احذروا العبث بمؤلفات الجاحظ... قالوا إعادة كتابتها بلغة جديدة!

كانت مصادفة أن أهداني أحد الأصدقاء كتاب «البخلاء» لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255هـ)، شارحًا لي أن النسخة مكتوبة بلغة جديدة، ومصاغة صياغة مقروءة. فقلت له، قبل تسلم الكتاب منه: أظنها مثل تجربة الذي أراد تحويل الغناء العراقي الريفي إلى نمط أوروبي تُعزف ألحانه على القيثارة، وبذلك دمر أغنية: «عمي يا بياع الورد» الدافئة لحضيري أبو عزيز (ت 1972)! فلا الأوروبي تذوقها ولا نحن شدّنا لحنها الجديد! فلكلِّ فن ألحانه وأجواؤه، فعلام هذه العولمة المبكرة الباردة! ضحك صاحبي وقال: بهذا المثال سددت نفسي عن إعادة قراءة كتابة الجاحظ! ودفع الكتاب لي.

لا أظن أن قراء العربية عجزوا عن قراءة تراث الجاحظ وفهمه؟ فليس هناك أوضح مِن أسلوبه وأرشق من ألفاظه، مع غموض وتقعر أساليب مئات الكُتاب في العصر الحاضر!

لاحظت عبارة على غلاف الكتاب تقول: «أعاد كتابته بلغة جديدة نزار عابدين»! وهذه العبارة تكفي تقدير جرأة الرجل على إيذاء تراث لغوي رصين كتراث الجاحظ، فقد ضحك على القارئ بوضع هذه العبارة، ليكون محررًا لكتب الجاحظ، ومَن أدراك فربَّما سيعرف بالجاحظ الثَّالث، على أن أبي حيان التوحيدي (ت 414هـ) هو الثَّاني! فنحن في زمن الرطانة لا نتمكن مِن قراءة أسلوب ابن بحر وبيانه وسهولة ألفاظه!

لم يُحسب التدمير على نزار عابدين إنما أولاً يُحسب على وزارة الثقافة السورية، فالكتاب من إصدار الهيئة العامة للكتاب التابعة لها، والتي وافقت على إيذاء تراث الجاحظ بما سماها عابدين التجربة الجديدة. كتب عابدين تمهيدًا مستهلاً به تجربته في صياغة كتاب البخلاء، فاشترط الثقافة بالاطلاع على كتب التراث، ومهما يكن مِن وجود شعر جديد أو أدب جديد ونتاج فكري جديد، فلا يكفي من دون قراءة الجذور، فكل ثقافتنا الجديدة عبارة عن أغصان تفرعت مِن شجرة جذورها ضاربة في الأعماق، وكتب كلاما كثيرا في مدح التراث، وكيف أنه تردد على مكتباته وغرف منها، فلاحظ صعوبة قراءة التراث، لأن الألفاظ أخذت بالبعد عن الذائقة والفهم.

لهذا بدأ عابدين بتجربته (الجديدة)، وأول حطامها وضحاياها هو كتاب الجاحظ «البخلاء». بعد ذلك أتى إلى الصعوبات التي واجهته، وعندها كشف الرجل: «على أن ثمة معضلة أكبر واجهتني عند إعادة كتابة البخلاء، هي مشكلة أسماء الأشخاص والأمكنة والمصطلحات العمرانية، وأسماء الأطعمة والأشربة وما إليها»! فحار صاحبنا في الأمر، ويا لها من معضلة دفعته أن يلعب في الكتاب كيفما يشاء، ورحم الله عبد السلام محمد هارون (ت 1988) المحقق الجَلد، فكفاه الله شرَّ الاطلاع على هذه التجرية المدمرة لجهده في تحقيق كتب الجاحظ.

ختم عابدين التمهيد لتجربته مع كتاب البخلاء قائلاً: «لقد أردت للقارئ أن يقرأ كتاب البخلاء متكاملاً بلغة عصرية سليمة، دون أن أتعبه بأي هامش أو ملحق أو شروح» (ص 16)، فتأملوا يريد تجديدا لإعادة كتابة مؤلفات الجاحظ، ولم يجد غير تبديل الكلمات باستخدام القاموس، فقدم الكتاب بها ذاويًا جافًا مِن أي سمة تتسم بها مؤلفات الجاحظ.

انظروا معي التجربة (الجديدة)، التي ضحكت وزارة الثقافة السورية على القارئ العربي بها، وهي التي تدعي حفظ تراث العرب ضمن شعاراتها القومية، جاء في نص الجاحظ الأصل، حسب ما ذكره عابدين نفسه، كي يبرز جهده وبلاغة تجربته: «اصبروا على الرطب عند ابتدائه وأوائله، وعن باكورات الفاكهة، فإن للنفس عند كل طارف نزوة، وعند كل هاجم بدوة، وللقادم حلاوة وفرحة».

البخلاء بلغة جديدة؟؟

وضع عابدين النص بلغته الجديدة، فجعل الجاحظ يقول: «لا تتهافتوا على الرطب عند ابتدائه وأوائله، ولا على الفاكهة عندما ترونها أول مرة في الأسواق، واصبروا عنها، واقمعوا شهواتكم. إن النفس لأمارة بالسوء، وإن النزوات والشهوات لتهيج عند كل جديد، وإن للقادم فرحة وحلاوة». أسألكم بالله، هل بتقديم «فرحة» على «حلاوة» صارت اللغة جديدة؟ أو «اصبروا»، صارت «لا تتهافتوا»، معناها صارت لغة جديدة؟! ما هذا العبث وما هو القصد منه، سوى نزوة شخصية لا صلة لها بتقديم التراث بقدر صلتها بانتهاك حرمته وقوته. صاحب (المشروع) حسب ما قرأت عنه قضى حياته يعمل في الإذاعة، وهذا يعطيه أن يكون إعلاميًا (1975 وحتى الآن)، مذيعًا ومقدمًا للبرامج، وحصل على الليسانس في ثلاثة مواضيع مختلفة وفي عام واحد 1972: الأدب العربي وعلم النفس من جامعة دمشق، وتلك معضلة بحد ذاتها، ونشر مجاميع قصصية، ونقدا سياسيا، فماله والعبث بكتب والجاحظ!

نقرأ تجديد نص الجاحظ الأصل، حسب تمهيد صاحبنا: «يقال إنه ليس في الأرض بلدة واسطة ولا نائية شاسعة، ولا طرف من الأطراف، إلا أنت واجد فيها المدني والبصري والحيري، وقد ترى الفقراء للأغنياء». فجددها عابدين لتكون: «يقال إنه ليس في الأرض بلدة صغيرة كانت أم كبيرة، قريبة أو نائية، إلا وأنت واجد فيها جميع صنوف العباد، فكأنك جمعت في مكان واحد البصرة والحيرة والمدينة ودمشق وبغداد، وبين أولئك وهؤلاء تسمع الاستنكار والاحتجاج من الفقراء، وتلمس مدى كرههم للأغنياء».

تأملوا حزن الجاحظ، وأظنه يمزق ثيابه على أن يكون هذا الأسلوب الركيك ملتصقا باسمه، كذلك أنه لم يذكر دمشق وبغداد، فلماذا الزيادة على النص. ما معنى العبث والإيذاء للغة بسيطة واضحة، وأسلوب مشوق. انظروا وتأملوا الضحك على القراء، وملء المكتبات بمؤلفين ليسوا بمؤلفين، فكيف إذا كانوا مصلحين لأسلوب الجاحظ؟!

أما المفردات التي عصيت على الفهم فقد شرحت في هوامش المحققين. لعل عابدين عدَّ العدة لإعادة صياغة المعلقات السبع، ودواوين الفحول من الشعراء، فهو رزق وفير تهيأ إذا ما دخل هذا العبث حيز القبول وإلى أسواق الوراقة.

أقول مَن يريد تعلم فن الكتابة فعليه قراءة الصعب كي يتيسر له السهل من الألفاظ، وأن لا تفوته نصيحة ابن خلدون (ت 808هـ) التي قال فيها: «وسمعنا مِن أساتذتنا في مجالس التعليم أن أُصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكاتب لابن قُتيبة، وكتاب الكامل للمُبَّرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النَّوادر لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتُّبع لها وفروع عنها، وكُتُب المحدثين في ذلك كثيرة» (مقدمة ابن خلدون).

أما أن تُقرأ هذه الدواوين بعد إعادة كتابتها بلغة جديدة فعلى فن الكتابة السَّلام! أدعو مسؤولي معارض الكتب العربية، والمكتبات العامة، وكل الحريصين على تراث الجاحظ، أن يمنعوا مثل هذا العبث.