الموانئ السعودية ورؤية 2030

نحو استراتيجية وطنية بعيدة المدى
 
* فطنت القيادة السياسية إلى محورية الربط الوطيد بين نجاح مشاريع التنمية في المملكة وتطوير الموانئ والارتقاء بمستوياتها والنهوض بجاهزيتها.
* سعت الهيئة إلى ضمان أهلية جميع الموانئ السعودية بمختلف تخصصاتها لدعم الاقتصاد الوطني بتنوعه ومواجهة جميع المتغيرات والتحديات بجسارة وثقة.
* الموانئ السعودية تمثل أحد أهم الروافد الاقتصادية والتجارية الحيوية في المملكة، ولها دور استثنائي في تطوير أعمال التجارة الإقليمية والدولية، كما أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الوطني.

 

باكو (جمهورية أذربيجان):  في ضوء الرؤية الطموحة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية لخوض غمار المستقبل بخطى ثابتة وسياسات واضحة واستراتيجيات محددة، تلك الرؤية المعروفة اختصارا بـ«رؤية المملكة 2030»، والهادفة إلى تحويل الاعتماد الاقتصادي للدولة من النفط إلى الاستثمار بمختلف صوره وفي مختلف مجالاته، يصبح الحديث عن الموانئ السعودية وتطويرها والنهوض بأدائها ورفع إنتاجيتها من أولويات تحقيق تلك الرؤية، إذ إنه من الصعوبة بمكان تنفيذ تلك الرؤية دونما تطوير مستمر للموانئ السعودية بمختلف تخصصاتها التجارية والصناعية، إذ تؤدي الموانئ التجارية دوراً محورياً في تيسير عمليات جلب كافة السلع والخدمات اللازمة لمتطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والصناعية، كما أن للموانئ الصناعية دوراً أساسياً في دعم الصناعات الوطنية وفتح المجال أمامها للمنافسة الخارجية من خلال قربها من مناطق الإنتاج وتسهيل عمليات التصدير.

وفي ضوء تلك الأهمية التي تحظى بها الموانئ السعودية، فطنت القيادة السياسية إلى محورية الربط الوطيد بين نجاح مشاريع التنمية في المملكة وتطوير الموانئ والارتقاء بمستوياتها والنهوض بجاهزيتها لملاءمة التطورات في معايير النقل البحري العالمي، وزيادة مساحات الحاويات والسفن واستلزاماتها لتقنيات ومعدات متطورة وتجهيزات متخصصة لاستقبالها؛ وهو ما انعكس على إدارة الموانئ السعودية التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في مؤشرات الأداء والإنتاجية خلال عام 2017 مقارنة بعام 2016. واستطاعت أن تجد لها موقعاً متميزاً ومستمراً على خريطة النقل البحري العالمي.

وفي هذا الصدد، يستعرض التقرير ما وصلت إلى الموانئ السعودية من نجاحات، وما حققته من منجزات رصدها تقريرها السنوي الصادر عن الهيئة العامة للموانئ السعودية لعام 2017. وذلك من خلال المحاور الآتية:


ميناء رأس الخير

أولاً: الهيئة العامة للموانئ السعودية... إطلالة على الرؤية والأهداف

أُنشئت الهيئة العامة للموانئ (المؤسسة العامة للموانئ سابقاً) في عام 1967م، بهدف تأسيس منظومة عمل متخصصة تشيد وتدير الموانئ السعودية بكفاءة عالية، في ضوء ما تتميز به هذه الموانئ من تنوع تخصصاتها، إذ تلعب دوراً استثنائياً في تطوير أعمال التجارة البحرية الإقليمية والدولية، فضلا عن العمل في مجال نقل الركاب وخصوصاً زوار البقاع المقدسة من الحجاج والمعتمرين.

وقد عزز من هذا الدور تحولها من «المؤسسة العامة للموانئ» إلى هيئة عامة مستقلة مالياً وإدارياً، حيث مثل هذا القرار أهمية بالغة في تعظيم خدماتها ورفع طاقتها الاستيعابية، حيث تمكنت الهيئة في ضوء تلك الاستقلالية من أداء دورها الإشرافي والتنسيقي والتشريعي بالكثير من المرونة عبر إعطاء مجلس إدارتها صلاحيات واضحة، ساهمت في سرعة الاستجابة والتفاعل مع كل ما يطرأ على صناعة النقل البحري من مستجدات.

وانطلاقاً من تلك المهمة الوطنية التي تستهدف بها الهيئة رفد الاقتصاد الوطني وتعزيز خطط الدولة، تحددت رؤيتها في إقامة منظومة موانئ فعالة، تنافسية، مستجيبة للتغيرات، بما يعزز النمو الاقتصادي ويواكب التطورات العالمية. وسعياً لتحقيق تلك الرؤية، جاءت رسالة الهيئة متمثلة في أن تصبح لاعباً رئيسياً يربط الاقتصاد الوطني بالسوق العالمية، وذلك من خلال توفير منشآت منتجة وآمنة وسليمة بيئياً، وتطوير قوى عاملة وطنية ماهرة ومحفزة قادرة على تحمل مسؤولية الأداء وتحقيق الاستدامة المالية.

وفي ضوء تلك الرؤية والرسالة، تحددت أهداف الهيئة فيما يأتي:

  • إنشاء وإدارة منظمة آمنة وفاعلة، تقوم على ثقافة منفتحة وشاملة تهدف لتعزيز روح الفريق، وإتاحة الفرصة للموانئ السعودية للمساهمة في القدرة التنافسية.
  • تعزيز قدرة قطاع الموانئ على المنافسة، وجعل عملاء الميناء جزءاً من تطوير المنظومة الاستراتيجية للموانئ السعودية.
  • تعزيز الحلول المجددة لتيسير الكفاءة التشغيلية.
  • تمييز المؤسسة العامة للموانئ كرائد في الخدمات البيئية والاستجابة بتفعيل الممارسات التي تقلص أو تمحو أثار عمليات الموانئ وتأثيرها على البيئة وما تخلفه من مخاطر صحية على المجتمع.
  • ضمان توفير بيئة آمنة للأفراد والممتلكات والبضائع ومواجهة التأثيرات على المجتمعات المحيطة بالموانئ السعودية.

وعليه، سعت الهيئة إلى ضمان أهلية جميع الموانئ السعودية بمختلف تخصصاتها لدعم الاقتصاد الوطني بتنوعه ومواجهة جميع المتغيرات والتحديات بجسارة وثقة، متبنية أفضل الأساليب والنظم وأحدث التقنيات اللازمة لاستقبال جميع وسائل النقل البحري، مهما بلغت مراحل تطورها، إدراكا منها لأهمية قطاع النقل البحري ودوره الحاسم في دعم عجلة النمو الاقتصادي في مجالات مختلفة. وهو ما أكسبها أهمية قصوى كركيزة أساسية تعتمد عليها الدولة في إنجاز خططها التنموية المتعاقبة كونها العامل الرئيسي في العملية التبادلية التجارية والصناعية بين المملكة ودول العالم وذلك وفقا لمستهدفات رؤية 2030 في جعل المملكة مركزاً لوجيستياً عالمياً.

 

ثانياً: المواني السعودية... قراءة في إحصاءات عام 2017

بلغ عدد الموانئ السعودية التي تشرف عليها الهيئة العامة للموانئ تسعة موانئ؛ ستة منها تجارية وميناءان صناعيان بالإضافة إلى ميناء رأس الخير المخصص للتعدين، ويطل أربعة منها على الخليج العربي، وخمسة على البحر الأحمر. ويوضح الجدول الآتي خريطة الموانئ السعودية: 

 

 

وخلال عام 2017، سجلت الموانئ السعودية نجاحاً ملحوظاً، كشفه التقرير الإحصائي الصادر عن الهيئة العامة للموانئ، المعروفة اختصارا بـ«موانئ»، حيث تم تسجيل مناولة أكثر من 6 ملايين حاوية قياسية ومسافنة، وهو رقم مرتفع يعكس مدى حيوية الاقتصاد السعودي.

كما بلغ عدد السفن البحرية خلال عام 2017 نحو 13.1 ألف سفينة، في حين بلغ عدد الركاب 1.3 مليون راكب، وبلغ عدد إجمالي العربات 76.2 ألف عربة، وإجمالي المواشي 6.8 مليون ماشية.

ويكشف الجدول الآتي حركة البضائع والسفن والركاب التي شهدتها الموانئ السعودية خلال عام 2017:

إحصاءات الهيئة العامة للموانئ السعودية عام 2017

ومن اللافت للانتباه أن هذا الأداء المتميز للموانئ السعودية خلال عام 2017، شهد تطوراً ملحوظاً كذلك أوائل هذا العام (2018)، إذ إنه وفقاً للمؤشر الإحصائي الصادر من الهيئة العامة للموانئ عن حجم ما تم خلال الربع الأول من هذا العام، بلغ إجمالي البضائع المناولة (70.289.152) طناً، بينما بلغ إجمالي وزن الحاويات المناولة (17.326.758) طناً، وبلغ عدد الحاويات المناولة (1.552.955) حاوية، في حين بلغ عدد السفن (3.049) سفينة، بينما بلغ عدد العربات (197.814) عربة، وبلغ عدد الركاب (258.107) ركاب، وبلغ عدد المواشي (1.311.841) ماشية.

ثالثاً: الموانئ السعودية ورؤية 2030... تخطيط استراتيجي طويل المدى

في ضوء رؤية المملكة 2030 التي تمثل محور النهوض السعودي نحو المستقبل، يمتلك قطاع الموانئ تخطيطا استراتيجيا تتوفر فيه كل مقومات الإطار الملائم لإيجاد حلول للاحتياجات المتزايدة، إذ تنطلق الاستراتيجية من الاعتماد على الموانئ السعودية كرافعة اقتصادية تواكب التوجه العالمي، كما تتميز بكونها تتبنى مخططا استثماريا يراعي الإمكانيات التمويلية المتاحة، ويحدد الأولويات، ويجعل من الأطراف المعنية شريكا في رسم معالم الخيارات، ومن الموارد البشرية رافعة أساسية ومحورية للحصول على الكفاءة اللازمة لتنفيذ المشاريع بالجودة والسرعة المطلوبتين. وترتكز هذه الاستراتيجية على محاور عدة، أبرزها ما يأتي:

  • تحسين الأداء اللوجستيكي عن طريق تشجيع الابتكار، وفي هذا الخصوص اتخذت الهيئة العامة للموانئ كثيراً من المبادرات المهمة، أبرزها ما يأتي:
  • منذ عام 2017م اتجهت الهيئة نحو تخصيص خدماتها وإسناد أعمالها إلى القطاع الخاص لإدارتها بأسلوب تجاري؛ ما أدى إلى تحقيق عدة نتائج إيجابية شملت تحديث المعدات والتجهيزات وإدخال معدات جديدة تتواكب مع التطور الهائل في صناعة النقل البحري، وتنمية الصادرات الصناعية الوطنية، واستقطاب المزيد من السفن عبر تقديم الخدمات الجديدة وخفض أجور الشحن، والعمل على بناء علاقات جيدة مع الخطوط الملاحية الكبيرة للحصول على حصة مناسبة من التجارة العابرة «المسافنة» لموانئ المملكة، إلى جانب فتح آفاق جديدة لتنويع مصادر الدخل، وتنمية الموارد الاقتصادية الأخرى في المملكة.
  • في مايو (أيار) 2018، أطلقت الهيئة مبادرة بإلغاء التأمين النقدي للحاويات في الموانئ السعودية، وذلك بهدف دعم مبادرات تطوير وتيسير أداء الأعمال، حيث تتيح المبادرة للتجار تسلم حاوياتهم خلال فترة الإعفاء الممنوحة دون دفع أي مبالغ تأمينية؛ مما يساهم في خفض الأعباء المالية المحلية لتمويل الواردات، وتحسين مركز تصنيف المملكة في مؤشر أداء الأعمال وتيسير التجارة العالمي.
  • تشغيل خط سفن الكروز السياحية في الموانئ السعودية، وذلك من خلال تشكيل لجنة مشتركة من الهيئة العامة للموانئ مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني للعمل على تفعيل السياحة البحرية لسفن الكروز في الموانئ السعودية، وذلك في إطار تعزيز قدراتها التنافسية واللوجستية.
  • النهوض بالبنية التحتية للموانئ، مع مراعاة الأبعاد البيئية والحضرية في كافة مراحل وعمليات المشروعات الاستثمارية المطروحة، ويذكر أنه في هذا الخصوص استحدثت الهيئة طرقاً لتطوير الفنارات والمساعدة الملاحية، لتتوافق مع أعلى المعايير العالمية، لضمان سلامة الملاحة البحرية، إذ تم إنشاء أبراج مراقبة في جميع الموانئ السعودية، مجهزة بأفضل التقنيات الحديثة في هذا المجال، حيث تم تزويد جميع مداخل الموانئ وقنوات الاقتراب منها بمساعدات ملاحية لإرشاد السفن، بلغ عددها 1201 علامة، تعمل جميعها بالطاقة الشمسية، لصعوبة توفير مصادر الطاقة الكهربائية الأخرى داخل المياه.
  • العمل على مراعاة الأبعاد الإقليمية والدولية في ضوء المستجدات والمتغيرات الطارئة وبعيدة المدى.

نهاية القول، إن الموانئ السعودية تمثل أحد أهم الروافد الاقتصادية والتجارية الحيوية في المملكة، ولها دور استثنائي في تطوير أعمال التجارة الإقليمية والدولية، كما أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الوطني من خلال دورها الرئيسي في خطط التنمية. ولذا، توفر لها الدولة كافة الإمكانات والخدمات اللازمة لتطويرها ورفع طاقتها؛ بما يسهم في تعزيز مكانتها الإقليمية والعالمية.

 

* باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة جمهورية أذربيجان

 

 

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

اشترك في النقاش