إدلب... معركة تكسير عظام مؤجلة

صراعات النفوذ والتمدد على الساحة السورية
* المبعوث الروسي إلى سوريا: الحل السلمي في إدلب لا يزال ممكنًا، إذا تمكنت تركيا من فصل المعارضة المعتدلة عن المتطرفين.
* جاويش أوغلو: نحن مستعدون للتعاون مع الجميع في مكافحة المنظمات الإرهابية، ولكن ليس من الإنسانية أن يُقتل المدنيون دون أي تمييز تحت ستار مكافحة المنظمات الإرهابية.
* الخبير التركي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: الروس ليسوا راضين عن الموقف التركي، لكنهم يقدرون العلاقة بين الجانبين، لا أعتقد أنهم يريدون تعريضها للخطر.
* الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين:أي هجوم على إدلب لن ينتهي بمأساة إنسانية فحسب، وستترتب عليه نتائج سياسية ودبلوماسية خطيرة.
* العقيد فاتح حسون: تياران داخل هيئة تحرير الشام، أحدهما يمكن أن ينخرط في العملية السياسية، وآخر متشبث بالقتال وهو الأقل عددا.
* تكتسب إدلب أهمية استراتيجية بالنسبة للفواعل الرئيسية في الشمال السوري، فتركيا تعتبر المحافظة الواقعة على حدودها، جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.
* روسيا والنظام السوري يدركان أن إنهاء ملف إدلب يعني تحولاً كبيراً في مسار الأزمة السورية لصالحهما، وبالتالي فرض شروطهما السياسية.
* تحاول موسكو عبر أدوات مختلفة دفع أنقرة إلى العمل مع الجماعات المسلحة من أجل عزل الجماعات الجهادية.
* تضم إدلب ما يتراوح بين 10 آلاف إلى 15 ألف مقاتل من جماعات تعتبرها كل من روسيا والولايات المتحدة إرهابية.

 

أنقرة: تتنوع وتتراكم الصراعات بين القوى الإقليمية والدولية بشأن التمدد على الساحة السورية، ويبرز بين وقت وآخر أزمات متلاحقة تجسد عمق التباينات في الرؤى والسياسات بين الكثير من الفواعل الرئيسية، والتي تخلق ما يمكن تسميته بـ«حروب تكسير العظام» بين قوى، رغم التباينات في مصالحها، قد يجمع بينها بعض التفاهمات والتوافقات الجزئية. مدينة إدلب، في هذا السياق، باتت محورا لصراع متدخل بين النظام التركي المدعوم من فصائل المعارضة على الأرض، من ناحية، والنظام السوري المدعوم من روسيا وطهران والكثير من وكلائهما، من ناحية أخرى. عمق الأزمة بين الجانبين دفع إلى الرهان على اللقاء الذي جمع مؤخرا، الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في مدينة سوتشي الروسية.

اللقاء بين الزعيمين جاء على خلفية تصاعد المخاوف من ارتدادات أي هجوم عسكري من قبل النظام السوري على مدينة إدلب، سيما بعدما حشد النظام السوري قواته حول المدينة، بحسبانها تشكل آخر معقل رئيسي للمعارضة. وقد أثار ذلك اضطرابات كثيرة في مسار العلاقات والتشابكات بين الدول الراعية لمسار آستانة، على نحو دفع أنقرة إلى تكثيف مفاوضاتها مع الجانب الروسي والإيراني، من أجل تجنب أي عمل عسكري، قد يخلط الأوراق، ويحد من القدرة على ضبط العلاقات المشتركة. وكان إردوغان وبوتين قد التقيا في السابع من سبتمبر (أيلول) 2018 في طهران لعقد قمة ثلاثية مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، حيث بدا واضحا أن ثمة تبايناً في الرؤى بشأن كيفية التعامل مع معقل المعارضة، المتاخم لتركيا.

وتكتسي إدلب أهمية استراتيجية بالنسبة للفواعل الرئيسية في الشمال السوري، فتركيا تعتبر المحافظة الواقعة على حدودها، جزءا لا يتجزأ من أمنها القومي، ومدخلها للحفاظ على نفوذها ووجودها ضمن أي إطار مستقبلي لتسوية الأزمة السورية، كما أن الجماعات المعارضة والإسلامية المنتشرة في إدلب تمثل رهانها في مواجهة خصومها، مثل «وحدات حماية الشعب الكردي»، التي تعتبر أنها امتداد لحزب العمال الكردستاني، الذي ينشط على المثلث الحدودي بين كل من العراق وتركيا وإيران.

في المقابل، فإن روسيا والنظام السوري يدركان أن إنهاء ملف إدلب يعني تحولا كبيرا في مسار الأزمة السورية لصالحهما، وبالتالي فرض شروطهما السياسية في إطار مساومات تسوية الأزمة المتفاقمة منذ عام 2011. هذا إلى جانب الاعتبارات الأمنية، ذلك أن وجود جماعات معارضة لبشار الأسد في المحافظة يعني بقاء الأزمة مفتوحة، فضلا عن احتضان إدلب للمئات من العناصر الجهادية الشيشانية، والتي تمثل، بدورها، تهديدا مستمرا لمصالح موسكو، والتي تكشف سياساتها عن أن ثمة إصرارا على استعادة النظام لسيطرته الكاملة على محافظة إدلب. وقد سبق للرئيس فلاديمير بوتين، أن صرح خلال القمة الثلاثية في طهران بأن «من حق الحكومة السورية استعادة السيطرة على كل المناطق الخارجة على سيطرتها»، الأمر الذي رد عليه إردوغان بالقول لا «يمكن السماح للأسد بانتزاع المنطقة».

تحاول موسكو عبر أدوات مختلفة دفع أنقرة إلى العمل مع الجماعات المسلحة من أجل عزل الجماعات الجهادية، حيث قال المبعوث الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتيف، إن الحل السلمي في إدلب لا يزال ممكنًا - إذا تمكنت تركيا من فصل المعارضة المعتدلة عن المتطرفين. وقال: «من الممكن الامتناع عن استخدام القوة العسكرية». وتشاطر الحكومات الغربية الرأي القائل بأن المحافظة يجب أن لا تبقى ملاذا للإرهابيين. وأشارت الولايات المتحدة إلى أنها ستتدخل في إدلب إذا استخدمت قوات الأسد الأسلحة الكيماوية.

وتقول روسيا إن المتشددين في إدلب يشكلون تهديدا لقواتها في سوريا، سيما الطائرات المسلحة من دون طيار. وتضم إدلب ما يتراوح بين 10 آلاف إلى 15 ألف مقاتل من جماعات تعتبرها كل من روسيا والولايات المتحدة إرهابية. كما أنها قاعدة لعشرات الآلاف من المقاتلين المدعومين من تركيا.


 
تُظهر صورة تم التقاطها في 1 مارس 2018 أحد أفراد الشرطة العسكرية الروسية يقف حارسًا بين صور رئيس النظام السوري بشار الأسد (إلى اليمين) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) معلقتين خارج موقع حراسة عند نقطة تفتيش وافدين على ضواحي دمشق المجاورة لمنطقة الغوطة الشرقية التي يسيطر عليها المتمردون. (تصوير لؤي بشارة – أ.ف.ب - غيتي)

 

تناقضات بين القوى الفاعلة في إدلب

أنماط التناقض في السياسات بين القوى المنخرطة في إدلب واضحة، رغم التوافقات الجزئية والتصريحات التصالحية، تعكسها الإجراءات المتخذة على الأرض، حيث كان النظام السوري قد حشد قواته العسكرية. وجاء هذا في وقت تزايدت فيه مؤشرات استعداد القوات الجوية الروسية لاستهداف مناطق المعارضة في إدلب. وقد أرسلت تركيا، من جانبها، تعزيزات إلى مورك في شمال حماه، على الحدود الجنوبية لمدينة إدلب، حيث أسست نقاط مراقبة عبر طريق يمتد من دمشق إلى حلب عبر إدلب.

التطورات في إدلب شكلت، على جانب، تهديدا واضحا لطبيعة التعاون الروسي – التركي – الإيراني، حيث تعاونت الدول الثلاث من أجل إقامة مناطق خفض التصعيد، بما في ذلك إدلب. وكان من الواضح أن تركيا تمثل الحلقة الأضعف في إطار «ثلاثي أستانة»، حيث المعادلة على هذا النحو: «دولة في مقابل اثنتين». بيد أن بقاء تركيا في هذا الإطار ارتبط بالرغبة في الحفاظ على العلاقات مع روسيا، سياسيا، وعسكريًا، وميدانيًا، ليس وحسب بحسبان ذلك يمثل إحدى أدوات إدارة الأزمات المتلاحقة التي تعاني منها علاقاتها مع واشنطن، أو حتى لاعتبارات تتعلق بأهمية إتمام صفقة «S - 400» أو مشروعات المفاعلات النووية أو خطوط أنابيب الغاز الطبيعي، وإنما الأهم من ذلك بالنسبة لأدوار تركيا في سوريا التي تتعلق بطبيعة «الغطاء الروسي» الضروري للوجود التركي على الأراضي السورية في منطقتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون».

وتشير تقديرات أكاديمية، في هذا الإطار، إلى طبيعة الفجوة الكبيرة في الإمكانات العسكرية بين تركيا وروسيا، بما لا يسمح بأي هامش للرغبة أو القدرة على المواجهة العسكرية بينهما. وفي هذا الشأن قال أسلي أيدينتاباس، الخبير التركي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «أعتقد أن الروس ليسوا راضين عن الموقف التركي، لكنهم يقدرون العلاقة أيضًا لدرجة أنني لا أعتقد أنهم يريدون تعريضها بالكامل للخطر».

ولدى الجانبين التركي والروسي كثير من التوافقات بشأن ضرورات عدم الاستمرار في المماطلة بشأن حسم مصير الجماعات الإرهابية الموجود في إدلب، حيث آلاف الإرهابيين الذين يرفضون أي إخلاء لمواقعهم داخل المدينة. وفي الآونة الأخيرة، احتجزت عناصر متطرفة عددا متزايدا من المقاتلين المعتدلين نسبيا لكونهم أبدوا استعدادا لإخلاء مواقعهم داخل إدلب.

وتشير بعض الاتجاهات إلى أن الحلول المطروحة تتراوح بين «التدوير الداخلي»، و«التدوير الخارجي»، و«التصفية» بالوسائل العسكرية. فمعظم قادة الصف الأول والثاني من هيئة تحرير الشام يمكن أن يغادر وينتقل إلى أماكن صراع أخرى مشتعلة أو ساكنة في الإقليم أو خارجه، وتخشى أغلب دول الإقليم وكذلك كثير من الدول الغربية من تداعيات ذلك، فتركيا، من جهتها تتحسب لانتقال هؤلاء إلى أراضيها، وأوضحت سياساتها أنها لن تسمح بتمركز جماعات إرهابية داخل حدودها، خصوصا أنهم اكتسبوا خبرات قتالية غير هينة من ميدان القتال السوري.

وفي هذا السياق اعتبر القائد العام لحركة «تحرير الوطن» العقيد فاتح حسون أن «التدوير الخارجي شأن دولي، ولا بد للمجتمع الدولي أن يضع حدًا وضوابط وحلولاً له بعد أن سعت دوله إلى تدويرهم (المقاتلين) باتجاه سوريا». واستبعد وجود «من يرغب في إرسالهم إلى خارج سوريا وسط الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب»، لكنه استثنى «إيران التي يمكن أن تسعى إلى استخدام هذا التيار ضد السنة في دول تريد زعزعة استقرارها».

وبخصوص إعادة تدوير عناصر هيئة تحرير الشام داخليا، قال: «إن هيئة تحرير الشام داخلها تياران، أحدهما يمكن أن ينخرط في العملية السياسية في شكل ما ويبتعد عن الآيديولوجيا التي تُحرم عليه ذلك، وهو التيار الأكثر عددا، وآخر رافض للعملية السياسية ومتشبث بالقتال وحسب، وهو الأقل عددا». وأضاف: «من الممكن أن ينضم مقاتلو التيار الأول إلى فصائل عسكرية معتدلة للعمل معا ضمن هيكلة جديدة ينتج منها تشكيل جديد ينخرط في العملية السياسية مع مؤسسات الثورة، ويمكن أن يسمح للتيار الثاني الرافض هذا الطرح أن يخرج من منطقة إدلب إلى مناطق تُحدد له، كما يتم مع عناصر «داعش» حاليا في أماكن عدة من سوريا للتعامل معه عسكريًا». هذا فيما أشارت اتجاهات أخرى إلى أن معظم قادة «هيئة التحرير» ترفض الانتقال إلى أماكن أخرى. وثمة تقديرات تشير إلى أن منطقة البلعاس شمال شرقي حماه يمكن أن تغدو من الأماكن المقترحة لنقل المتشددين.

وتتمثل الاستراتيجية المقبولة حاليا من أغلب الأطراف في استهداف العناصر المتشددة في جبهة فتح الشام، التي تسيطر على ما يتجاوز 60 في المائة من المدينة، في اتباع استراتيجية تقوم على توجيه ضربات جوية وصاروخية محددة لدفع مزيد من المسلحين السوريين إلى ترك الهيئة والالتحاق بصفوف فصائل معتدلة، وذلك في إطار محاولة لإيجاد ترتيبات أمنية تضمن وقف استهداف قاعدة حميميم الروسية، ومناطق النظام، وضمان فتح الطرق الرئيسية بين حلب ودمشق واللاذقية، وكذلك الطريق الدولي من معبر السلامة نحو حماه، وعودة بعض مؤسسات النظام المدنية.

 

مرتكزات الموقف التركي واستراتيجيته

تتمثل استراتيجية تركيا في ثلاثة عناصر رئيسية، يتعلق أولها بتعزيز قدرات المعارضة، فقد أشارت تقارير إلى دفع تركيا بـ20 ألفاً من المعارضة السورية في مناطق درع الفرات إلى مدينة إدلب للدفاع عنها، وأوضحت قيام أنقرة فعليا بإمداد فصائل المعارضة المعتدلة الموالية لها في المدينة بأسلحة متعددة أبرزها مضادات المدرعات المتقدمة. وقد حشدت تركيا أيضا قواتها، وقالت جريدة «حرييت» إن التعزيزات العسكرية التركية التي تشمل دبابات ومعدات عسكرية أخرى، تُعد الأكبر منذ مطلع سبتمبر 2018، وقد وصلت هذه القوات إلى مراكز المراقبة التركية في جسر الشغور في جنوب غربي مدينة إدلب، حيث تملك تركيا نحو 12 مركز مراقبة.

وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: «نحن مستعدون للتعاون مع الجميع في مكافحة المنظمات الإرهابية، ولكن ليس من الإنسانية والصواب أن يُقتل المدنيون دون أي تمييز تحت ستار مكافحة المنظمات الإرهابية، لا يمكننا إحلال الأمن والسلام بهذا الشكل». هذا فيما جدد إبراهيم كالين، الناطق باسم الرئاسة التركية، التأكيد على أن بلاده «ستقوم بما يقع على عاتقها في مسألة القضاء على المخاطر الأمنية المحتملة التي قد تنجم عن إدلب».

وقامت تركيا بتحصين مواقعها في إدلب بالقوات والدبابات وشددت مراقبة قواتها على حدودها الجنوبية. هذا في حين حشدت القوات الحكومية السورية أكثر من 2000 مدرعة في أرياف إدلب وحماه واللاذقية وحلب واستدعت عشرات آلاف العناصر من قواتها استعدادا لما وُصف بحسبانه «معركة إدلب الكبرى».

وقالت وكالة «الأناضول» الرسمية إن قادة وحدات الجيش التركي المكلفين بمهام في منطقة خفض التصعيد بإدلب أطلعوا رئيس هيئة الأركان الجنرال يشار غولر، على آخر الأوضاع في المدينة عقب جولة له على طول الحدود برفقة قائد القوات البرية، حيث أطلق تصريحات قال فيها إن «نضال القوات المسلحة التركية متواصل بحزم وإصرار كما كان في السابق في البر والبحر والجو وكل أنحاء البلاد، من أجل حماية حقوق ومصالح تركيا». وقد بدأ إدخال التعزيزات العسكرية التركية إلى داخل حدود إدلب عقب الخلافات التي ظهرت أثناء قمة طهران الأخيرة، وبعد أن شعرت أنقرة برغبة روسية - سورية بالضغط عليها بالطرق السياسية والعسكرية لسحب قواتها من نقاط المراقبة الـ12. بما دفع تركيا إلى التحذير من ارتدادات أي عمل عسكري منسق بين النظام السوري والميليشيات الكردية.

العنصر الثاني في إدارة تركيا للأزمة تعلق بالعمل على تسريع الجهود الدبلوماسية من أجل الضغط على النظام السوري وحلفائه لعدم التصعيد العسكري في المدينة. وأجرت الدبلوماسية التركية اتصالات مع واشنطن ولندن وبرلين وباريس. وكان التهديد التركي بمواجهة أوروبا موجة هجرة ضخمة وتهديدات إرهابية في حال الهجوم على إدلب، ورقة الضغط الأساسية التي نجحت أنقرة في توظيفها. وقد أنتج ذلك ضغوطا أوروبية حقيقية على روسيا. وإلى جانب الأسباب السابقة، دفعت رغبة روسيا الجامحة بالحصول على دعم أوروبي لما بات يعرف بـ«جهود إعادة الإعمار»، إلى الاستجابة ولو مبدئيا للضغوط التركية، حيث سعى الرئيس الروسي لإنجاح جهود عقد قمة رباعية تشمل زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا في إسطنبول للحصول على دعم أوروبي للمسار السياسي في سوريا ودعم مادي لبرنامج روسيا لإعادة إعمار سوريا وإعادة اللاجئين.

هذا فيما قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو إن تركيا تواصلت أيضا مع وزراء خارجية عدة دول وتتواصل مع «كل الأطراف في سوريا». وأضاف: «نبذل جهودا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في إدلب»، وكرر دعوة تركيا لتنفيذ عمليات محددة الأهداف ضد المتشددين بما يشمل هيئة تحرير الشام بدلا من شن هجوم عشوائي شامل. وفي اتجاه مواز، عملت تركيا على التوصل إلى حلول وسط مع روسيا، من خلال زيارة الرئيس التركي إلى مدينة سوتشي، لبحث الوضع في إدلب مع الرئيس الروسي. وعلى الرغم من أن اجتماع طهران الذي ضم الرئيس الإيراني حسن روحاني إضافة إلى بوتين وإردوغان، لم يخرج بنتائج معلنة، فإنه قد ساهم نسبيا في تهدئة العمليات العسكرية في شمال غربي سوريا بعد موجة من الضربات الجوية التي روج لها من قبل أطراف محسوبة على النظام السوري بحسبانها مقدمة لهجوم بري وشيك.

وقد جاء لقاء إردوغان – بوتين في سوتشي كثاني لقاء يجمع الرجلين خلال أقل من أسبوعين، وقبيل اللقاء قال مستشار الرئيس التركي للعلاقات الخارجية ياسين أقطاي، إن أي هجوم عسكري على إدلب، يعتبر هجوما على الدولة التركية، مؤكدا «لن تقف أنقرة كالمتفرج لتكرار مجزرة حلب في إدلب». واتهم مستشار إردوغان، موسكو بمحاولة تصفية المعارضة السورية في إدلب تحت ذريعة «مكافحة الإرهاب»، ووصف ما يجري في سوريا بـ«التطهير العرقي والعنصري».

العنصر الثالث في الاستراتجية التركية، ارتبط بتوظيف أنقرة مشاركاتها ضمن مسار آستانة كورقة ضغط على موسكو وطهران. وقد هددت تركيا على نحو مباشر بأن تنفيذ هجوم واسع على إدلب قد يؤدي إلى انهيار ونسف المسارات السياسية المتعلقة بالملف السوري، سيما آستانة والمباحثات السياسية المتعلقة باللجنة الدستورية. وقد قررت مؤخرا وفود الدول الضامنة لمسار آستانة، المتمثلة بتركيا وروسيا وإيران، خلال اجتماعها في الأمم المتحدة بجنيف، تشكيل مجموعة عمل مشتركة حول اللجنة الدستورية السورية، وهو المسار المنبثق عن اجتماعات سوتشي الأخيرة.

هذا فيما هدد الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين بأن «أي هجوم على إدلب لن ينتهي بمأساة إنسانية فحسب، بل ستترتب عليه نتائج سياسية ودبلوماسية خطيرة». وحذر كالين من أن «أي هجوم على إدلب سيدفع مئات الآلاف للنزوح باتجاه تركيا»، مجددًا تذكير أوروبا بأزمة اللاجئين، قائلاً: «أي موجة نزوح جديدة باتجاه تركيا ستكون لها مضاعفات أخرى، وتأثيراتها لن تتوقف عند تركيا، بل ستمتد إلى دول أوروبا».

ونقلت صحيفة «حرييت» التركية عن إردوغان قوله إن تركيا التي تستضيف 3.5 مليون لاجئ سوري تحملت «العبء السياسي والإنساني» للحرب المستمرة في سوريا منذ سبع سنوات، وإن أي موجة نزوح جديدة ستتوجه إلى بلاده. وتابع: «نحاول حماية الأبرياء هناك من خلال مواقع المراقبة، لكن حاليا بوسع الجميع أن يروا قسوة النظام والإرهاب الذي ينشره». وقال إردوغان إن تركيا لا تستطيع تحمّل نتائج معركة كبيرة في إدلب تنتهي بتهجير مئات الآلاف منها ومن المناطق المحيطة بالمدينة.

 

إدارة موسكو لأزمة إدلب

عملت موسكو، في مقابل ذلك، على توظيف استراتيجية متعددة المحاور من أجل تحقيق أهدافها في الشمال السوري، ففي الوقت الذي وظفت فيه الأداة العسكرية عبر توجيه ضربات متتالية لمواقع المعارضة في إدلب، فقد أتاحت المجال أمام الدبلوماسية التركية للتفاوض من أجل التوصل لحلول جزئية للقضايا العالقة، وسعت موسكو، إلى التأكيد على أنه في حال فشلت مساعي الحل السياسي، لن يكون ثمة بديل عن إطلاق عملية عسكرية لتحييد الجزء الأكبر من «الخطر الإرهابي في إدلب».

وأشارت تقارير روسية إلى أن موسكو لا تمانع في منح أنقرة مهلة إضافية لتنفيذ تعهداتها في ملف فصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين، رغم أنها ترى أن «هذه المهمة ستكون صعبة، تأسيساً على أن الجزء الأكبر من العناصر الإرهابية سوف يسعى إلى مواصلة التصعيد العسكري، وذلك على نحو يستدعي ردا عسكريا من جانب السلطات السورية.

وفي مسار مواز، أرسلت موسكو أسطولا من السفن الحربية إلى شرق البحر المتوسط​​، في أكبر انتشار بحري لها في المنطقة منذ دخولها الصراع السوري في سبتمبر 2015. كما حذرت روسيا من ثم مجموعات إرهابية كانت تستعد لشن هجوم بالأسلحة الكيماوية، على نحو يدفع لاحقا بإلقاء اللوم على الحكومة السورية.

كما استبقت أنقرة قمة سوتشي بتصعيد لهجتها، وربطت «أي هجوم يستهدف إدلب السورية بالهجوم عليها». استراتيجية موسكو أوضحت نمط الإدراك الروسي لأهمية تركيا، لذلك سعت، في الوقت نفسه، إلى محاولة التوصل إلى تسويات شبيهة بما حدث في «الغوطتين»، والجنوب السوري. وفي هذا الشأن، قال وزير الدفاع الروسي إن سوريا ستحجم عن شن هجوم على مدينة إدلب بعد أن وافق رئيسا روسيا وتركيا على إقامة «منطقة منزوعة السلاح» هناك لتجنب مواجهة عسكرية محتملة، على جانب آخر، أوضحت نتائج قمة سوتشي محاولة تهميش دور إيران، التي استخدمت من جانب موسكو لممارسة مزيد من الضغط على أنقرة، حيث اعتبرت طهران، والتي تشكل أحد الداعمين الرئيسيين للرئيس السوري بشار الأسد، أنها مستعدة لدعم هجوم من قبل قوات النظام على الإقليم الذي تسيطر عليه المعارضة المسلحة.

 

الموقف الأميركي من أزمة إدلب

أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترامب جهدا إعلاميا ودبلوماسيا لإحباط هجوم عسكري على مدينة إدلب. واشتملت التحركات على محادثات ضمت وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون ونظراءهما الروس. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليس لديها قوات في إدلب، فإن لديها نحو 2000 جندي في شمال شرقي سوريا. وكان الرئيس ترامب قد استخدم «تويتر»، للتحذير من خطورة الأوضاع في إدلب.

وقال ترامب «إن بشار الأسد لا يجب أن يهاجم بشكل متهور مدينة إدلب». وأضاف: «إن الروس والإيرانيين سيرتكبون خطأ إنسانيا خطيرا بالمشاركة في هذه المأساة المحتملة». ومنذ توليه منصبه اتخذ الرئيس الأميركي قرارين سابقين بشن غارات جوية ضد مواقع النظام السوري، لاتهامه باستخدام غاز الأعصاب المحظور (السارين) في هجومين منفصلين أسفرا عن مقتل عشرات الأشخاص. وأوضحت إدارة ترامب أنها مستعدة لاستهداف مواقع النظام السوري حال ما استخدم الأسلحة الكيماوية مرة أخرى. وقال جون بولتون: «لقد تم التشاور مع البريطانيين والفرنسيين في هذا الشأن، كما أنهم يوافقون على أن استخداما آخر للأسلحة الكيماوية سيؤدي إلى رد أقوى بكثير».

وأقامت الولايات المتحدة عدة نقاط عسكرية جديدة في مناطق مختلفة شرقي الفرات التي تخضع لسيطرتها، علما بأنها تستحوذ على نحو ثلث مساحة سوريا، وتتمركز قواتها في أكثر المواقع التي تحتوي موارد طبيعية. وتشير مواقف واشنطن إلى أن الإدارة الأميركية لن تقتصر أهدافها في سوريا على إنهاء تنظيم داعش وإنما، أيضا، إنهاء نفوذ إيران، وإيجاد حل سياسي للصراع السوري. وحسب قول سام هيلر، محلل الشؤون السورية في مجموعة الأزمات الدولية. يبدو أن الرسالة الرئيسية من فريق الدبلوماسيين الجدد في إدارة ترامب تتمثل في أن «الولايات المتحدة لن تخرج من سوريا في المستقبل القريب».


 
 
أم ماجد (إلى اليسار) تحاول استخدام قناع الغاز لأفراد العائلة في منزلها في بنش في محافظة إدلب شمال سوريا التي يسيطر عليها المتمردون كجزء من التحضيرات لأي غارات قادمة في 12 سبتمبر 2018. (تصوير محمد حاج قادور - وكالة الصحافة الفرنسية - يجب قراءة الصورة من محمد حاج قعدور - أ.ف.ب - غيتي)

 

الموقف الأوروبي من أزمة إدلب

اتسمت المواقف الأوروبية بالرفض المطلق لأي عمليات عسكرية قد تفضي إلى عمليات نزوح ولجوء سكاني مكثف تعيد إثارة مشكلات بلغت حدود أوروبا ذاتها، وقد يترتب عليها عمليات هجرة عكسية لجماعات إرهابية قد تستهدف الكثير منها. وقد أجرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، محادثات في بروكسل مع الموفد الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، محورها تطورات الأزمة السورية. وأكدت ثبات موقف الاتحاد الأوروبي واستعداده للمساهمة في إعادة إعمار سوريا، لكن «فقط في حال تحقيق انتقال سياسي شامل على أساس قرار مجلس الأمن 2254».

وأوضح بيان للخارجية الأوروبية أن موغيريني ودي ميستورا ناقشا مستجدات الأزمة السورية والتعاون مع الدول الضامنة لـ«آستانة» (روسيا وتركيا وإيران)، وشددا على مواصلة العمل لدعم الشعب السوري، وعلى ضرورة منع «هجوم عسكري ضخم في إدلب»، وحذرا من «العواقب الإنسانية الكارثية لذلك». وأضاف البيان أن الجانبين بحثا التحضير في جنيف لتشكيل اللجنة الدستورية، واستئناف عملية الانتقال السياسي في سوريا، إضافة إلى التحضير للقاء حول سوريا يعقده الاتحاد الأوروبي على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

هذا فيما قال وزير الخارجية الألماني هيكو ماس، إن الدبلوماسية تمثل الأولوية القصوى لمنع استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا. في الوقت نفسه، تعرضت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لضغوط سياسية على الساحة الداخلية بسبب تنامي المعارضة لمشاركة ألمانيا في أعمال عسكرية على الساحة السورية، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 74 في المائة من الألمان يعارضون توجيه ضربات عسكرية محتملة إلى سوريا. وقد وعدت برلين بالمشاركة في عملية إعادة الإعمار إذا أثنت موسكو الرئيس السوري بشار الأسد على شن هجوم في إدلب. وقال وزير الخارجية الألماني إن سوريا ستحتاج إلى أكثر من مجرد مساعدة من الروس والإيرانيين والأتراك لإعادة بناء البلاد.

وفي وقت سابق، نشرت صحيفة «بيلد» الألمانية تقريرا يقول إن برلين ستنظر في نشر قوات عسكرية تابعة لها في سوريا إذا تم تنفيذ هجوم آخر بالأسلحة الكيماوية. ووفقا للتقرير، التقى مسؤولون من ألمانيا والولايات المتحدة لمناقشة احتمال مشاركة ألمانيا في الضربات الجوية التي قد تقودها الولايات المتحدة على سوريا. وقال التقرير إن وزير الدفاع الألماني استجاب لطلب أميركي، وأعقب ذلك اجتماع بين كبار المسؤولين في الوزارة والجيش من كلا البلدين. ووفقا لـ«بيلد» الألمانية، فإن طائرات تورنادو الألمانية يمكن أن تشارك في مهام قتالية إلى جانب نظيراتها الأميركية والبريطانية والفرنسية.

وعلى جانب آخر، كانت أوساط روسية قد ذكرت أن زيارة لافروف الأخيرة إلى برلين هدفت إلى إقناع الجانب الألماني بضرورة عدم تأييد حملة غربية محتملة ضد مواقع النظام السوري، ومحاولة تقريب المواقف لجهة دعم ألمانيا المبادرة الروسية لإعادة اللاجئين، ما يعني دعم عمليات إعادة الإعمار، وعدم ربط هذا الملف بالتسوية السياسية في سوريا. لكن تصريحات الوزيرين في مؤتمر صحافي مشترك عكست اتساع هوة التباين في المواقف.

وسعى لافروف للدفاع عن مواقف بلاده حيال الغارات التي شنتها سابقا على مواقع المعارضة في إدلب، وقال إن روسيا «تلتزم بقواعد القانون الإنساني الدولي عند إجراء عملياتها في سوريا». ولفت لافروف إلى أن موسكو تسعى إلى تنسيق المواقف مع أنقرة لفتح ممرات إنسانية في إدلب. وأكد أن «روسيا تعمل مع السلطات التركية لحل الوضع في إدلب استنادا إلى اتفاق خفض التصعيد، بما في ذلك فتح ممرات إنسانية في المنطقة. على جانب آخر، كانت تركيا قد استضافت محادثات رباعية جمعت إبراهيم كالين، المستشار الخاص لإردوغان، ومستشار الأمن القومي الألماني، جون هاكر، وفيليب إتيان، مستشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؛ ويوري أوشاكوف، كبير مستشاري الرئيس بوتين، وذلك بهدف وضع تصور لحل يفضي إلى الحيلولة دون وقوع هجوم شامل على إدلب.


أحد مقاتلي التمرد السوريين من «جبهة التحرير الوطني» التي تشكلت مؤخرًا يشارك في تدريبات قتالية في مكان مجهول في الريف الشمالي من محافظة إدلب في 11 سبتمبر 2018 (غيتي)

نتائج قمة بوتين – إردوغان

بينما كانت إيران الغائب الأبرز عن قمة سوتشي، فإن فلاديمير بوتين اتفق مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان، على خطة حل لأزمة إدلب، وذلك من خلال العمل المشترك من أجل إقامة منطقة عازلة تمتد من 10 إلى 12 ميلاً على طول حدود المدينة، كمنطقة آمنة من هجوم القوات الجوية السورية والروسية، على أن يبدأ العمل لتغدو جاهزة بحلول 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2018. ومن المقرر أن يتم سحب الأسلحة الثقيلة منها، بما في ذلك الدبابات ومدافع الهاون والمدفعية بحلول 10 أكتوبر القادم، على أن يتم إبعاد كل عناصر هيئة تحرير الشام من هذه المنطقة، والتي ستكون بمثابة حاجز بين قوات المعارضة والقوات الحكومية في إدلب.

وقال بوتين: «قررنا إقامة منطقة منزوعة السلاح بين النظام السوري والمعارضة». وأضاف: «بناء على اقتراح الرئيس إردوغان سيتم نزع الأسلحة الثقيلة من المنطقة»، مشيرًا إلى أنه سيتم تأسيس آلية مشتركة في المنطقة من قِبل الجنود الأتراك والروس. من جهته، قال إردوغان: «قررنا إقامة منطقة خالية من السلاح بين مناطق المعارضة والنظام»، مشيرا إلى أن «تركيا وروسيا ستجريان دوريات بالتنسيق في حدود المنطقة منزوعة السلاح المحددة». وعبر إردوغان عن اعتقاده بأن هذا الاتفاق «منع حدوث أزمة إنسانية كبيرة في إدلب»، مؤكدا أن الاتفاق يضمن أن تبقى المعارضة السورية في أماكن سيطرتها مع ضمان تركيا «عدم نشاط المجموعات الراديكالية في المنطقة».

ويمثل الإعلان عن منطقة إدلب العازلة نجاحا دبلوماسيا للرئيس إردوغان، في مواجهة القوى الغربية التي اعتبر أنها تخلت عنه في معركة الحد من تدفق اللاجئين عبر الحدود السورية، في مقابل ذلك، فإن الاتفاق يمثل مكسبا روسيا في ضمان دفع تركيا لمواجهة العناصر المتطرفة في إدلب، وفي الوقت نفسه تعزيز العلاقات الروسية – التركية على حساب علاقات أنقرة المتوترة مع الكثير من القوى الغربية. بيد أن الحل الروسي – التركي لا يمثل أكثر من إجراء مؤقت، يصعب الرهان عليه على نحو كامل، ذلك أن إدلب تشكل «مستودع» الجماعات الإرهابية، ليس في سوريا وحدها ولكن في الإقليم كله، ويبدو أن قدرة تركيا على مواجهة تنظيم هيئة فتح الشام محدودة رغم انخراطها السابق في عمليات تتعلق بتصفية أكثر عناصره تشددا.

هذا إضافة إلى أن مواجهة بين الجماعات المعارضة المسلحة المعتدلة والمتشددة بتعزيز من تركيا لن تكون سهلة، في ظل رفض جماعات المعارضة الانخراط الكامل في هذه الصراعات التي قد لا تفيد سوى نظام الأسد، الذي قد يدرك بدوره أن الاتفاق الروسي – التركي غير قابل للصمود، وأن معركة في إدلب قد لا تحتاج إلى قرار مسبق، وإنما قد ترتبط بالتطورات غير المقصودة مثل استهداف القوات التركية أو تعرضها للأذى أو تجاوز أي عملية عسكرية مفترضة لحدود معينة، بما قد يؤدي إلى ردة فعل تركية أو من قبل الجماعات المسلحة المعارضة، وذلك على نحو يصعب بعده ضمان مسار الأحداث.

 

 


مقالات ذات صلة

اشترك في النقاش