مصيدة التحويلات

الاقتصادات بين النمو المتراجع والهجرة المتزايدة
  • 466 مليار دولار تحويلات العاملين بالخارج. و258 مليون عامل خارج الحدود و800 مليون يتلقون دعماً مالياً.
  • استخدام الأموال لإعداد الشباب للهجرة بدلا من استثمارها في أنشطة أعمال في الداخل.
  • تزايد الإنفاق على العقارات مما يتسبب في ارتفاع أسعار المساكن... ويؤدي في بعض الحالات إلى إزكاء فقاعات الأسعار العقارية.
  • ظهور «الداء الهولندي» وضعف الحوكمة وارتفاع حد أجر قبول العمل... وتزايد الضغوط على الأسعار... أبرز الملامح.

 

القاهرة: تحظى تحويلات العاملين في الخارج، وهي الأموال التي يرسلها المغتربون لأسرهم في الوطن، باهتمام بالغ من الخبراء الاقتصاديين وصناع السياسات نظرا لقدرتها على تحسين حياة الملايين من الناس. وقد وصل حجم هذه التحويلات إلى 466 مليار دولار في عام 2017. مما يجعلها تحتل مرتبة وسطا بين حجم المساعدات الإنمائية الرسمية والاستثمار الأجنبي المباشر. ولهذه التدفقات المالية الهائلة آثار مهمة على الاقتصادات المتلقية، وخاصة في الوقت الذي يتلقى فيه كثير من البلدان تدفقات كبيرة مقارنة بحجم صادراتها أو حتى اقتصادها.

ويذهب كثيرون إلى أن تحويلات العاملين تساعد الاقتصادات من ناحيتين؛ الأولى، أن هذه المبالغ المحولة من الخارج تساعد الأقارب في البلد الأم على تحمل تكلفة ضرورات الحياة لأنها تأتي من شخص إلى آخر مدفوعة بالروابط الأسرية. غير أنها يمكن أن تؤدي أيضا إلى تغذية النمو الاقتصادي، من خلال تمويل الاستثمار في رأس المال البشري أو المادي أو من خلال تمويل مشروعات جديدة.

وقد عمل خبراء الاقتصاد على قياس هذين الأثرين. وتؤكد دراسات كثيرة أن تحويلات العاملين ضرورية في المعركة ضد الفقر، إذ إنها تنتشل ملايين الأسر من الحرمان أو عيش الكفاف. وفي نفس الوقت، نجد أن الأبحاث الاقتصادية لم تتمكن من إثبات مساهمة الدخل من التحويلات بدرجة ملموسة فيما تحققه البلدان من نمو اقتصادي، وهذه النتيجة تبعث على الحيرة، وخاصة في ظل ما تبين من أن دخل التحويلات يساعد الأسر على زيادة الاستهلاك، بحسب دراسة رالف شامي، وإيكيهارد إرنست، وكونيل فولينكامب، وآن أوكنغ.


قارب يحمل 157 مهاجرًا يحاولون الوصول إلى إسبانيا، تقطعت بهم السبل في مضيق جبل طارق قبل أن يتم إنقاذهم من قبل وكالة غارسيا سيفيل المدنية ووكالة البحث والإنقاذ البحرية في سالفامينتو ماريتيمو في 8 سبتمبر 2018. (أ.ف.ب - غيتي)

 

الإنفاق والنمو

الإنفاق الاستهلاكي هو أحد محركات النمو الاقتصادي قصير الأجل، وهو ما ينبغي أن يؤدي بدوره إلى نمو أطول أجلا مع توسع الصناعات لمواكبة زيادة الطلب. لكن الأبحاث التي تتعمق في دراسة الرابطة بين تحويلات العاملين والنمو تشير بصورة متزايدة إلى أن هذه التحويلات تحدث تغيرا في الاقتصادات على نحو يخفض النمو، ويزيد الاعتماد على تلك الأموال القادمة من الخارج. وبمعنى آخر، هناك أدلة متزايدة على وجود مصيدة تصنعها التحويلات، وتتسبب في بقاء الاقتصادات محصورة بين شقي رحى النمو المتراجع والهجرة المتزايدة.

تشكّل تحويلات العاملين خارج مواطنهم قوة اقتصادية متنامية، بلغت قيمتها في عام 2017 نحو 466 مليار دولار. وتبقى الولايات المتحدة الأميركية المصدر الأكبر لهذه التحويلات، وتأتي بعدها مباشرة المملكة العربية السعودية.

يزداد عدد العاملين خارج أوطانهم، ويقدّر عددهم حالياً بنحو 258 مليون شخص. يساهمون ليس فقط بتمويل عائلاتهم في أوطانهم الأصلية من خلال تحويل الأموال وبالتالي دعم اقتصاداتهم الوطنية، بل ينقلون أيضاً خبراتهم ومهاراتهم وثقافاتهم وطموحاتهم إلى الدول التي يعملون فيها.

وتعتبر التحويلات المالية أبرز وأهم ثمار العمالة الخارجية، وهي ما زالت تزداد بقوة مند عام 1990 وحتى اليوم، وقدّرت قيمتها في عام 2017 بنحو 466 مليار دولار، وتتفوق على القروض في القطاع الخاص وعلى حجم المساعدات الدولية، وهي بالتالي قوة اقتصادية لا يستهان بها وتلعب دوراً إنقاذياً للقطاعين العام والخاص معاً. وهناك نحو 800 مليون شخص يتلقّون الدعم المالي من العمالة في الخارج، أي من الأقارب العاملين في الاغتراب.

وترفع التحويلات القدرة المالية للعائلات، كما تساهم في تحسين ظروفهم الصحية والغذائية والتعليمية والسكنية والمشاريع الفردية الجديدة، وتقلّص عدم المساواة في المجتمع.

 

حالة لبنان

تشير الدراسة إلى حالة لبنان، فلسنوات كثيرة، ظل هذا البلد من البلدان المتلقية لأكبر التحويلات، سواء بالقيمة المطلقة أو النسبية. فخلال العقد الماضي، بلغ متوسط التدفقات الداخلة إليه أكثر من 6 مليارات دولار سنويا، وهو ما يعادل 16 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وقد تلقى لبنان 1500 دولار لكل شخص في عام 2016. أي أكثر من أي بلد آخر طبقا لبيانات صندوق النقد الدولي.

ونظرا لحجم هذه التدفقات، فليس من المستغرب أن يكون لتحويلات العاملين دور رئيسي إن لم يكن قياديا في الاقتصاد اللبناني. فنجد أنها تشكل جزءا أساسيا من شبكة الأمان الاجتماعي، حيث تساهم في دخل الأسر المتلقية بنسبة تتجاوز 40 في المائة في المتوسط.

ولا شك أنها قامت بدور حيوي في استقرار هذا البلد الذي تحمل حربا أهلية وعمليات غزو وأزمة لاجئين لعدة عقود ماضية. وبالإضافة إلى ذلك، تمثل التحويلات مصدرا قيِّما للنقد الأجنبي، إذ إنها تفوق الصادرات السلعية بنسبة 50 في المائة. وقد ساعد ذلك لبنان على الحفاظ على سعر صرف مستقر رغم الدين الحكومي المرتفع.

ورغم أن تحويلات العاملين ساعدت الاقتصاد اللبناني على امتصاص الصدمات، فلا توجد أدلة على أنها كانت محركاً للنمو. ففي الفترة بين عامي 1995 و2015، سجل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي نموا سنويا، بمتوسط 0.32 في المائة فقط. وحتى في الفترة من 2005 إلى 2015 كان متوسط نموه السنوي 0.79 في المائة فقط.


أحد المشاة يدخل متجراً لصرف وتحويل العملات «ويسترن يونيون» في شارع الحمرا في بيروت، لبنان، 24 يوليو 2018. (غيتي)

معدلات نمو أقل

لبنان ليس مثالا منعزلا. فمن بين البلدان العشرة التي تتلقى أكبر كم من تحويلات العاملين كنسبة من إجمالي ناتجها المحلي، مثل هندوراس وجامايكا وجمهورية قيرغيزستان ونيبال وتونغا، لم يتفوق أي منها على نظرائه الإقليميين فيما يتعلق بنمو نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي.

وبالنسبة لغالبية هذه البلدان، نجد أن معدلات النمو أدنى بكثير من المعدلات التي يسجلها النظراء. ومن المهم أن ندرك أن لكل من هذه البلدان قضايا أخرى يتعامل معها ويمكن أن تشكل عقبة أمام النمو. ولكن يبدو أن تحويلات العاملين تشكل محدِّدا إضافيا، وليست مجرد نتيجة للنمو البطيء، بل إنها قد تتسبب في تضخيم مشكلات أخرى تشكل قيداً على النمو والتنمية.

وبالعودة إلى حالة لبنان، نجد أن سكانه الذين يتميزون بمستوى تعليمي جيد يمكن أن يكونوا مؤشرا لقوة النمو.

فالأسر اللبنانية، بما فيها المتلقية للتحويلات، تنفق الكثير من دخلها على تعليم شبابها، الذين يحققون في الاختبارات القياسية للرياضيات درجات أعلى بكثير من نظرائهم في المنطقة. ولبنان موطن لثلاث من أفضل 20 جامعة في الشرق الأوسط، وينتج الباحثون في هذه الجامعات أبحاثا أكثر من نظرائهم في المنطقة. ويمكن للتدفقات الوفيرة التي يتلقاها لبنان من تحويلات العاملين في الخارج أن تشكل ركيزة من رأس المال الأولي لتمويل مشروعات أعمال بادئة يقودها مواطنوه المتعلمون.

 

ريادة الأعمال

غير أن الإحصاءات تبين أن نشاط ريادة الأعمال في لبنان أقل كثيرا مما ينبغي، وخاصة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المتقدمة. فحجم هذا القطاع أقل من 1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ويحتل لبنان مرتبة منخفضة للغاية بالمقاييس الدولية لتطور هذا القطاع.

وتُظهر الدراسات التي أجريت عن عادات الإنفاق الكلي للأسر المتلقية للتحويلات في لبنان أن أقل من 2 في المائة من التدفقات الداخلة توجه إلى مشروعات الأعمال البادئة، بينما جرت العادة على إنفاق النسبة الباقية على السلع غير التجارية مثل وجبات وخدمات المطاعم، وعلى الواردات.

وبدلا من بدء مشروعات أعمال جديدة أو حتى العمل في القائم منها، يختار كثير من الشباب اللبناني الهجرة إلى الخارج. والإحصاءات صارخة في هذا الصدد، فعدد من يغادرون البلاد يصل إلى ثلثي الذكور ونحو نصف الإناث من خريجي الجامعات. ويشكو أصحاب الأعمال من نزيف العقول بسبب الهجرة، وهو ما تسبب في نقص العمالة عالية المهارات.

وقد تم تحديد هذا النقص بوصفه عقبة رئيسية أمام تنويع الاقتصاد بعيدا عن السياحة والتشييد والعقارات، وهي المصادر التقليدية للنمو في لبنان. ومن جانبهم، يشير الشباب الذين يفضلون السعي وراء حظوظهم في أماكن أخرى إلى أن سبب الهجرة هو نقص فرص التوظيف الجاذبة في الوطن. وهكذا يبدو أن جزءا من المصيدة التي تصنعها تحويلات العاملين هو استخدام مصدر الدخل هذا لإعداد الشباب للهجرة بدلا من استثماره في أنشطة أعمال في الداخل.

 

تصدير العمالة

قد تتحول البلدان المتلقية للتحويلات إلى الاعتماد على تصدير العمالة بدلا من اعتمادها على السلع التي تنتجها هذه العمالة. بل إن الأمر قد بلغ ببعض الحكومات إلى تشجيع إقامة مؤسسات تتخصص في إنتاج العمالة الماهرة من أجل التصدير.

ولكن، ما الذي يؤدي إلى تطور هذا الوضع واستمراره؟ تأتي الإجابة في الأبحاث التي تدرس آثار التحويلات على المتلقين، سواء على مستوى الأسر أو الاقتصاد ككل. فقد تمت دراسة الأثر على فرادى البلدان التي تتلقى تحويلات كبيرة، مثل مصر والمكسيك وباكستان.

كما أجريت تحليلات مقارنة بين مجموعات من البلدان المتنوعة التي تتلقى مبالغ مختلفة من تحويلات العاملين، والتي ترسل التحويلات ولا تتلقاها. ويمكن مزج الرؤى المستخلصة من هذه الدراسات الأكاديمية والخروج بتفسير متسق لكيفية وصول الاقتصادات المتلقية للتحويلات الكبيرة إلى حالة من الجمود عند مستويات نمو منخفضة وأسباب حدوث ذلك.

بادئ ذي بدء، تُنفَق معظم التحويلات على استهلاك الأسر، ويتزايد الطلب على كل المنتجات، غير التجارية والتجارية، مع نمو التحويلات التي يتلقاها الاقتصاد. ويفرض هذا ضغوطا رافعة للأسعار. ويؤدي تدفق النقد الأجنبي، مع ارتفاع الأسعار، إلى إضعاف تنافسية الصادرات، مما يتسبب في تراجع إنتاجها. وقد وصف البعض هذه الظاهرة بأنها «الداء الهولندي».

 

حلقة مفرغة

تتفاقم المشكلة بسبب تأثير تحويلات العاملين على حوافز العمل، لأنها ترفع ما يسمى «أجر القبول»، أي أدنى أجر يمكن أن يقبله العامل نظير القيام بوظيفة ما. ومع زيادة التحويلات، يتسرب العاملون من القوى العاملة، وتؤدي زيادة الأجور الناتجة عن ذلك إلى مزيد من الضغوط الرافعة للأسعار، مما يدفع إلى مزيد من التراجع في تنافسية الصادرات.

وعندئذ تتحول الموارد عن الصناعات المنتجة للسلع التجارية التي تواجه منافسة دولية، وتتجه إلى الصناعات التي تخدم السوق المحلية. والنتيجة هي انخفاض عدد الوظائف المجزية التي تتطلب مهارات عالية، وهي الوظائف المعهودة في قطاع السلع التجارية، وزيادة الوظائف في قطاع السلع غير التجارية ذات الأجور المنخفضة التي تتطلب مهارات محدودة. وهذا التحول في سوق العمل يشجع العمالة ذات المهارات العالية على السعي للهجرة بحثا عن وظائف أفضل أجرا.

 

ارتفاع تكاليف المعيشة

في الوقت نفسه، ترتفع تكلفة المعيشة بالنسبة لمعظم الأسر تماشياً مع الأسعار المحلية، ويتسبب تراجع التنافسية في ضرورة استيراد المزيد من المنتجات، مما يضر بالنمو الاقتصادي. ويؤدي هذا بدوره إلى تعزيز حافز الهجرة لدى أفراد الأسرة حتى يتسنى لهم إرسال الأموال إلى بلادهم لمساعدة أقاربهم على تحمل أعباء تكلفة المعيشة المرتفعة.

ومما يزيد الأمور سوءا أن تحويلات العاملين عادة ما تُنفَق على العقارات، مما يتسبب في ارتفاع أسعار المساكن، ويؤدي في بعض الحالات إلى إذكاء فقاعات الأسعار العقارية. ويوفر هذا دافعا للهجرة لدى الشباب الساعين لكسب ما يكفيهم لشراء مسكن. ونتيجة لكل هذا، تنشأ حلقة مفرغة تتعاقب فيها الهجرة، والركود الاقتصادي، وارتفاع تكلفة المعيشة، ثم المزيد من الهجرة.

 

حافز ضئيل للتغيير

ربما تستطيع الحكومات تخفيف وطأة هذه الحلقة المفرغة أو الخروج منها باتخاذ خطوات للحفاظ على تنافسية الصناعات المحلية. لكن السياسات التي تستطيع إنجاز هذه المهمة، مثل تحسين نظام التعليم والبنية التحتية المادية، تنطوي على تكلفة عالية ويستغرق تنفيذها سنوات، إضافة إلا أن نجاحها يتطلب إرادة سياسية قوية.

 

آثار جانبية

تبين الأبحاث ذات الصلة، أن تحويلات العاملين لها آثار جانبية مهمة تتعلق بالاقتصاد السياسي، وعلى وجه الخصوص، تسمح التدفقات الداخلة الكبيرة للحكومات بأن تكون أقل استجابة لاحتياجات المجتمع. والسبب في ذلك بسيط: فالأسر التي تتلقى التحويلات محصنة أكثر من غيرها ضد الصدمات الاقتصادية، ولديها دافع أقل لمطالبة حكوماتها بالتغيير؛ والحكومات بدورها تشعر بأن عليها التزاماً أقل بالوقوف موقف المساءلة أمام المواطنين.

ويرحب كثير من الساسة بما يصاحب تحويلات العاملين من تراجع في المراقبة الشعبية وانخفاض في الضغط السياسي. غير أن السياسة لديهم أسباب أخرى لتشجيع هذه التدفقات. فبقدر ما تفرض الحكومة ضرائب على الاستهلاك، من خلال ضرائب القيمة المضافة مثلاً، تؤدي تحويلات العاملين إلى توسيع القاعدة الضريبية. ويتيح هذا للحكومات مواصلة الإنفاق على أشياء تحقق لها التأييد الشعبي، وهو ما يساعد الساسة بدوره على الفوز بالانتخابات من جديد.

 

تشجيع الهجرة

نظرا لهذه المزايا، لا عجب أن حكومات كثيرة تنشط في حث مواطنيها على الهجرة وإرسال الأموال إلى الوطن، وحتى إنشاء مكاتب أو هيئات رسمية لتشجيع الهجرة في بعض الحالات. والتحويلات تجعل مهمة الساسة أكثر سهولة، بما تحققه من تحسن في الأحوال الاقتصادية للأسر المعنية، ومن ثم تقليل احتمالات شكواها من الحكومة أو تدقيقها في أنشطتها. ومن هنا فإن التشجيع الرسمي للهجرة وتحويلات العاملين يجعل الفكاك من مصيدة التحويلات أكثر صعوبة.

ويعتبر عدم وجود دليل واضح يربط تحويلات العاملين بارتفاع النمو الاقتصادي، والافتقار إلى أمثلة لبلدان حققت نموا بقيادة هذه التحويلات، بمثابة إشارة إلى أن التحويلات تعرقل النمو الاقتصادي بالفعل. وبالإضافة إلى ذلك، يقدم نموذج لبنان مثالا ملموسا يوضح كيفية عمل هذه المصيدة التي تصنعها التحويلات.

وإذا كانت هناك بالفعل مصيدة تصنعها تحويلات العاملين، فما العمل إذن؟، تشير الدراسة إلى أنه لا شك أن أهمية هذه التحويلات في تحقيق الرفاهية لملايين الأسر تجعل عدم تشجيعها أمراً غير وارد. فهل يعني هذا أن مصيدة التحويلات ما هي إلا تكلفة يتعين على المجتمعات تحملها مقابل تخفيض الفقر.


عمال بناء باكستانيون مغتربون يلعبون لعبة الكريكيت خلال استراحة من العمل في موقع بناء في دبي، الإمارات العربية المتحدة. (غيتي)

حالة مصر

تعد التحويلات واحدة من أهم إيرادات العملة الأجنبية في مصر، فهي تتفوق على جميع الصادرات من النقد الأجنبي، ويشمل ذلك إيرادات الاستثمارات الأجنبية والسياحة وقناة السويس.

وبلغت التحويلات العام الماضي نحو 20 مليار دولار، مما جعل مصر تحتل المرتبة الأولى بين دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط في قائمة أعلى الدول في الحصول على تحويلات من العاملين في الخارج، بالإضافة إلى حصولها على المركز السادس عالمياً.

وتعد نسب تحويلات المصريين العاملين في الخارج من الدول العربية هي الأعلى، حيث إن 65 في المائة من المصريين بالخارج يعملون في 16 دولة عربية. أما بالنسبة لتحويلات المصريين من أميركا وأوروبا فقد بدأت تتحسن من جديد بعد أن شهدت انخفاضا جراء الأزمة المالية العالمية الأخيرة.

 

سلطنة عمان

في سلطنة عمان، أجمع عدد من الخبراء الاقتصاديين على ضرورة إيجاد وسائل للحد من حجم التحويلات المالية للعمالة الوافدة إلى خارج الدولة، وأوصى الخبراء بضرورة تشجيع استثمار الأموال داخل السلطنة بدلا من تحويلها للخارج من خلال تهيئة بيئة الأعمال وتسهيل ممارسة الأنشطة التجارية وتشجيع العمالة الوافدة على إنفاق واستثمار هذه المبالغ محليا من خلال تسهيل استقدام الأسر، ورفضوا في الوقت نفسه فرض ضرائب على التحويلات.

وقال الدكتور يوسف بن حمد البلوشي، خبير اقتصادي بمكتب «الرؤية المستقبلية عمان 2040». تشير الإحصاءات إلى أن السلطنة تحتل المركز الأول بين دول الخليج في حجم هذه التحويلات إلى الناتج المحلي، تليها دولة الكويت.

وأشار البلوشي إلى أن هذه التحويلات تأتي في الغالب من عمالة غير ماهرة تشكل أكثر من 70 في المائة من إجمالي العمالة الوافدة، وهو ما يحمل تداعيات سلبية أخرى، منها تقليل تنافسية الاقتصاد العُماني. كما دعا لضرورة الحد من هذا النوع من العمالة واشتراط المهارة والمؤهلات في العمالة التي يتم استقدامها للعمل وهذا يمكن أن يكون له انعكاس إيجابي على تنافسية وجودة الأعمال المنفذة.

وقال: «إن موضوع ارتفاع حجم التحويلات المالية للعمالة الوافدة مرتبط بمشكلات أخرى ناتجة عن ضعف دورة الاقتصاد العماني الداخلية، حيث يتم تحويل الجزء الأكبر من الإنفاق المحلي إلى الخارج دون تدويره محليا، ولا يمكن منعها، إلا أن وجود آليات تحد منها وتشجع على استثمارها محليا يعد أمرا مهما، ويجب إيجاد آليات ذكية تعظم من الاستفادة من التحويلات الخارجية محليا كتهيئة بيئة الأعمال وتسهيل ممارسة الأنشطة التجارية».

وقال الدكتور صالح بن سعيد مسن، رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى: «إن التحويلات الخارجية من الوافدين إلى خارج السلطنة تؤثر بلا شك على الاقتصاد المحلي، فهي تعد تسربا من دائرة الناتج المحلي للبلد بنسبة 14 في المائة».

وأوصى بتشجيع العمالة الوافدة على إنفاق واستثمار هذه المبالغ داخل السلطنة من خلال تسهيل استقدام الأسر، وضرورة مراجعة قوانين الاستثمار الأجنبي، وفتح باب الاستثمار لهم من خلال تسهيل ضوابط التملك حتى 100 في المائة، الأمر الذي سيساهم في الحد من التجارة المستترة التي يذهب عن طريقها جزء كبير من هذه التحويلات.

 

الوصفة السحرية

وتؤكد الدراسة أن الحيلولة دون وقوع التأثيرين السلبيين لتحويلات العاملين، وهما الداء الهولندي وضعف الحوكمة، يمكن أن تساعد البلدان على تجنب مصيدة التحويلات أو الفكاك منها. والوصفة العامة لتخفيف الداء الهولندي هي تحسين تنافسية الصناعات التي تواجه منافسة خارجية. وتتضمن الإجراءات المحددة في هذا الصدد النهوض بالبنية التحتية المادية للبلد المعني، وتحسين نظام التعليم، وخفض تكلفة ممارسة أنشطة الأعمال. كذلك تستطيع الحكومات القيام بدور أنشط في تشجيع إقامة أعمال جديدة، بما في ذلك تقديم التمويل الأولي أو أي مساعدات مالية أخرى للمشروعات البادئة. وفي الوقت نفسه، يتعين على البلدان المتلقية للتحويلات أن تسعى لإيجاد مؤسسات أقوى وتحقيق حوكمة أفضل.

وبالفعل، يعتبر تعزيز التنافسية الاقتصادية وتدعيم الحوكمة والمؤسسات الاجتماعية أمرا ضروريا لجدول أعمال النمو الاحتوائي. غير أن مصيدة التحويلات تجعل تحقيق هذه الأهداف مطلباً ملحّاً. ذلك أن تجنب هذا المنزلق الذي يحمل خطورة محتملة قد يكون بالفعل مفتاحا لإطلاق إمكاناتها الإنمائية عن طريق إزالة عقبة لم يُلتَفَت إليها من قبل على طريق التنمية الاحتوائية.


اشترك في النقاش