اتساع «فجوة رأس المال البشري» بين الدول

الاستثمار الأهم على المدى الطويل...

* الاستثمار في رأس المال البشري.. الآلية الرئيسية لضمان جاهزية الجيل التالي لطبيعة العمل المتغيرة.

* 25 % من الأطفال يعانون سوء التغذية... و60 % من تلاميذ الابتدائي يفشلون.

* 260 مليون طفل وشاب في البلدان الفقيرة لم يحصلوا على تعليم.

* أعداد كبيرة من البشر وبلدان بأكملها معرضة لخطر الاستبعاد من الرخاء المستقبلي.

* البنك الدولي يطلق مؤشر رأس المال البشري الجديد... أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

* كل سنة إضافية من التعليم تزيد من دخل الفرد نحو 10 % في المتوسط.

القاهرة: تأخذ الحكومات وقتاً طويلاً لتحقيق النمو الاقتصادي عن طريق التركيز على رأس المال المادي، كالطرق والجسور والمطارات وغير ذلك من البنية التحتية. وعادة ما تقضي وزارات المالية مزيدا من الوقت في القلق بشأن رصيد البلد من الديون، وليس رصيدها من رأس المال البشري. فهي غالبا ما تستثمر بدرجة أقل في مواطنيها، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الفوائد أبطأ كثيرا في تحققها، لكن رئيس مجموعة البنك الدولي، جيم يونغ كيم، أشار إلى أن العالم اليوم يواجه «فجوة في رأس المال البشري». وفي الكثير من البلدان، فإن القوى العاملة غير مستعدة للمستقبل الذي يتكشف سريعا.

ويساعد التقدم العلمي والتكنولوجي على تغير حياة الناس، كما أنه يساعد البلدان الفقيرة على سد الفجوة مع البلدان الغنية في العمر المتوقع عند الميلاد. بيد أن البلدان الفقيرة لا تزال تواجه تحديات هائلة، حيث يعاني ربع الأطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية، ويفشل 60 في المائة من تلاميذ المدارس الابتدائية في الحصول على تعليم ولو أولي. ولا يتلقى أكثر من 260 مليون طفل وشاب في البلدان الفقيرة أي قدر من التعليم على الإطلاق.

وهناك مبرر أخلاقي للاستثمار في الصحة والتعليم للناس كافة. لكن هناك مبررا اقتصاديا أيضاً، وهو أن نكون مستعدين للمنافسة والازدهار في بيئة سريعة التغير. إن «رأس المال البشري»، إمكانيات الأفراد، سيصبح الاستثمار الأهم على المدى الطويل الذي يمكن لأي بلد تحقيقه لازدهار شعبه ورفع نوعية حياته مستقبلا.

ومن دون جهد عالمي عاجل ومنسق لبناء رأس المال البشري، فإن أعداداًكبيرة من البشر وبلدانا بأكملها معرضة لخطر الاستبعاد من الرخاء المستقبلي. وللحكومات دور حاسم تؤديه في تحويل رأس المال البشري، لأن الفقر وعدم المساواة وغير ذلك من المساوئ تعوق الكثير من الأسر عن الاستثمار في صحة أطفالها وتعليمهم.

مؤشر رأس المال البشري

ويلتزم البنك الدولي بمساعدة مختلف البلدان في إعطاء الأولوية لرأس المال البشري بطريقة مستدامة، نظراًلتنامي الإدراك بأن الوظائف والعمال المهرة هما المفتاح للتقدم الوطني في بلدان العالم على جميع مستويات الدخل.

ووضع البنك ثلاثة أهداف رئيسية: أولاً، بناء الطلب على استثمارات أكبر وأفضل في البشر؛ ثانياً، مساعدة بلدان العالم على تعزيز استراتيجياتها واستثماراتها المتعلقة برأس المال البشري لتحقيق تحسينات سريعة في النتائج؛ ثالثا، تحسين كيفية قياس رأس المال البشري.

وسيطلق البنك الدولي مؤشر رأس المال البشري الجديد، في الاجتماعات السنوية للبنك الدولي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، للمساعدة على قياس نتائج رأس المال البشري المتعلقة بالإنتاجية مثل بقاء الطفل على قيد الحياة، وإعداد الأطفال مبكرا للنجاح، وتعلّم الطلاب، وصحة البالغين.

سيقيس المؤشر صحة الأطفال والشباب والبالغين، وكذلك قدر وجودة التعليم الذي يمكن أن يتوقعه الطفل المولود اليوم وهو في سن 18 عاماً. وهذا سيساعد على تعزيز الشفافية، وهو ما تشير الأدلة القوية إلى أنه يمكن أن يدفع الناس وصانعي السياسات إلى المطالبة بخدمات أفضل وإيجادها.

صبي يعمل في مستودع للفحم في منطقة تلال جاينتيا في الهند حيث تجد المدارس المحلية صعوبة في إقناع الآباء بأهمية التعليم، ويُرى الطفل كمصدر للدخل. (غيتي)
صبي يعمل في مستودع للفحم في منطقة تلال جاينتيا في الهند حيث تجد المدارس المحلية صعوبة في إقناع الآباء بأهمية التعليم، ويُرى الطفل كمصدر للدخل. (غيتي)

تشجيع الاستثمار

وقال رئيس البنك الدولي إن القياسات الجديدة ستشجع مختلف البلدان على الاستثمار في رأس المال البشري مما سيساعد في إعداد الجميع للتنافس وتحقيق الازدهار في اقتصاد المستقبل، وسوف يساعد على جعل النظام العالمي ناجحا للجميع. كما سيساعد مشروع رأس المال البشري مختلف البلدان في عدة مجالات، منها الاستفادة من الموارد وزيادة كفاءة الإنفاق، ومواءمة السياسات مع الاستثمارات التي تركز على النتائج، ومعالجة الثغرات في القياس والتحليل.

وأضاف: لا يمكن لأي بلد أن يتحمّل انخفاض استثماراته في رأسماله البشري. وفي حين تتنوع السياقات وتتباين، فإن التركيز على رأس المال البشري يمثل ضرورة لمختلف البلدان على جميع مستويات الدخل، حيث إن حدود المهارات تتحرك باستمرار، ويتزايد الطلب على تحسين التعليم والرعاية الصحية في كل مكان.

ويؤكد رئيس البنك الدولى أن الحكومات التي تسعى لتحقيق النمو الاقتصادي تفضل الاستثمار في رأس المال المادي - الطرق الجديدة والجسور الجميلة والمطارات البراقة وغير ذلك من مرافق البنية التحتية. لكنها عادة ما تكون أقل اهتماما بالاستثمار في رأس المال البشري، وهو حاصل مجموع صحة السكان ومهاراتهم ومعارفهم وخبراتهم وعاداتهم. هذا خطأ، لأن إهمال الاستثمار في رأس المال البشري يمكن أن يضعف بشكل كبير قدرات الدولة التنافسية في عالم سريع التغير، حيث تحتاج البلدان إلى قدر متزايد من المواهب للحفاظ على النمو.

قوة البشر

يمكن حساب قيمة رأس المال البشري بعدة طرق مختلفة. وفي العادة يقيس الاقتصاديون ذلك من خلال قياس حجم المنافع التي يحققها الناس بعد البقاء في المدرسة لفترة أطول. وقد وجدت الدراسات أن كل سنة إضافية من التعليم تزيد من دخل الفرد نحو 10 في المائة في المتوسط. كما أن جودة التعليم مهمة أيضا. في الولايات المتحدة، يؤدي استبدال معلم متوسط الكفاءة في فصل بمدرسة ابتدائية بآخر منخفض الكفاءة إلى زيادة إجمالي الدخل الذي سيجنيه طلاب هذا الفصل طول حياتهم بمقدار 250 ألف دولار.

لكن القدرات المعرفية ليست الأبعاد الوحيدة لرأس المال البشري التي يعوّل عليها؛ فالمهارات الاجتماعية والعاطفية، مثل المثابرة والاجتهاد، غالبا ما يكون لها عوائد اقتصادية كبيرة بالقدر نفسه. كما أن الصحة مهمة. فالشخص الأكثر صحة عادة ما يكون أكثر إنتاجية.

ووجدت دراسة أُجريت عام 2015 في كينيا أن تناول أدوية التخلص من الديدان في مرحلة الطفولة قلل الغياب في المدارس ورفع الأجور في سن البلوغ بنسبة تصل إلى 20 في المائة، وهي فوائد تستمر طوال الحياة لحبة لا تكلف سوى 30 سنتا لإنتاجها وتوزيعها.

وقدر الخبراء الاقتصاديون في مجال التنمية أن رأس المال البشري وحده يفسر ما بين 10 في المائة و30 في المائة من الفروق في نصيب الفرد من الدخل القومي عبر البلدان.

التعليم

يحقق التعليم عائدات كبيرة على نحو خاص، لذلك يلعب دورا مهما في الحد من الفقر. وقصة نجاح غانا هي شهادة على هذه العلاقة: خلال التسعينات والأعوام الأولى من هذا القرن، ضاعفت غانا من الإنفاق على التعليم وحسّنت معدلات الالتحاق بالتعليم الابتدائي بشكل كبير. ونتيجة لذلك، ارتفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة بنسبة مذهلة بلغت 64 نقطة مئوية من أوائل التسعينات حتى 2012. وانخفض معدل الفقر من 61 في المائة إلى 13 في المائة.

ومن شأن الاستثمار في التعليم أن يحد أيضا من أشكال عدم المساواة؛ ففي معظم البلدان، يبدأ الأطفال المولودون لأبوين أكثر ثراء في الحصول على فرص أفضل في سنوات عمرهم الأولى، مما يؤدي إلى مزايا مدى الحياة، في حين تضيع هذه الفرص على الأطفال المولودين لأبوين فقيرين. وعندما تتخذ الحكومات خطوات لإصلاح هذه المشكلة، تبدأ أشكال عدم المساواة الاقتصادية في التراجع. وقد اعتمدت دراسة صدرت هذا العام على تجربة أجريت في نورث كارولينا لبحث هل إذا عممت الولايات المتحدة برامج فعالة للاهتمام بالطفولة المبكرة، سينخفض عدم المساواة في الدخل بنسبة 7 في المائة، وهو ما يكفي لبلوغ مستويات المساواة الكندية.

الفوائد الاجتماعية

وتمتد الفوائد الاجتماعية للاستثمار في رأس المال البشري إلى أبعد من ذلك. فقضاء سنوات أطول في المدرسة يقلص احتمال ارتكاب الشخص جريمة ما. وكذلك البرامج التي تحسن المهارات غير المعرفية. ففي دراسة أجريت عام 2017 في ليبيريا، تم إلحاق تجار مخدرات ولصوص وغيرهم من أصحاب الميول الإجرامية ببرامج للعلاج السلوكي المعرفي لبناء مهارات مثل التعرف على العواطف وتحسين ضبط النفس وتجاوز المواقف الصعبة. وقد أدى البرنامج، عندما اقترن بتحويل نقدي صغير، إلى خفض احتمالات عودة هؤلاء الرجال إلى حياة الجريمة.

1.	تلاميذ المدرسة الهنود يتناولون الطعام كجزء من برنامج «وجبة منتصف اليوم» في مدرسة حكومية ابتدائية في حيدر آباد في 23 يونيو 2010. (غيتي)
تلاميذ المدرسة الهنود يتناولون الطعام كجزء من برنامج «وجبة منتصف اليوم» في مدرسة حكومية ابتدائية في حيدر آباد في 23 يونيو 2010. (غيتي)

دور الدولة

رأس المال البشري لا يتحقق من تلقاء نفسه، بل يجب أن ترعاه الدولة. ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الأفراد غالبا ما يعجزون عن إدراك الفوائد التي يمكن أن يحققها الاستثمار في البشر للآخرين. على سبيل المثال، عندما يتخذ الآباء قرارا بشأن علاج أطفالهم من الديدان الطفيلية، يأخذون بعين الاعتبار التحسنات المحتملة في صحة أطفالهم، لكنهم نادرا ما يفكرون في كيفية خفض العلاج خطر انتقال العدوى لأطفال آخرين. أو عند اتخاذ قرار بشأن دفع نفقات إلحاق الأطفال بالتعليم قبل المدرسي، قد لا يفكر الآباء في الفوائد الاجتماعية الأوسع لذلك، مثل انخفاض معدلات الجريمة والسجن. هذه التأثيرات الثانوية مهمة؛ وقدرت دراسة أجريت في عام 2010 لبرنامج واحد عن التعليم قبل المدرسي في ميتشيغان في الستينات أنه مقابل كل دولار ينفق، حصل المجتمع على 7 دولارات إلى 12 دولارا في المقابل.

وأحيانا، تعوق الأعراف الاجتماعية الآباء عن الاستثمار في أطفالهم. ورغم أن تفضيل الآباء للأبناء على البنات قد تم توثيقه جيدا، فإن مدى التمييز يمكن أن يكون مذهلا. وقدرت حكومة الهند أن هناك ما يصل إلى 21 مليون «بنت غير مرغوب فيها» في البلاد، أو البنات اللاتي تمنى آباؤهن إنجاب أولاد بدلا منهن. يستثمر الآباء أقل كثيرا في هؤلاء الفتيات، سواء في الصحة أو التعليم. وفي أحيان أخرى، تريد الأسرة الاستثمار في رأس المال البشري لأطفالها ولكنها ببساطة لا تستطيع تحمل تكلفة ذلك. فلا يمكن للآباء الفقراء الذين لديهم أطفال موهوبون الحصول على قرض بضمان دخل أطفالهم في المستقبل لدفع تكاليف تعليمهم اليوم. وحتى عندما يكون التعليم مجانيا، لا يزال يتعين على الآباء دفع تكاليف الانتقال والمستلزمات المدرسية، ناهيك عن تكلفة الفرصة البديلة إذ لا يستطيع الطفل الذي يذهب للمدرسة العمل لكسب دخل إضافي للأسرة.

السياسة عائق

ورغم أهمية استثمار الحكومات في رأس المال البشري، فإن السياسة غالبا ما تحول دون ذلك؛ فقد يفتقر السياسيون إلى الحافز لدعم سياسات قد تستغرق عقودا لتؤتي ثمارها. فعلى سبيل المثال، طالما ليس هناك وباء غالبا ما يهمل الساسة الصحة العامة. وقلما يتم تمويل برامج الصحة العامة عن طريق زيادة الضرائب أو تحويل أموال من نفقات أكثر وضوحا، مثل البنية التحتية أو الدعم العام. واجهت الحكومة النيجيرية مقاومة كبيرة عام 2012 حينما ألغت دعم الوقود لإنفاق المزيد على خدمات صحة الأم والطفل. وركزت التغطية الإعلامية على الرفض الشعبي لإلغاء الدعم، وأولت اهتماما هزيلا بالتوسع في الرعاية الصحية الأولية الذي تشتد الحاجة إليه. وبعد احتجاجات عامة واسعة النطاق، أعادت الحكومة الدعم.

وفي بعض البلدان، يتم تفسير هذه المقاومة بضعف العقد الاجتماعي ضمن أشياء أخرى؛ فالمواطنون لا يثقون في حكومتهم، لذا يترددون في دفع أموال الضرائب التي يخشون من أنه سيُساء استخدامها.

الصحة والتعليم

في كثير من البلدان النامية، هناك قدر كبير من العمل الذي ينبغي القيام به من أجل صحة الشباب؛ ففي بنين وبوركينا فاسو وساحل العاج، لن يشهد 10 في المائة من الأطفال الذين يولدون اليوم عيد ميلادهم الخامس. في جنوب آسيا، ونتيجة لسوء التغذية المزمن، فإن أكثر من ثلث الأطفال دون الخامسة أقصر من الطول المتوقع بالنسبة لعمرهم، مما يضر بنموهم العقلي ويحد بشدة من قدرتهم على التعلم.

وتكشف قاعدة البيانات عن فجوات هائلة في التعلم، فأقل من نصف الطلاب في البلدان النامية يحققون ما يطلق عليه برنامج التقييم الدولي للطلاب «الحد الأدنى من المهارات»، مقارنة مع 86 في المائة في البلدان المتقدمة. في سنغافورة، وصل 98 في المائة من الطلاب إلى المعيار الدولي للمهارات الأساسية في المدارس الثانوية، وفي جنوب أفريقيا وصل 26 في المائة من الطلاب.

وعندما يترك الأطفال المدرسة، يواجهون مستقبلا مختلفا للغاية من حيث الصحة، وفقا للبلد الذي يعيشون فيه. أحد المؤشرات الصارخة هو معدلات بقاء البالغين على قيد الحياة؛ ففي البلدان الأكثر ثراء، أقل من 5 في المائة من الأطفال في سن الخامسة عشرة لن يبلغوا الستين. ولكن في البلدان الأكثر فقرا، سيموت 40 في المائة من الأطفال في سن الخامسة عشرة قبل بلوغهم الستين.

1.	أطفال أحد الأحياء الفقيرة يتعلمون الحروف الأبجدية في اليوم العالمي لمحو الأمية في مدينة بهوبانيسوار بشرق الهند، 7 سبتمبر 2016. (غيتي)
أطفال أحد الأحياء الفقيرة يتعلمون الحروف الأبجدية في اليوم العالمي لمحو الأمية في مدينة بهوبانيسوار بشرق الهند، 7 سبتمبر 2016. (غيتي)

رأس المال البشري

رأس المال البشري مهم للناس، والاقتصاد، والمجتمعات، والاستقرار العالمي. وهو مهم عبر الأجيال. عندما تخفق البلدان في الاستثمار بصورة مثمرة في رأس المال البشري، تكون التكلفة ضخمة، خاصة للأشد فقرا. وتضع هذه التكاليف الأجيال الجديدة في مأزق. مع التقدم التكنولوجي الذي يولي اهتماما كبيرا بالمهارات العليا، فإن فشل البلدان في تمهيد الطريق أمام مواطنيها ليعيشوا حياة منتجة لن يفضي إلى تكاليف عالية فحسب، بل من المرجح أن يولد المزيد من التفاوتات. كما أنه سيعرض الأمن للخطر، لأن عدم تلبية التطلعات يمكن أن يؤدي إلى الاضطرابات.

فتوفير معلومات أفضل هو جزء من العلاج لكنه مجرد جزء. فمن ناحية، يصعب على أي حكومة تقديم خدمات عالية الجودة إذا لم يكن هناك ما يكفي من المال. لذلك فإن البلدان التي تعاني من نقص مزمن في الاستثمارات في رأس المال البشري، سوف تضطر إلى سد الثغرات والاستثناءات الضريبية، وتحسين تحصيل الإيرادات، وإعادة توجيه الإنفاق بعيدا عن الدعم الذي لا يصل لمستحقيه. وعلى سبيل المثال، خفضت مصر وإندونيسيا بشكل كبير من دعم الطاقة في السنوات الأخيرة، ووجهت هذه الموارد لشبكات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. ويمكن أن تسير الإيرادات الكبيرة جنبا إلى جنب مع نتائج صحية أفضل.

وبين عامي 2012 و2016. سمحت إيرادات ضرائب التبغ للفلبين بزيادة ميزانية وزارة الصحة إلى ثلاثة أمثالها وزيادة عدد السكان الذين تشملهم مظلة التأمين الصحي إلى ثلاثة أضعاف. وفي الولايات المتحدة، تهدف مدن مثل فيلادلفيا إلى استخدام موارد من ضرائب الصودا لتمويل التعليم في سنوات الطفولة المبكرة.

ومع ذلك فإن زيادة التمويل غير كافية. ويتعين على بعض البلدان العمل على تحسين كفاءة خدماتها الاجتماعية مع الحفاظ على جودتها. ففي البرازيل، على سبيل المثال، وجدت دراسة أجرتها مجموعة البنك الدولي مؤخرا أن تحسين الكفاءة في قطاع الصحة على المستوى المحلي يمكن أن يحقق وفورات تعادل نحو 0.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. في البلدان الأخرى، سيكون تحقيق التوازن بين المصالح المتضاربة لأصحاب المصلحة المباشرة أمرا بالغ الأهمية. فقد أبرزت خبرة شيلي التي تمتد عقودا في مجال الإصلاحات التعليمية أهمية بناء تحالفات سياسية للتركيز على هدف رئيسي واحد: التعلم للجميع. في عام 2004، تمكنت شيلي من ربط أجور المعلمين بالأداء من خلال موازنة هذا الإصلاح مع تنازلات لنقابات المعلمين.

مستقبل العمل

يعد الاستثمار في رأس المال البشري هو الآلية الرئيسية لضمان جاهزية الجيل التالي لطبيعة العمل المتغيرة؛ ومع ذلك، فإن كثيراً من البلدان لا تستثمر في هذه المجالات الحرجة، خاصة في السنوات الأولى من الطفولة التي تشكّل وعي الطفل، حين تتكوّن القدرة على تعلم مهارات جديدة سريعاً. وحين لا تستثمر البلدان في بناء رأس المال البشري، فإنها تضع الأجيال المتعاقبة - وخاصة الأشد فقراً- في وضع سيئ للغاية، وتزيد من تفاقم التباينات القائمة بالفعل، وتهدد بخلق حالة من عدم الاستقرار عندما يواجه ارتفاع الطموحات الإحباط بدلاً من الفرص.

ويجب ضمان تكافؤ الفرص، مثلها مثل المواهب، في المجتمع. ومن الطرق الرئيسية التي يمكن أن نضمنها حماية الناس من خلال أنظمة المساعدة الاجتماعية والتأمينات التي تتلاءم مع الطبيعة المتغيرة للعمل. لقد تحطم النموذج الحالي في معظم البلدان النامية ويظهر بشكل متزايد أنه قد عفا عليه الزمن في معظم البلدان المتقدمة أيضاً.

إن العقد الاجتماعي يتعلق أيضا بالاحتواء، مما يعني أن الأثرياء يجب عليهم دفع حصتهم من الضرائب. فمع عدم كفاية الإيرادات الضريبية، لا تستطيع الحكومات تنفيذ العقد الاجتماعي الحالي. ويجب على البلدان في كل منطقة أن تبذل مزيداًمن الجهد لوقف التهرب الضريبي، والطريقة الوحيدة التي يمكن أن تتيح لها ذلك، على حد تعبير قادة أكبر 20 اقتصاداًفي العالم، هو «وضع حد للانفصال بين موقع تحقيق الأرباح وموقع القيام بالأنشطة الحقيقية».


اشترك في النقاش