية المسيحي المناهض لـ«حزب الله» في معقل الأشرفية المسيحي في بيروت في 8 يونيو 2009.(غيتي) 

القضية الدينية

أكبر طائفة في المسلمين الشيعة هي الاثنى عشرية، والتي تتكون من اتجاهين رئيسيين:

* الشيعة الفرس (قم) - يقودهم رجال الدين الشيعة الإيرانيون برئاسة خامنئي. الفرع الفارسي يعتنق مبدأ ولاية الفقيه – أي حكم رجل الدين الذي بموجبه يقود الدولة رجال دين المنخرطون جدًا في السياسة. وإيران أبرز دولة تعمل وفقًا لهذا المبدأ.

* الشيعة العرب (النجف) - يقودهم رجل الدين العراقي علي السيستاني الذي يُعتبر أعلى سلطة دينية في طائفة الشيعة العرب. والشيعة العرب ضد ضلوع رجال الدين في الشؤون السياسية والدولة.

وتقبلت الأغلبية العظمى من الشيعة في لبنان مفهوم «حزب الله» الديني بعد وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني البارز محمد حسين فضل الله عام 2010. على الرغم من الاختلافات الدينية.

وعلى الرغم من تراجع نفوذ النجف داخل المجتمع الشيعي اللبناني، فإن النجف ما زالت تتمتع باحترام الشيعة. وأحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع هو تفضيل السيستاني أن يراقب - بدلاً من أن يشارك - السياسة بشكل عام، بما في ذلك السياسة العراقية. وتشجيع النجف على المشاركة أكثر من خلال مؤسساتها في لبنان يمكن أن يقطع شوطًا طويلاً من حيث إغراء الشيعة اللبنانيين.

وقد تبنى اليوم الجيل الجديد من الشيعة موقفًا طائفيًا بدلاً من التوجه الآيديولوجي التقليدي - وبشكلٍ رئيسي داخل قاعدة دعم «حزب الله» - وذلك بعد انخراط «حزب الله» في المنطقة، وبشكلٍ أساسي في سوريا. وتبقى الآيديولوجيا الإيرانية أكثر نفوذًا مقارنة بالنجف؛ ومع ذلك، فقد استحوذت الهوية الطائفية على العقائد الدينية والآيديولوجية.

القضية الأخلاقية

تتخلى قيادة «حزب الله» ظاهريًا عن السلوك غير الأخلاقي والفساد. وشدد الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في الخطاب الذي ألقاه في 19 يناير (كانون الثاني) 2018، على الحرمة الدينية من تهريب المخدرات.

وبالإضافة إلى ذلك، أفادت صحيفة «السفير» التي تصدر يوميًا، في عددها بتاريخ 13 يونيو (حزيران) 2016، أن نصر الله شدد خلال حديثه مع نشطاء على ضرورة الالتزام بما كان يقوم به النبي والأئمة أثناء الحرب. ولفت إلى أن عناصر «حزب الله» في سوريا يحافظون على الممتلكات العامة والخاصة ويمتنعون عن التسبب بأي ضرر في المنازل والمؤسسات التجارية والمناطق الزراعية.

ومع ذلك، فإن الحزب متورط في صفقات المخدرات في جميع أنحاء العالم(3). وتقوم الشخصيات البارزة في «حزب الله» بتعيين أقربائهم وشركائهم المقربين لتولي مناصب عامة، ويوجد كثير من التقارير المتعلقة بأنماط الحياة المرفهة والمؤسسات الخاصة المزدهرة التي يديرها ويمتلكها كبار مسؤولي «حزب الله». ووفقا لمقالة تم نشرها في موقع «newlebanon.info» (في 3 يناير 2018)، فقد أثار تعيين حسين فضل الله (المعروف بانتقاده للفساد) - الموالي للحزب والعضو في البرلمان - في منصب إداري في المديرية العامة للأمن العام الكثير من الانتقادات داخل لبنان، خاصة من داخل المجتمع الشيعي.

وعلاوة على ذلك، تم اتهام وزير «حزب الله» في الحكومة حسين الحاج حسن بالفشل في الوفاء بوعده بتعيين أطفال الشهداء (الشهداء) في المناصب العامة.

1-	شيعيات ينثرن الورود خلال جنازة أحد كبار قادة «حزب الله»، في ضواحي بيروت الجنوبية في 14 فبراير 2008. (أ.ف.ب - غيتي)
شيعيات ينثرن الورود خلال جنازة أحد كبار قادة «حزب الله»، في ضواحي بيروت الجنوبية في 14 فبراير 2008. (أ.ف.ب - غيتي)

ملخص وتوصيات

لقد تعرّض «حزب الله» لتغيرات مهمة وتجارب تكوينية أثرت على وضعه الحالي. وبالتالي، فإن صورته العامة وثقافته التنظيمية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية ليست محددة ولم تتشكل منذ نشأته.

وفي حين أن قدراته العسكرية قد نمت بشكلٍ ملحوظ، نلاحظ أن الأعمدة الأخرى التي كانت تعتبر مصدرًا لقوته الآن في حالة تراجع، مثل: صورته اللبنانية والدعم الاجتماعي والاقتصادي وتديّن وأخلاق مقاتليه.

وإذا تم وضع وتنفيذ خطة متزامنة تسهم في هذه الاتجاهات إلى جانب الجهود العسكرية يمكن كبح جماح «حزب الله». وهذه بعض الأفكار الملموسة للتوضيح:

•        كشف عمق التدخل الإيراني وما ينطوي عليه من مخاطر/ أخطار على لبنان، إلى جانب الجهد للكشف عن أن محاولات «حزب الله» لتعزيز صورته ككيان لبناني جوهري ليست أكثر من واجهة.

•        الكشف عن نفقات «حزب الله» الاقتصادية المتعلقة بالميزانية وبالمزيد من الأسلحة والمقاتلين، وأقل خدمات اجتماعية للشيعة ورفاهيتهم.

•        كشف التناقض بين صورة الحزب والتصريحات العامة التي يدلي بها قادة «حزب الله» والأدلة على تورطهم في الفساد والنشاط غير الأخلاقي.

•        فضح استعداد «حزب الله» للمخاطرة بحياة الشعب اللبناني في حربه القادمة من خلال إظهار كيف يخفي الحزب أسلحته ومصانعه تحت الأراض في المناطق التي يسكنها المدنيون.

هوامش

1 - استنادًا إلى ثلاثة مبادئ أساسية يجب تنفيذها على المستوى المشترك: نية القائد وأوامر نوع المهمة والتنفيذ اللامركزي. الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي، 2012.

2 - يمكننا التعرف إلى ثقافة «حزب الله» التنظيمية من خلال مقابلة أجراها حسن نصر الله مع صحيفة «الأخبار» اللبنانية اليومية في 14 أغسطس (آب)، 2014 بشأن عملية صنع القرار وسط قيادة التنظيم قبل حرب لبنان الثانية. وقال نصر الله: «القرار بأسر جنود إسرائيليين كان قد اتخذ في شورى حزب الله قبل أشهر من تنفيذ العملية. ففي آلية العمل لدينا، عندما تتخذ الشورى قرارًا من هذا النوع يحول الإجراء والتنفيذ إلى المجلس الجهادي الذي يرأسه بحسب نظام الحزب الأمين العام، وهذا المجلس يتألف من مجموعة من القيادات الجهادية الأساسية على المستوى التنفيذي».

وأضاف: «الأمين العام هو جهة قرار في إدارة العمل الجهادي. بالطبع هو لا يدير الوحدات الجهادية والقتالية والميدانية بشكلٍ مباشر ولا يدير العمليات بالمعنى العسكري التقني؛ إذ إن القيادات الجهادية أو من نسميهم نحن المعاونين الجهاديين هم من يتولون ذلك. طبعًا هم يتابعون العمل مع الأمين العام لأن السياسات المرسومة من شورى القرار موجودة لديه بشكل واضح. وهو مفوض بهامش من الصلاحيات ومطّلع على الوضع الجهادي وعلى الإمكانات المتاحة وعلى الوضع السياسي. فإذن، الأمين العام هو جهة قرار، حتى في الشأن الذي يرتبط بالميدان أحيانًا».

3 - وهكذا، على سبيل المثال، أكد المدعي العام في ساو باولو بالبرازيل في مقال نشر في 11 أغسطس 2017 في المنشور الأسبوعي المحلي «TERRA» على أن «حزب الله» اللبناني قد حافظ منذ عام 2006 على تحالف مع عصابة «القيادة الأولى في العاصمة»، أكبر منظمة إجرامية في البرازيل. وقدّر كاتب المقال أن بيع المخدرات لـ«حزب الله» قد زود العصابة بإيرادات سنوية تزيد على 6 ملايين دولار أميركي.


اشترك في النقاش