أزمة سوق الكتب في إيران

أغلقت دار «آسيا» لبيع الكتب بطهران أبوابها بعد 54 عاماً من النشاط وتحولت إلى مطعم كباب
* تلقي الأزمة التي تواجهها متاجر بيع الكتب في إيران بظلالها على المطابع وأصحابها، حيث أصبحت المطابع على أعتاب الإفلاس بسبب الركود الاقتصادي.

طهران: أدى تراجع قيمة الريال الإيراني أمام الدولار واليورو، وكذلك العقوبات والسياسة الحكومية حول العملة الصعبة وتعديل قانون الضريبة وارتفاع أسعار الورق وشطب الكتاب من السلة الشرائية للعائلات الإيرانية بسبب ارتفاع التضخم وانخفاض مستوى منسوب القراءة بحسب الساعات سنويا إلى إفلاس كثير من محلات بيع الكتب الصغيرة والكبيرة في طهران والمدن الإيرانية.
لقد توقفت كثير من المكتبات المعروفة التي كانت تنشط حتى قبل قيام الثورة الإسلامية عن النشاط وتحولت إلى مهنة أخرى واحدة تلو الأخرى وبات الكثير من متاجر بيع الكتب حاليا شركات عقارية ومعارض وصالونات تجميل ومطاعم ومحلات بيع الملابس.
أغلق محل «آسيا» لبيع الكتب في شارع الجمهورية بطهران أبوابه في أبريل (نيسان) الماضي وذلك بعد 54 عاما من النشاط وتحول إلى مطعم كباب. فيما يقول وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي إن وتيرة إغلاق محلات بيع الكتب توقفت.
 
وردا على سؤال حول تحول كثير من محلات بيع الكتاب إلى أنشطة أخرى بسبب الظروف الاقتصادية المتردية، قال وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي عباس صالحي في 2 سبتمبر (أيلول): «نعم. ما زالت هذه المشكلة قائمة ولكن تباطأت سرعة إعلان إفلاس متاجر بيع الكتب قياسا بالفترة السابقة. لدينا إحصائيات تفيد بأن عملية إغلاق محلات بيع الكتب توقفت خلال العام الماضي».
وكان لانسحاب أميركا من الاتفاق النووي وهبوط الريال الإيراني تأثير على الغلاء ومن ذلك ارتفاع أسعار الورق (إحدى أدوات صناعة النشر) الذي يعد إحدى السلع المستوردة. لم تتفش هذه الأزمة في دور النشر في طهران بل انتقلت إلى محافظات أخرى. وأفادت وسائل الإعلام المحلية مؤخرا بأن سعر الورق المستخدم في طباعة الكتاب يتراوح بين 100 إلى 150 ألف تومان وبالتالي ارتفع سعر الكتاب بـ38 في المائة.
وقد وصلت هذه الأزمة إلى مستوى أعلن فيه وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي في يوليو (تموز) الماضي أن «حجم احتياطي الورق في البلاد يكفي لشهرين فقط».
لم تكن ظروف سوق الطباعة في إيران ملائمة حتى قبل العقوبات الاقتصادية، حيث توقف الكثير من محلات بيع الكتب ودور النشر المعروفة في طهران عن العمل لأسباب كثيرة أو بسبب حكم قضائي بضرورة إغلاقها على غرار دار «ني» للنشر ودار «ويستار» للنشر ودار «رود» للنشر ومحل «طهوري» لبيع الكتب ومحل «مثلث» لبيع الكتب ومحل «آسيا» لبيع الكتب ومحل «ويستا» لبيع الكتب ومحل «مهركان» لبيع الكتب ومحل «الأهواز» لبيع الكتب ومحل «رشد» الأهواز لبيع الكتب ومؤسسة «كسترش فرهنك شيراز» والعشرات من دور النشر ومحلات بيع الكتب في طهران والمدن.

 
محلات بيع الكتب ضائعة
أجرت «المجلة» حوارا مع عدد من بائعي الكتب في إيران أي أولئك الذين لم يتوقفوا عن العمل في هذه الظروف المرتبكة والمتدهورة ويواصلون نشاطهم بحذر وحيطة.
ويقول صاحب إحدى محلات بيع الكتب في ساحة الثورة في طهران إن «غياب ثقافة القراءة وارتفاع أسعار الكتب والظروف الاقتصادية المتدهورة وانتشار بيع الكتب المستعملة وطباعة الأوفست غير المشروعة بين بائعي الكتب المتجولين أفضى إلى إعلان إفلاس محلات بيع الكتب. وتحظى صناعة النشر في كل دول العالم بالدعم الحكومي ولكن السياسات الحكومية الخاطئة حول العملة الصعبة وزيادة الضغوط الدولية أودت بسوق الكتب ومتاجر بيع الكتب إلى الهاوية».
وأضاف: «حلت مطاعم بيع الفلافل محل متاجر بيع الكتب في ساحة انقلاب (الثورة) في طهران حيث إن آفاق قطاع النشر ومحلات بيع الكتب مظلمة. أنا أعمل في دور النشر منذ 20 عاما ولكنني لم أعد أستطيع إدارة هذا المحل بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة».
ويقول مدير محل للكتاب في مدينة الأهواز: «يستمر نشاط هذا المحل منذ فترة طويلة ولكننا كنا على وشك الإغلاق منذ ثلاث سنوات ومن حسن الحظ تمكنا من إنقاذ الوضع بجهود حثيثة وتم تدشين الفرع الثالث للمحل مؤخرا وذلك خلافا لكثير من محلات بيع الكتب التي اختفت عن الساحة».
وأشار إلى محلات بيع الكتب المعروفة والمستمرة منذ فترة طويلة في مدينة الأهواز والتي بدأت تتوقف عن العمل واحدة تلو الأخرى، «كان نشاط أهم محل لبيع الكتب (متجر بين الملل لبيع الكتاب) مستمرا منذ 50 عاما ولكنه توقف عن العمل منذ بضع سنوات. وأغلق متجرا بوستان وجعفري لبيع الكتب أبوابهما أيضا منذ سنوات كثيرة. ويعتبر متجر جعفري من أقدم المتاجر».
ويقول: «ينشط متجر بوستان منذ 10 سنوات واختير كأفضل متجر للكتاب في إيران ولكنه أقفل أبوابه بسبب مشاكل مالية ونقص الموظفين».
ويتحدث عن نقص محلات بيع الكتب في كثير من مدن إقليم خوزستان على غرار بهبهان والأهواز ودزفول ومسجد سليمان وعبادان قائلا: «يعتبر إقليم خوزستان من الأقاليم التي تشهد ارتفاعا في نسبة القراءة، ومع ذلك لا يتجاوز عدد المكتبات العامة ومتاجر بيع الكتب فيها عدد أصابع اليد وهذا الرقم قليل جدا مقارنة بعدد السكان وعدد المدن والقرى في الإقليم».
ويعتبر مواطن في إقليم الأهواز بأن دفع الضرائب يمثل إحدى المشاكل الرئيسية التي تواجهها متاجر بيع الكتب. ويقول: «لا تكتفي بعض متاجر بيع الكتب ببيع الكتب فحسب بل ويبيعون الكراسات أيضا ومن هنا يجب أن يدفعوا الضرائب وهذا ما حصل مع متجر (رشد) لبيع الكتب في الأهواز».




دار «آسيا» للنشر



وأشار إلى النسبة المتدنية لبيع الكتاب بسبب الأزمة الاقتصادية والتضخم المتصاعد وبالتالي انخفضت القدرة الشرائية للشرائح التي تقرأ الكتب مما يؤدي إلى انخفاض الأرباح لمتاجر بيع الكتب وتباطؤ بيع الكتب.
ويرى أن المستثمرين لا يرغبون في الاستمرار في قطاع النشر في الأهواز والمدن الأخرى في الإقليم مما يؤدي إلى عدم الرغبة في افتتاح متاجر لبيع الكتب وإغلاق البعض الآخر».
وبغض النظر عن ضعف قطاع النشر والكتب وإغلاق متاجر بيع الكتب بشكل تدريجي فإن عمليات الرقابة على المؤلفات والكتب والصحف بسلائق شخصية أثارت استياء كثير من الناشرين والشعراء والمترجمين في إيران. ولم يحصل كثير من الكتاب والمترجمين على التراخيص لإصدار مؤلفاتهم بسبب ممارسات تمييزية في عملية الرقابة وعدم تشجيع المؤلفين وصعوبة الحصول على رخصة من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي مما أدى إلى أنهم يلتزمون البيوت.
وأشار بائع كتاب في مدينة كارزون إلى الرقابة والعملية الطويلة للحصول على رخصة لإصدار المؤلفات: «يفتقر الكتاب والمترجمون في الفترة الأخيرة إلى الدافع للاستمرار في عملهم. لم يحصل كثير من الكتاب على رخصة لنشر مؤلفاتهم».
ويقول مدير متجر لبيع الكتب في طهران «كلما انخفضت القدرة الشرائية انخفض الإقبال على شراء الكتب».
وأشار إلى خطة التخفيضات على شراء الكتب منذ يوليو قائلا: «هناك تخفيضات بنسبة 20 في المائة إلى 25 في المائة في الطابق السفلي لجميع متاجر الكتب حيث يتم بيع الكتب باللغة الإنجليزية والفنية وكتب الصور والسينما ولكن هذا لم ينفع لأنه لم يلق ترحيبا يذكر. لا تهتم الحكومة بصناعة النشر وهناك كثير من حالات الرواتب المتأخرة للموظفين».



متجر كتب في شارع ماريفان، إيران، في يناير 2013 . (غيتي)



وأضاف: «أدت مواقع تسوق الكتب إلكترونيا والتخفيضات الكبيرة على شراء الكتب الأخرى إلى أن الكثير من زملائنا يخسرون المهنة التي ورثوها عن آبائهم بعد سنوات من العمل المضني ويتحولون إلى مهنة أخرى».
وقال بائع الكتب الذي بات ينتظر ساعات طويلة في متجره، إن متجر «مثلث» لبيع الكتب الواقع في شارع دربند في طهران أغلق أبوابه في شهر مايو (أيار) 2015 مشيرا إلى أن هذا المتجر أغلق أبوابه بسبب ارتفاع أسعار الكتب وتراكم الديون والضرائب الكبيرة والإيرادات المحدودة».
وأشار مسؤول متجر صغير وقديم في شرق طهران إلى السياسات الحكومية في هذا القطاع وقال: «أبلغتنا الحكومة بأنها تقدم قروضا بمعدل فائدة 4 في المائة، وتقدمت بطلب للحصول على قرض لتوسيع المحل البالغ 70 مترا إلى 300 متر. وراجعت مؤسسات مالية كثيرة خلال بضعة أشهر للحصول على قرض ما ولكنها قالت لي إنها تفتقر إلى رأس المال الكافي لإعطاء القروض. كيف يمتنعون عن إعطاء المحلات الصغيرة لبيع الكتب القروض البنكية في الوقت الذين يمنحون قروضا بنكية بمليارات التومانات لبعض الأفراد؟».
وقال طالب جامعي كان ينظر بحسرة إلى الكتب وراء واجهة محل لبيع الكتب: «اضطررت إلى شراء الكتب من المواقع الاكترونية لأن بعضها تقدم تخفيضات ولكنني ما زلت مترددا بسبب مشاكل مالية. لقد توجهت إلى إحدى محلات بيع الكتب في غرب طهران منذ بضعة أيام حيث قدم تخفيضات بنسبة 25 في المائة، بسبب الركود الاقتصادي، ويتجه صاحب المحل إلى إغلاقه».
وأشار الطالب الجامعي إلى دار «رود» للنشر في طهران، حيث أعلن القائمون عليه في يونيو (حزيران) عن إغلاق المحل بعد 20 عاما على افتتاحه، حيث تم تسليم المحل إلى دار «أميركبير» للنشر.
وتابع الطالب: «تقع دار (رود) للنشر بالقرب من دار (جشمه) للنشر في طهران. وتوجهت أيضا إلى دار (جشمه) حيث كانت هناك أيضا تخفيضات بنسبة 25 في المائة، على الكتب واضطر هذا المحل لبيع الكتب على غرار نظرائه إلى إغلاق أبوابه».
وتلقي الأزمة التي تواجهها متاجر بيع الكتب في إيران بظلالها على المطابع وأصحابها، خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت المطابع على أعتاب الإفلاس بسبب الركود الاقتصادي وباتت تغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
 


اشترك في النقاش