انهيار بنك «ليمان براذرز»... درس اقتصادي قاسٍ

عشر سنوات على بداية الأزمة المالية العالمية
* تصدعات جديدة بعد الأزمة: تراجع محتمل عن إجراءات التنظيم المالي... وعدم المساواة المفرط.. الحمائية والسياسات المنغلقة.. واختلالات عالمية متصاعدة.
* ارتفع الدين العام في الاقتصادات المتقدمة بأكثر من 30 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي.
* فشل الاقتصاديين في التنبؤ بالأزمة يكشف خطورة الانسياق للفكر الجماعي.
* كريستين لاغارد: الإجراءات التي تم اتخاذها بعد الأزمة المالية كانت جيدة، لكنها لا تزال غير كافية.
* خسارة المواطن الأميركي العادي من جراء الأزمة تعادل 70 ألف دولار من دخله مدى الحياة
* 500 مليار دولار قروض صندوق النقد للبلدان المتضررة وضخ سيولة بقيمة 250 مليار دولار.
* بنوك كثيرة ضعيفة خاصة في أوروبا... ولا تزال مشكلة البنوك «الأكبر من أن تفشل» قائمة حتى الآن... والتقدم غير كافٍ لتسوية أوضاع البنوك الفاشلة خاصة العابرة للحدود.

 

القاهرة: مرت عشر سنوات على انهيار بنك «ليمان براذرز» واتسعت تداعيات انهيار بنك «ليمان براذرز» حتى خلقت توجهًا جماعيًا لسحب الودائع من النظام المالي، مما تسبب في أزمة نظامية. وكانت المحصلة وقوع 24 بلدًا ضحية للأزمات المصرفية، ولم يعد النشاط الاقتصادي إلى سابق عهده في معظمها حتى الآن، بحسب كريستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي.

وتشير إحدى الدراسات إلى أن خسارة المواطن الأميركي العادي من جراء الأزمة تعادل 70 ألف دولار من دخله مدى الحياة. وليست الحكومات بمنأى عن التأثير المالي أيضًا. فقد ارتفع الدين العام في الاقتصادات المتقدمة بأكثر من 30 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي، وهو ما يرجع في جانب منه إلى الضعف الاقتصادي، وفي جانب آخر إلى جهود تنشيط الاقتصاد، وفي جانب ثالث إلى إنقاذ البنوك الفاشلة.

ولا تزال الأزمة المالية العالمية من الأحداث الفارقة في تاريخنا المعاصر. فتداعيات تلك الأزمة من تكاليف اقتصادية ثقيلة تحملها الأفراد العاديون ومن ثم استشعروا الغضب إزاء إنقاذ البنوك وإفلات مسؤوليها من العقاب، بينما ظلت الأجور راكدة بالقيمة الحقيقية، كانت من العوامل الأساسية المفسرة لظهور رد الفعل المناهض للعولمة، خاصة في الاقتصادات المتقدمة، وتآكُل الثقة في الحكومة والمؤسسات الأخرى.


رئيسة صندوق النقد الدولي (IMF) كريستين لاغارد ترحب برئيس مجموعة البنك الأفريقي للتنمية، أكنوومي أديسينا، في اجتماع مع رؤساء المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية في المستشارية في 11 يونيو 2018 في برلين، ألمانيا. (غيتي)

استمرار الأزمة

وتؤكد كريستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، أن الأزمة المالية العالمية تلقي بظلال كثيفة لا يبدو أنها ستغادرنا في أي وقت قريب. لكن مرور عشر سنوات على انهيار بنك «ليمان براذرز» الذي وصفته بـ«لحظة الحقيقة»، يمنح فرصة لتقييم الإجراءات المتخذة لمواجهة الأزمة على مدار العقد الماضي.

وأضافت: «إذا نظرنا اليوم إلى الماضي، ستبدو نقاط الضغط واضحة. لكنها كانت أقل وضوحًا آنذاك. وقد فشل معظم الاقتصاديين في التنبؤ بالقادم. إنه درس قاسٍ في خطورة الانسياق للفكر الجماعي».

 

أسباب الأزمة

بعد عشر سنوات من وقوع الأزمة، تقول لاغارد، كان أهم الأسباب التي أدت إلى الأزمة المالية الابتكار المالي الذي فاق في سرعته وتيرة التنظيم والرقابة. ومن ثم دخلت المؤسسات المالية، وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، في نوبة من المخاطرة الهوجاء. وشمل ذلك تقليل الاعتماد على الودائع التقليدية وزيادة الاعتماد على التمويل قصير الأجل، مما أحدث تراجعًا حادًا في معايير الإقراض، ودفع بالقروض إلى خارج الميزانيات العمومية من خلال عمليات التوريق المبهمة، وتحويل الأنشطة بوجه عام إلى أركان خفية في القطاع المالي كانت أقل خضوعًا للإشراف التنظيمي. فعلى سبيل المثال، بلغت الحصة السوقية للقروض العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة 40 في المائة من مجموع سندات الدين المضمونة برهن عقاري بحلول عام، 2006 بعدما كان هذا النوع من القروض شبه معدوم في مطلع التسعينات.


امرأة تمر أمام لائحة مكتوب عليها «للإيجار» على جانب الطريق في حي بشكتاش في إسطنبول، تركيا، يوم السبت 15 أغسطس (آب) 2015. (غيتي)


 

عولمة الخدمات المصرفية

وأدت زيادة عولمة الخدمات المصرفية والمالية بدورها إلى تصاعُد الأزمة بصورة سريعة وخطيرة. فقد كانت البنوك الأوروبية هي أكبر مشترٍ للسندات الأميركية المضمونة برهون عقارية. وفي نفس الوقت، أدى استحداث اليورو إلى اتجاه تدفقات رأسمالية كبيرة إلى أطراف المنطقة مدفوعة بانخفاض تكاليف الاقتراض. وقامت البنوك في بلدان منطقة اليورو الرئيسية بتمويل هذه التدفقات، وهي قناة أخرى للعدوى المالية. كذلك ساهمت العولمة في تفاقم المشكلة عن طريق المراجحة التنظيمية، حيث كان بمقدور المؤسسات المالية المطالبة بتخفيف الإشراف التنظيمي من منطلق قدرتها على نقل مقارها إلى مناطق اختصاص تمارس إشرافًا أكثر ملاءمة لها.


أشخاص يجلسون وسط الشارع لتناول وجبة مجانية من مطبخ الحساء في بوينس آيرس في 11 سبتمبر 2018. خلال احتجاج ضد حكومة الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري. (غيتي)

مواجهة الأزمة

وإذا كانت إجراءات السياسة المتخذة لمواجهة هذه المخاطر قبل وقوع الأزمة غير ملائمة، فإن لاغارد ترى أن الإجراءات المتخذة فور وقوعها مثيرة للإعجاب؛ إذ قامت حكومات الاقتصادات الرئيسية ممثلة في مجموعة العشرين بتنسيق السياسات على مستوى العالم. وقامت البلدان التي تعاني من مشكلات مصرفية في الحد من عبء القطاع المالي المنهك على الاقتصاد العيني، من خلال إجراءات مثل دعم رأس المال، وضمانات الديون، وعمليات شراء الأصول.

ومن ناحيتها، قامت البنوك المركزية بتخفيض أسعار الفائدة الأساسية، ثم خاضت دروبًا غير مطروقة بتطبيق سياسة نقدية غير تقليدية. أما الحكومات فقد عززت الطلب عن طريق دفعات تنشيطية كبيرة من المالية العامة.

 

دور الصندوق

وكان للصندوق دور في هذا الصدد أيضا، فقد استحث البلدان الأعضاء على إجراء زيادة كبيرة في الموارد المالية، وهو ما مكننا من الالتزام بإقراض نحو 500 مليار دولار للبلدان المتضررة من الأزمة. كذلك قمنا بضخ سيولة عالمية غير مسبوقة في النظام، بقيمة 250 مليار دولار أميركي، وتحديث أطر الإقراض التي يطبقها الصندوق للسماح بمزيد من السرعة والمرونة في الاستجابة لاحتياجات البلدان الأعضاء، بما في ذلك التحول إلى أسعار فائدة صفرية على القروض المقدمة للبلدان منخفضة الدخل. وبالإضافة إلى ذلك، انخرطنا في إعادة نظر جادة في قضايا الاقتصاد الكلي، للإحاطة بكل الأمور التي غفلنا عنها من قبل، بما فيها الروابط المعقدة بين القطاع المالي والاقتصاد العيني.

وهذه السياسات مجتمعة، في سياق العمل الجماعي الدولي، آتت ثمارها إلى حد كبير من حيث اجتنابنا للسيناريو الأسوأ. ولم يكن ذلك بالأمر الأكيد، عقب انهيار بنك «ليمان براذرز» مباشرة، وقتما بدأنا الطريق إلى هاوية محققة. كانت لحظة الحقيقة بالفعل.

كذلك عالجت السياسات الأخطاء التي أدت إلى الأزمة. وبالتالي، حدث تحسن كبير في أوضاع رأس المال والسيولة المصرفية. وتم تخفيض الكيانات غير المدرجة في الميزانية العمومية وإدخالها تحت المظلة التنظيمية. وأصبحت البنوك الكبيرة تواجه قواعد تنظيمية أكثر صرامة، كما أصبح الرفع المالي أقل. وتراجع إنشاء القروض العقارية عالية المخاطر حتى أوشك على الاختفاء. وتم نقل جانب كبير من المشتقات المالية المتداولة خارج السوق الرسمية إلى جهات المقاصة المركزية.

 

الأزمة مستمرة

تؤكد لاغارد أن الإجراءات التي تم اتخاذها بعد الأزمة المالية كانت جيدة، لكنها لا تزال غير كافية. فهناك بنوك كثيرة لا تزال ضعيفة، وخاصة في أوروبا. وربما تقتضي الحاجة إجراء زيادة أكبر في رأسمال البنوك. ولا تزال مشكلة البنوك «الأكبر من أن تفشل» قائمة حتى الآن مع استمرار نمو البنوك من حيث الحجم ودرجة التعقيد. ولا يزال التقدم غير كافٍ في كيفية تسوية أوضاع البنوك الفاشلة، ولا سيما العابرة للحدود.

 

صيرفة الظل

وهناك قدر كبير من الأنشطة الأكثر خفاءً ينتقل الآن إلى قطاع صيرفة الظل. وفوق ذلك كله، وهناك تحديات إضافية تواجه الاستقرار المالي مع استمرار الابتكار المالي، الذي يشمل التداول عالي التواتر والتكنولوجيا المالية. وربما الأكثر إثارة للقلق بين كل هذه الأمور، أن صناع السياسات يواجهون ضغوطا كبيرة من الصناعة نفسها للتراجع عن القواعد التنظيمية التي أرسيت بعد الأزمة.

وهناك مجال مهم آخر لم يتغير كثيرا، وهو مجال الثقافة والقيم والأخلاقيات. فلا يزال القطاع المالي يعطي الأرباح أولوية على حساب الحكمة بعيدة المدى، واعتبارات المدى القصير على حساب الاستمرارية. وما علينا إلا استعراض الفضائح المالية الكثيرة التي وقعت منذ انهيار بنك «ليمان براذرز» للتدليل على ذلك. إن قواعد السلوك الأخلاقي ليست مهمة لذاتها فقط، إنما هي مهمة أيضًا لأن السقطات الأخلاقية لها عواقب اقتصادية واضحة. ويمكن أن تساهم جودة التنظيم والرقابة مساهمة كبيرة في هذا الصدد، لكنها لا تستطيع القيام بكل المطلوب؛ إذ يجب أن تكملها الإصلاحات داخل المؤسسات المالية.

وفي هذا السياق، تعتبر زيادة القيادات النسائية في صناعة التمويل مقومًا أساسيا في الإصلاح. وأقول هذا لسببين. الأول هو أن زيادة التنوع تساهم دائما في شحذ الفكر، مما يحد من احتمالات الانسياق للفكر الجماعي. ثانيا، هذا التنوع يقود إلى مزيد من الحكمة، مع قدر أقل من أنماط صنع القرار المتعجلة التي أشعلت الأزمة. فارتفاع نسبة النساء في مجالس إدارات البنوك وأجهزة الرقابة المالية يرتبط بزيادة الاستقرار.

 

الاقتصاد السياسي

النظام الآن أكثر أمانًا، لكنه غير آمن بالقدر الكافي. والنمو تعافى، لكن ثماره غير موزعة بالقدر الكافي. ومما يعقد الأمور أن مشهد الاقتصاد السياسي شهد تحولاً أبعده عن الالتزام بالتعاون الدولي، ومن المفارقات أن هذا التعاون هو ما حال دون تَحَوُّل الأزمة إلى «كساد كبير». تذكروا الدور الذي قامت به مجموعة العشرين ومجلس الاستقرار المالي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات أخرى عملت جميعا في تعاون وثيق على مدار العقد الماضي. الواقع أن أهمية التعاون الدولي في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين أحد الدروس الباقية للأزمة.

إننا نواجه اليوم تصدعات جديدة بعد الأزمة، من التراجع المحتمل عن إجراءات التنظيم المالي، إلى تداعيات عدم المساواة المفرط، إلى الحمائية والسياسات المنغلقة، إلى الاختلالات العالمية المتصاعدة. وستكون كيفية مواجهتنا لهذه التحديات هي ما يثبت استيعابنا لدروس «ليمان براذرز». ومن هذا المنطلق، لا سبيل إلى وضع تقييم ملائم للتركة الحقيقية التي خلفتها الأزمة بعد مرور عشر سنوات فقط؛ لأنها لا تزال تتكشف حتى الآن.

دون إجابة

«لماذا لم يلاحظ أحد هذا الأمر؟»... سؤال شهير طرحته الملكة إليزابيث الثانية على طلبة كلية لندن للاقتصاد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، بعد اندلاع الأزمة المالية مباشرة.

تقول نعمت شفيق، المديرة القادمة لكلية لندن للاقتصاد، مر عقد من الزمن تقريبا، ولا يزال الناس يطرحون نفس السؤال على الخبراء بعد أن داهمتنا أحداث عام 2016 على غير توقع، بما في ذلك تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة. مشيرة إلى اهتزاز الثقة في الاقتصاديين ومستطلعي الرأي العام والخبراء على وجه العموم.

وتضيف: «لا يقتصر الأمر على النظر إلى الخبراء باعتبارهم أخطأوا تفسير الأحداث، بل إن احتكارهم للرأي قد تراجع بفعل التكنولوجيا أيضا. فوسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت تتيح المعلومات على نطاق واسع دون الحاجة إلى مساهمة الخبراء، والأخبار تركز على اهتمامات الأفراد وتفضيلاتهم، وهناك اتجاه متزايد لأن ينتقي الناس من يثقون فيه ويتابعونه».

ولكن ما زلنا بحاجة إلى الخبراء. فقد ساهموا في مكافحة الأمراض والحد من الفقر وتحسين أحوال المعيشة الإنسانية. وعلى ذلك، ارتفع متوسط الأعمار بنحو عشرين عاما مقارنة بعام 1950 بفضل زيادة نظافة المياه وتحسن الصرف الصحي والرعاية الصحية. كذلك ارتفع متوسط الدخول في العالم بأكثر من 20 ضِعفا بفضل تحسين السياسات الاقتصادية، ولا سيما في الاقتصادات النامية. وللبناء على هذا التقدم، نحتاج إلى خبراء يعول عليهم ممن يحظون بثقة الجماهير.

 

الخبراء والسلطة

ولكن الخبراء لم يعودوا يحتكرون السلطة. فالتكنولوجيا تتيح للناس الاطلاع على قدر أكبر من المعلومات، وتغير طريقة حصولهم عليها، وتؤثر على الطريقة التي تتشكل بها آراؤهم. ووفقا لتقرير صادر عن معهد رويترز لدراسات الصحافة في جامعة أكسفورد، يحصل نصف مستخدمي الإنترنت على الأخبار من وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ضِعف العدد الذي كان يحصل على الأخبار منها في الولايات المتحدة عام 2013. وبفضل رقمنة المعرفة وسهولة توافرها، يستمر ترسيخ جذور الديمقراطية والتمكين، ومن خلال «حكمة الحشود» يمكن الحصول على تقييمات للمطاعم وتصنيفات للمنتجات والخدمات، وطرح خط فكري جديد بشأن مجموعة من القضايا. والثقة يمكن بناؤها في ضوء عدد التقييمات التي يشار إليها بكلمتي «يعجبني» و«لا يعجبني» والتعليقات النقدية من آلاف الأفراد.

ولكن ذلك ينطوي على تأثيرات سلبية أيضا. فقد تكون المعلومات التي يصعب التأكد من صحتها كثيرة جدا، ذلك أن الخوارزميات تنشئ «غرف صدى» لأصحاب الفكر المتماثل الذين لا يرون أبداً أي جانب آخر؛ والأخبار الزائفة تشوه الحقائق؛ وعدم الكشف عن الهوية يعطي سلطة لمن قد يسيئون استخدامها؛ وفي عالم تزداد فيه إيرادات المرء كلما زادت نقراته على فأرة الكومبيوتر، تُكافأ الأصوات الأشد صراخا ويُروَّج للآراء المتطرفة.


متسوقون يشاهدون مجوهرات ذهبية معروضة في نافذة متجر في سوق الذهب في سوق البازار الكبير في إسطنبول، تركيا، يوم السبت 15 أغسطس 2015. (غيتي)

لغة صعبة

الخبراء الذين يفرزون المعلومات ويصدرون أحكاما مستنيرة هم مجرد صوت آخر ضمن طائفة من الأصوات المتنافرة، وكثيرا ما تؤدي لغتهم الجامدة إلى الحد من إقبال الناس على الاستماع لهم مقارنة بالآخرين. فالخبراء يميزون أنفسهم عن غير الخبراء من خلال مؤهلاتهم العلمية واستخدامهم المصطلحات المتخصصة وسيطرتهم على الدوريات الأكاديمية وتأثيرهم على تدريب الخبراء الجدد.

ويمكن أن تقلل الحدود من فعاليتهم، وخاصة بالنظر إلى كثرة مصادر المعلومات البديلة. وقد نشر خبراء بنك إنجلترا مؤخرا تدوينة على شبكة الإنترنت تحلل التعقد اللغوي في مطبوعات البنك، وتخلص إلى أن شخصا واحدا فقط من بين كل خمسة أشخاص يمكنه فهم فحواها.

ومع تغير مشهد الثقة، تضعف مكانة الخبراء أيضا. فـ«باروميتر إدلمان» للثقة يخلص في عام 2017 إلى أن أقل من 50 في المائة من الناس في ثلثي البلدان يثقون في سلامة ما تقوم به الشركات والحكومة ووسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية.

 

إعادة بناء الثقة

ترى أونورا أونيل، أستاذة الفلسفة في جامعة أكسفورد، أن المجتمعات يمكن أن تعزز الجدارة بالثقة عن طريقين: من خلال تشريعات أو لوائح أو إرشادات لوضع المعايير، أو من خلال معلومات تتيح للناس أن يقيموا بأنفسهم مدى الجدارة بالثقة. ولكن كيف يمكننا استعادة موثوقية الخبراء؟ تضع أونورا عدة نصائح، منها الإيجاز، لا التقعر، قال الفليسوف برتراند راسل ذات مرة إن «مشكلة العالم بأسره هي أن الحمقى والمتعصبين دائماً ما يثقون في أنفسهم كل الثقة، ولكن الأكثر حكمة تملؤهم الشكوك».

فالخبراء لا يتساءلون عما إذا كانت نماذجهم تقوم على معايرة صحيحة فقط، بل إنهم يتساءلون عما إذا كانت هذه النماذج صحيحة في الأصل. وهذه الأمانة عند الشك من شأنها بناء الثقة على المدى الطويل.

ومن الأمثلة الجيدة في هذا الصدد استخدام الأشكال البيانية المروحية في التنبؤات التي يصدرها بنك إنجلترا وعدد متزايد من البنوك المركزية الأخرى، حيث تُعرَض كل النتائج المحتملة لمجموعة معينة من الظروف المبدئية ولا يقتصر الأمر على نتيجة واحدة. إلا أن نقل حالة الشك يزيد من تعقد الرسالة ولا يروق للناس في عالم يقتضي الإيجاز. فالتحدي الذي يواجه الخبراء هو كيفية توصيل أفكارهم بإيجاز بليغ وليس بتقعر مفرط.

ومن المهم مراعاة المعايير عالية المستوى والممارسات الجيدة نظرا للدور الحيوي الذي تؤديه وسائل الإعلام في نقل آراء الخبراء إلى المواطنين في أي بلد ديمقراطي. ورغم وجود هذه المعايير والممارسات في معظم وسائل الإعلام التقليدية المطبوعة والمذاعة، فقد غير الإنترنت اقتصاديات الصناعة، فأنشأ جيلا جديدا من المدونين والصحافيين المزيفين الذين لا يلتزمون في بعض الأحيان بمعايير الإنصاف والدقة والشفافية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدور المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر الأخبار يجعل التمييز بين الصحافة الشرعية والنوع الزائف أمرا متزايد الصعوبة بالنسبة للمستهلكين. وقد تكون كل هذه الأسباب قد أدت إلى فقدان الثقة في الإعلام التقليدي في أكثر من 80 في المائة من البلدان، طبقا لباروميتر إدلمان للثقة لعام 2016 وكان تفاقم الأمور هو النتيجة الوحيدة التي ترتبت على ظهور الأخبار الزائفة وما يسمى بالمعادِل الزائف، الذي يستتر وراء شعار الصحافة المتوازنة ليمنح وقتا متساويا للمصادر الموثوقة والمصادر الأقل موثوقية.


رسم فل غيب توضيحاً لليدين الخفيتين للعم سام، وهما يحركان مؤسسات احتكارية مثل فريدي ماك وفاني ماي وبير ستيرنز وAIG وليمان براذرز.

الأدوات العامة

ويجب أن يكون بوسع المواطنين تمييز الحقائق عن الأكاذيب بين ما يتلقونه من معلومات فياضة. وقد أنشأت التجارة عبر الإنترنت كثيرا من الأدوات التي تقوم بهذه المهمة تحديدا، أي وضع تصنيفات بناء على آراء المستهلكين الآخرين، وتقديم آراء تقييمية عن مدى إمكانية التعويل على تصنيفات الأطراف الأخرى، وتوفير مقاييس للأداء مثل مدى حداثة المعلومات المقدمة.

وعلى غرار مراجعات النظراء التي تتم في الأوساط الأكاديمية، هناك مواقع لتدقيق الحقائق تقوم بفحص ادعاءات الشخصيات العامة، وهو ما يضفي مصداقية على الأخبار وتصريحات الأفراد أو يشكك فيها. وتلتزم مدونة مبادئ الشبكة الدولية لتدقيق الحقائق بالحياد والشفافية في مصادر تمويلها ومنهجيتها، وبإصدار تصحيحات صادقة كلما تطلب الأمر.

وتحاول المؤسسات الجديدة تعزيز موثوقيتها في الحالات التي شهدت تراجعا. فعلى سبيل المثال، أنشئ في المملكة المتحدة مجلس المعايير المصرفية الذي يركز على معايير السلوك في البنوك، ومجلس معايير الدخل الثابت والعملات وأسواق السلع الأولية الذي يضع المعايير المطلوبة في أسواق الجملة المالية، وذلك بعد حالات سوء السلوك الفاضح التي شهدتها فترة الأزمة المالية. ويجب على الكليات والجامعات أن تدرس للطلاب كيف يصبحون مستهلكين قادرين على تمييز المعلومات، كما يمكن أن يؤدي تنظيم حملات توعية عامة إلى تحسين وسائل الإعلام؛ ففي عالم مليء بالمعلومات، يكمن مستقبل التعليم في تدريس التفكير الناقد وحسن التقدير بما يُهيئ الطلاب لأن يصبحوا مواطنين مستنيرين.

 

التكنوقراطية والديمقراطية

ومع تزايد الطابع التقني فيما يتخذ من قرارات، يظهر عدد متزايد من الخبراء غير المنتخبين الذين يدخلون نطاق اختصاص كان مقصورا على المسؤولين الرسميين المنتخبين، وهو ما ينطوي على انعكاسات اجتماعية ضخمة. ويمكن أن تنشأ مشكلات عندما يحاول الخبراء القيام بدور الساسة أو يحاول الساسة القيام بدور الخبراء. ولذلك يتعين مراعاة الوضوح في تحديد هذين الدورين وإرساء قواعد المساءلة التي تعززهما. وإذا تخطى الخبراء هذا الخط، فإنهم يضعِفون مصداقية خبرتهم الفنية ومسؤوليتهم المهنية.

ويخاطر الساسة الذين يتخطون هذا الخط بتضليل الجمهور الذي انتخبهم لرعاية مصالحه. وتؤدي المؤسسات المستقلة، مثل جهاز الخدمة المدنية والبنوك المركزية والجامعات، دورا خاصا في توجيه الخبرات المتخصصة لتحقيق المصلحة العامة، ولكن التكنوقراطية يجب أن تستمد سلطتها من الديمقراطية.

ويتطلب ذلك التزاما بمساءلة الخبراء مع زيادة القرارات التي تتطلب مساهمة فنية متخصصة. ويرى بعض النقاد أن هناك تكلفة باهظة تترتب على أنشطة مثل عمليات التدقيق المالي ومراقبة جودة البحوث ومراجعات العمليات والامتثال وتقييمات الأثر البيئي ومكاتب التقييم المستقل والتحقيقات البرلمانية، وأنها تشجع العزوف عن المخاطرة وتصرف الموارد بعيدا عن الأعمال المهمة. ولكن هذا ثمن زهيد مقابل إضفاء الشرعية على مساهمة الخبراء في صنع القرار الديمقراطي.

وسيساعد تحسين إدارة الحدود والمسؤوليات بين الخبراء والساسة في الحفاظ على التوازن بين التكنوقراطية والديمقراطية. وإذا أحسنا القيام بهذه المهمة، سيتشكل مستقبلنا بالمعرفة والنقاش المستنير لا الجهل وضيق الأفق.


مقالات ذات صلة

اشترك في النقاش