صراع الديمقراطيين مع ترمب

لا شك أن الانتخابات النصفية التي ستشهدها الولايات المتحدة الأميركية في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) تستحوذ على المشهد الإعلامي بكامله، حيث يأمل الحزب الديمقراطي في السيطرة على مجلس النواب والانتقال إلى مرحلة السعي إلى عزل الرئيس ترمب كحد أقصى وكحد أدني تقويض حكمه وعرقلة سياساته الداخلية، الاقتصادية خاصة.

كل هذا الصراع يجري على ضوء التحقيقات التي يجريها المحقق مولر، لمعرفة ما إذا كان هناك تواطؤ بين «المرشح ترمب» والحكام الروس من أجل تسهيل عملية انتخابه.

كل الأسلحة في المعركة النصفية مباحة، لدرجة أن الرئيس أوباما، وخلافا لكل التقاليد التي تتحكم بمسيرة الرؤساء السابقين، تهجم على الرئيس الحالي في خطاب ألقاه في ولاية إلينوي منذ أقل من أسبوعين، من أجل تحفيز القاعدة الديمقراطية على الانتخاب.

الكل في انتظار تقرير مولر، الذي من شأنه أن يزرع الشك حول حصول تواطؤ بين حملة ترمب والرئيس بوتين، ما سيعطي حسب تقدير الديمقراطيين هامشا على غريمهم الجمهوري.

الصحافة المرئية والمكتوبة والتي هي بمعظمها موالية للجمهوريين، تنشر تقارير وأرقاما تشير أولا إلى عدم الرضا الشعبي على أداء الرئيس، كما تشير إلى تقدم المرشحين الديمقراطيين في استطلاعات الرأي واحتمال تحقيقهم الأكثرية في مجلس النواب. فيما تشير الأرقام الاقتصادية بتحسن كبير في الأداء على كافة الصعد، إن كان من ناحية النمو، أو معدلات البطالة، وهذا من شأنه أن يلعب لصالح حزب الرئيس.

في المقابل، لا يتوانى الرئيس عن مهاجمة أخصامه عبر وسيلته المفضلة طبعا «تويتر». وقد برهن بشكل قاطع على أنه يستحوذ على اهتمام الإعلام بشكل كبير ويتحكم به أيضا بشكل كبير. فهو بمجرد أن يغرد في موضوع ما حتى تحتل كلماته المقتضبة عناوين الصحف والشاشات، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي.

تكاد العناوين الرئيسية للإعلام تختصر، منذ انتخاب ترمب، بكلمات قليلة: الغدر، الخيانة، التواطؤ. اتهامات يتبادلها الطرفان، كما حصل مع وزير الخارجية السابق جون كيري الذي على ما يبدو، على تواصل مستمر مع وزير خارجية إيران جواد ظريف، ما عده الجمهوريون خيانة كبرى وتعاطياً غير قانوني مع «أكبر دولة راعية للإرهاب». والصحيح أن الولايات المتحدة كان لها اجتماعات مع الإيرانيين قبل غزو العراق على عهد الرئيس جورج بوش والذي كان يصنف إيران في عداد دول «محور الشر».

أحدث انتخاب ترمب ذهولا وصدمة ليس فقط على الصعيد السياسي والشعبي في أميركا وداخل الحزب الديمقراطي تحديدا فقط، بل عند مسؤولين غربيين كثر. الغرب استوعب تلك الصدمة وقبل نتائج الاستفتاء الأميركي وقرر التعامل مع ساكن البيت الأبيض ببرغماتية. أما عند الديمقراطيين فحالة الذهول هذه ما زالت مسيطرة وقياداته تتصرف كمن يرفض فكرة خسارة مرشحته كلينتون. جلسات تثبيت تعيين القاضي المحافظ برت كافانو في مجلس النواب تخللتها فوضى أحدثها الديمقراطيون لم يُشهد لها مثيل. تدخل الرئيس السابق أوباما في الانتخابات النصفية بشكل علني هو أيضا سابقة.

يبدو أن الذهول المسيطر على عقول الديمقراطيين يمنعهم من الاستنتاج بأن الناس عموما أصبح لديهم موقف سلبي من المؤسسات والطبقة السياسية الحاكمة، خاصة أن شبهات الفساد تلاحقهم كظلهم. هكذا جاء انتخاب «ماكرون» في فرنسا من خارج كل التوقعات والأهم من خارج النادي السياسي التقليدي. وهكذا أيضا انتخب دونالد ترمب من خارج النادي السياسي التقليدي الأميركي.

رد فعل الناس وإن كان غير متوقع، ولكنه أصبح مع مرور الوقت مفهوماً. وكل التلاعب باستطلاعات الرأي أو حتى المحاولات في التأثير على الرأي العام من خلال منصات التواصل الاجتماعي ليس لها على ما يبدو كبير التأثير على الأداء السياسي للناخب. فهم ترمب أن ما يهم الناخب الأميركي يتعلق أولا كما دائما باقتصاده، ثم بأمنه، وطبعا بنمط حياته. وهو عرف كيف ينسج رسائل تحاكي تلك الاهتمامات، ونجح اقتصاديا حتى الساعة.

إذا ما استمر الحزب الجمهوري في التهجم الشخصي على الرئيس ترمب فلن يستطيع التأثير على الناخب بشكل يؤمن له السيطرة على مجلس النواب في الانتخابات النصفية القادمة، لأن سيرة ترمب الشخصية كانت صاخبة أساسا قبل أن يصبح رئيسا. فمن انتخب دونالد ترمب كان على معرفة بشخصيته المثيرة للجدل خاصة أنه كان نجما إعلاميا مشهورا في أميركا. فهل يؤكد الناخب الأميركي هذا المنحى المناهض للطبقة السياسية التقليدية الحاكمة في الانتخابات القادمة؟