«البركان الخامل»... ظاهرة الحدود الخطرة في العالم

السعودية تبنت استراتيجية مركبة لتحقيق أمنها الحدودي
* القراءة المبكرة لطبيعة الأحداث على الساحة اليمنية استدعت التحرك الاستباقي عبر «عاصفة الحزم».
* السياسات السعودية تأسست على مقاربات تدرك أهمية تحويل العبء الحدودي إلى فرص تنموية واقتصادية.
* تحولت الصراعات على الحدود إلى المناطق المحيطة بالحدود، وذلك بسبب الصراعات العسكرية التي باتت تعاني منها عدد من الدول كسوريا والعراق وليبيا.
* تشكل قضية الحدود المفتوحة بين أغلب دول الاتحاد الأوروبي إشكاليات كثيرة تتعلق بتصاعد حركة البشر واللجوء والهجرة إلى البلدان الأوروبية.
* الخبرة السعودية، مؤشر مرجح لقدرة الدولة على إدارة ملف «الحدود الخطرة» في إقليم مضطرب، تتسم تفاعلاته بالتشنج الأمني والصراعات العسكرية.

أنقرة: تتصاعد الإشكاليات وتتفاقم بشأن قضايا الحدود وما تثيره من خلافات وتوترات، بما يطرح تحديدات متزايدة أمام قدرة الدول على تطوير سياسات تتلاءم مع طبيعة التهديدات التي تطرحها المناطق الحدودية سواء بحكم طبيعتها الجغرافية أو تركيبتها الديموغرافية. وبينما بدت الكثير من الدول عاجزة عن التعاطي مع هذه القضية بحسبانها جزءا رئيسيا من سياسات تحقيق الأمن القومي، فإن دولا أخرى أخذت على عاتقها تبني مبادرات وقائية، عبر النظر إلى ما وراء حدودها لتحقيق أمنها القومي، والتعاطي المبكر مع مناطق الخطر ومصادر التهديد المتنوعة، سواء وقف وراءها دول أو جماعات معارضة أو ميليشيات إرهابية.

المملكة العربية السعودية، واحدة من القوى الإقليمية التي تبنت استراتيجية مركبة لتحقيق أمنها الحدودي. فقد أطلقت مبادرات لتسوية قضايا الحدود عبر طرق سلمية مع دول مجاورة، دون أن تنشغل عن تبني مقاربات صارمة لمجابهة التهديدات التي مثلتها تحركات ميليشيات الحوثي الإرهابية ليس وحسب على الساحة اليمنية، وإنما عبر الحدود السعودية – اليمنية.

القراءة المبكرة لطبيعة الأحداث على الساحة اليمنية استدعت التحرك الاستباقي عبر «عاصفة الحزم» (26 مارس/ آذار 2015)، ومن خلال دعم وتأييد القوات الشرعية في اليمن، انطلاقا من حسابات أمنية أثبتت الأحداث ونمط تواليها طبيعة التقديرات الدقيقة للمملكة، وانطلاقها من محض إدراك لطبيعة التهديدات الحدودية، وما تستوجبه من إجراءات وسياسات لتحقيق الأمن القومي السعودي والعربي. فخلال الشهور الأخيرة اعترضت قوات الدفاع الجوي السعودي صواريخ أطلقتها الجماعات الإرهابية الحوثية، ورغم أنها لم تمثل تهديدا جسيما لمنظومة الأمن السعودية المتقدمة، فإنها أوضحت صدقية التقديرات الأمنية الخاصة بأهمية التحركات الوقائية لتأمين الحدود وعدم انتظار تفاقم التهديدات.

الإدراك السعودي لنمط المخاطر التي تجابهها استراتيجيات تأمين الحدود أشارت إليها الكثير من دراسات الحالة لقضايا الحدود عبر العالم. فقد اهتمت الكثير من الدراسات بالمدخل الوظيفي، والذي يتعامل مع الحدود كمعطى ويبحث في كيفية تأثيرها على المجتمع والاقتصاد، بما يمثل انعكاسا لأفكار المدرسة الليبرالية، ويعنى هذا المدخل بتحركات البشر والسلع عبر الحدود وبالفرص التي تطرحها المناطق الحدودية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز العلاقات الاقتصادية. وقد يجسد ذلك الفكرة التي انطلقت منها المبادرات السعودية الخاصة بتطوير المناطق الحدودية.

أداة تحقيق التنمية، والتركيز على البعد الاقتصادي بحسبانها المدخل الثاني لتحقيق أمن الحدود تجسدها مبادرة إقامة مدينة نيوم، والتي تمثل مشروعا ملهما أعلن عنه ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في أكتوبر (تشرين الأول) 2017. بهدف تأسيس مركز اقتصادي واستثماري وسياحي للمملكة، يشمل مناطق حدودية مصرية وأردنية أيضا.

أهمية «نيوم» لا ترتبط بالارتدادات السياسية أو الانعكاسات الاقتصادية، وحسب، وإنما تتعداه إلى تأكيد أبعاده الأمنية وما تعنيه وتعكسه أهمية المشروع، الذي يتطلب نجاحه بيئة أمنية مغايرة في البحر الأحمر، بما يستدعي ترسيخ سبل العمل وتسريعه لمجابهة أي تأثيرات حدودية ضارة لقوى إقليمية مثل إيران أو جماعات إرهابية مثل ميليشيات الحوثي.

السياسات السعودية تأسست على مقاربات تدرك أهمية تحويل العبء الحدودي إلى فرص تنموية واقتصادية، من خلال تطوير أقطاب التنمية عبر رفع مستوى المناطق الحدودية. وثمة خبرات دولية أخرى في هذا الإطار، يأتي في مقدمتها الخبرة التي تقدمها التجربة الصينية في سياق تعاملها مع إقليم «يونان» الذي يمثل منطقة حدودية تقع في الجنوب منها، حيث تبنت اقتراب إعادة صوغ وتأهيل المناطق الحدودية، لتحويلها لمراكز تجارية عالمية، وذلك في محاولة لاحتواء المشاكل الأمنية التي قد تفرزها، خاصة فيما يتعلق بالإرهاب، وعمليات الاتجار بالبشر.

الصين ودول الجوار

السياسات الصينية اعتمدت في هذا السياق على تعميق التعاون مع الكثير من دول الجوار أيضا مثل كمبوديا، ولاوس، وميانمار، وتايلند، وفيتنام، وذلك في مشروع بلغت تكلفته، حسب إحدى الدراسات الأكاديمية، نحو 14 مليار دولار، مستهدفة من ذلك تحديث البنية التحتية، وقطاعات الطاقة، والنقل، والمواصلات.

لا ينفصل عن ذلك ربما السياسات التي اتبعها «التحالف الإسلامي» في اليمن بقيادة المملكة، حيث تبنى مقاربة تدرك أهمية أن تتزامن مواجهة الجماعات الإرهابية، مع عملية «إعادة الأمل»، والتي تضمنت تحقيق أهداف تنموية تشمل إعادة تأهيل المناطق اليمنية المحررة، بالتوازي مع تصعيد مستويات التعامل العسكري الجاد مع التهديدات التي تثيرها المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات الإرهابية.

 

ظاهرة «الأقواس الجهادية»

التطورات الحاصلة خلال السنوات الخالية على مسرح عمليات الشرق الأوسط تشير إلى أن الخبرة السعودية في التعاطي مع قضايا الحدود لم تستفد منها بعد الكثير من دول الإقليم، بما يجعل قضايا الحدود في الشرق الأوسط ضمن قضايا التوتر والصراع الدائم في الإقليم. وقد عاد مصطلح «التهديد الحدودي» إلى الظهور في أنحاء مختلفة من إقليم الشرق الأوسط، خلال السنوات الأخيرة، غير أنه لم يعد يرتبط وحسب بتلك الموجة العاتية من النزاعات، التي تفجرت حول «خطوط الحدود» بين الدول، وإنما تعلق أيضا بنوعية أخرى من المشكلات التي ترتبط بسقوط الحدود ذاتها، في ظل حالة الفوضى الأمنية التي تعاني منها الكثير من الدول العربية، وهو ما أثار مشكلات أكبر وأعمق من تلك التي ارتبطت بمحاولات الحفاظ أو تثبت خطوط الحدود بين الدول.

وقد أسهم في تفاقم مشكلات أمن الحدود في المنطقة تصدع الدولة الوطنية المركزية والإدارة المزدوجة لأمن المناطق الحدودية، وتبلور نمط الاقتصاديات الحدودية وتداخل التحولات الداخلية والتحديات الإقليمية. فقد أضحى الصراع بين الدولة وجماعات العنف المسلح العابرة للحدود، في الكثير من الحالات، مثل ليبيا والسودان واليمن وسوريا، بؤرة لأزمات إقليمية، بما حمل مخاطر على كيان الدولة، سيما مع تصاعد ظاهرة «الأقواس الجهادية» التي تحيط ببعض دول الإقليم من الكثير من الاتجاهات.

ترتب ذلك على تصاعد مظاهر غياب الحكومة المركزية في الكثير من الحالات العربية، بما أفضى إلى «ضعف الأطراف» وانخفاض مستويات التنمية المستدامة، وانتشار الكثير من أنماط التهديدات في المناطق «الحدودية الرخوة»، بما ساهم في تحولها إلى مراكز لتهريب الأسلحة والبضائع. ومع تفجر الصراعات المسلحة وتصاعد التهديدات الأمنية تحولت الحدود الفاصلة إلى مناطق استباحها «تجار الحدود» ونشطت فيها كافة أشكال هذه التجارة سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة.

وقد تشكلت حواضن اجتماعية للقائمين على هذه التجارة وتوزعت أنشطة تجارية على طول خط الحدود لخدمات هذه التجارة، بما أوجد جماعات مصالح تقاوم أي محاولة لإعادة الانضباط إلى هذه الحدود وتتفنن في سبل اجتيازها، سيما مع تآكل هيبة الدولة في ردع عمليات التهريب في ظل حالة الفوضى الأمنية المنتشرة في عدد من الدول العربية، وتراجع دور المؤسسات الأمنية على الحدود وتنامي المشكلات التي تتعلق بغياب المعلومات الدقيقة والتقنيات الحديثة لمراقبة الحدود.

هذا فيما تحولت الصراعات على الحدود إلى المناطق المحيطة بالحدود، وذلك بسبب الصراعات العسكرية التي باتت تعاني منها عدد من الدول كسوريا والعراق وليبيا، بما أفضى إلى تنامي النوازع الانفصالية لدى بعض الأقاليم الطرفية، ومحاولة بعض الجماعات الجهادية السيطرة على المناطق والمعابر الحدودية من أجل دعم نفوذها وتأكيد حضورها السياسي ودعم عوائدها الاقتصادية وتسهيل عمليات تهريب السلاح والبضائع والأفراد، وقد شكل ذلك مدخلا أساسيا لتدفق الأموال إلى ساحات الصراعات العربية، وتنامي حجم اقتصاديات الصراعات المسلحة.

وساهم في اطراد هذه الظاهرة نمط التحالف، الذي أشارت إليه الكثير من التقديرات، بين بعض القبائل والعشائر التي تقطن المناطق الحدودية، وباتت تضطلع ببعض من مهام الدولة في المناطق التي تسيطر عليها، سواء من حيث توفير الوظائف والأعمال أو حل المشاكل أو ضبط الأمن والتعامل مع التهديدات، بما دفع الكثير من عناصر هذه القوى المحلية للانخراط في عمليات التهريب لدعم قوتها وسيطرتها على المناطق التي تسيطر عليها باتفاق غير مكتوب مع الدولة أو القوى الأمنية الرسمية، وهو الأمر الذي بات من الصعب على بعض الدول مواجهته من دون الدخول في صراعات مسلحة.

تصاعد بالتوازي مع ذلك أنماط تجارة الحدود، وهي تجارة لم تكن ترتبط وحسب بأفراد أو جماعات، وإنما تعلقت بدول استفادت أيضا من تجارة النفط والغاز والآثار عبر الحدود ويبرز في هذا الإطار النموذج التركي في التعامل مع التطورات الحاصلة على مسرح العمليات السوري. كما أن بعض النظم السياسية نفسها قد باتت أحد عملاء الجماعات الجهادية التي تعمل على بيع النفط والغاز في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ويبرز في هذا الإطار النظام السوري الذي قام في حالات كثيرة بشراء النفط من جماعات إرهابية، عبر وسطاء، كما أن هناك جماعات وعشائر سورية استفادت أيضا من هذه الأنماط من التجارة.




مارتن غريفيث، مبعوث الأمم المتحدة الخاص باليمن، ينزل من طائرة لدى وصوله إلى مطار صنعاء الدولي في 16 يونيو (حزيران) 2018 لإجراء محادثات حول ميناء المساعدات الرئيسي في الحديدة حيث يقاتل المتمردون الحوثيون التحالف الإقليمي. (أ.ف.ب – غيتي)

 

مراكز قوى حدودية

وثمة اتجاه يربط بين أنشطة التهريب العابرة للحدود باقتصاديات الصراعات المسلحة في الإقليم، وأن الاقتصاد غير القانوني يجعل التهديدات الأمنية أكثر استدامة واستعصاء على الاحتواء الأمني، سيما في ظل تكوين «مراكز قوى حدودية» تستعصي على سيطرة الدولة، وقدرتها على الإخضاع، مع مراكمتها للمكاسب الاقتصادية والقدرات العسكرية، بما ينذر بتحول بعض المناطق الحدودية إلى «مناطق قرصنة» لا تخضع لسلطة الدولة.

وقد تزايدت إمكانيات الجماعات الإرهابية والإجرامية، بما بات يظهر حجم الفجوة التقنية في الكثير من الحالات بين المهربين الذين يعتمدون على الاتصال بالأقمار الصناعية وقوات التأمين «البدائية» التي لا تزال تعتمد على وسائل تقليدية، بما يوضح تصاعد قدرة الجماعات الجهادية والعصابات الإجرامية على التجارة والتهريب، وفي أحيان اختراق قوات حرس الحدود ذاتها.

وتشير حالات كثيرة إلى قدرة بعض الجماعات للتحرك بحرية بسبب تهديداتها لبعض عناصر حرس الحدود. كما أن الكثير منها أصبح لديه الخبرة والدراية الكاملة بهذه الحدود على نحو سهل عملية تهريب الأفراد والسلاح والبضائع بعيدا عن أعين الدولة، على سبيل المثال، تبلور نمط «العصابات المزدوجة» على جانبي بعض الحدود المشتركة، فمثلاً دفعت تبعات الفوضى الأمنية التي تعاني منها الأراضي الليبية إلى إعادة تنظيم عصابات التهريب (التجار على الحدود مع الجزائر، والقبائل على الحدود مع ليبيا)، مما أضعف من سيطرة الدولة ومهد الطريق لأنماط من التهريب أكثر خطورة، إذ ظهرت مجموعات تجمع بين الجهاد والجريمة المنظمة داخل شبكات التهريب العاملة على الحدود، وهو ما يطلق عليه «العصابات الإسلاموية».

وقد أشار تقرير Atlantic council، إلى أن الحركة بين الحدود في الشرق الأوسط لا تزال تشهد حتى الآن عمليات تهريب منظمة ليس وحسب للسلع والبضائع، وإنما أيضا تشهد هذه الحدود حركة واضحة لعمليات بيع لأسلحة وشحنات تشمل معدات عسكرية تجاه المناطق السورية، وذلك أمام أعين جنود وضباط من دول الجوار.

وقد أدت أيضا العصابات المنظمة أدوارًا مركزية في توسع تجارة الحدود بين سوريا وتركيا. وشهدت الفترة الأخيرة بروز أدوار لاعبين جدد، يأتي في مقدمتهم، تنظيم «هيئة تحرير الشام»، حيث أوضحت تقديرات أن مجموعات مرتبطة بـ«الهيئة» أقامت مكاتب في كل من سلقين وحارم ودركوش وسرمدا، بهدف نقل اللاجئين السوريين إلى القرى التركية. وتلعب الحركة أيضاً، بعد فرض رسوم محددة سلفاً، أدواراً رئيسية في نقل الأموال بين تركيا وسوريا.




 أحد أفراد حرس السواحل التركي، يلقي حبلاً لللاجئين بعد أن وقعوا من قارب صيد في طريقهم إلى اليونان في 22 يناير 2016 في منطقة ديديم في أيدين، تركيا. (غيتي)

تهديدات ذات طبيعة عسكرية

ترتبط الحدود في الشرق الأوسط بعدد متنوع من التهديدات العسكرية، وهي تتصاعد وتخفت بناء على نمط العلاقات السياسية مـع الدول المجاورة، فيما يتعلق بالمشكلات الحدودية الكامنة أو المكشوفة بين الجـانبين أو وجـود صراع قائم أو محتمل، وقد ارتبطت المشكلات الكبرى، المتعلقة بالحدود، في المنطقة العربيـة عامة، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بتلك النوعية من التهديدات، ولا تزال التقديرات المستندة على سيناريوهات أسوأ حالة، تشير إلى إمكانية تجددها في بعـض الأحـوال. وهنـا يـتم التحسب لإمكانية وقوع صدامات عسكرية نظامية ترتبط بنمطين شهيرين من التهديدات، أولها: نزاعات الحدود، فالفكرة السائدة بشأن الحدود يمكن أن تكـون أساسا للتعاون أو سببا للنزاع، والمشكلة أنها في المنطقة العربية كانت مصدرا للنزاع في الغالب، باستثناء المبادرات التي أطلقتها المملكة، والتي قد تشكل مدخلا لتوظيف الأدوات المركبة لتعزيز أمن الحدود.

وثانيها: يتعلق بهجمات الحدود، والواقع أن احتمالات الهجمات العسكرية ترتبط بالدفاع عن الدولـة، وليس أمن الحدود، لكن في مناطق الحدود التي قد تشهد احتمالات عسـكرية، وحسب واحدة من الدراسات الأكاديمية، توجـد نظريتـان للتعامل المحتمل معها، تؤثران على وضع مناطق الحدود البرية تحديدا، هما: نظرية الدفاع على الخطوط الخارجية، وذلك بتعبئة وحشد قوات نظامية دائمة في منـاطق المواجهة والعمق.

ونظرية الدفاع على الخطوط الداخلية، يتم الاعتماد بموجبها في الخطوط الأمامية علـى عناصر ووسائل المراقبة والإنذار المتطورة، مع الاحتفاظ بالقوات الرئيسية في العمق، مع تشكيلها بصورة تجعلها قادرة على الحركة السريعة، عبر الاعتماد على القـوات الميكانيكيـة أو القـوات المحمولة جوا، وغير ذلك. وتفضي تلك النوعية من الاحتمالات، ولو نظريا، إلى تحول مناطق الحدود إلى مناطق عسكرية، أو مناطق تحكمها اعتبارات استراتيجية تتخذ في إطارها إجـراءات خاصة، وتثير نقاشا عاما، تتداخل فيه اعتبارات الأمن مع اعتبارات التنمية، وفق نظريات مختلفة أيضا، كما يحدث في الفترة الأخيرة، بشأن شبه جزيرة سيناء في مصر. ويبدو المدخل السعودي مدخلا توفيقيا بين الأدوات العسكرية والمحركات التنموية بحيث لا يكون أحدهما بديلا للآخر.

ويمكن القول، إن الفوارق بين الحالات السابقة، سواء كانت تتعلـق بمشـكلات أمنيـة أو تهديـدات عسكرية، تنعكس بشكل مباشر على نظام تأمين الحدود، فيما يتعلق بطبيعة العناصـر التي يـتم نشرها، سواء كانت قوات مسلحة، أو وحدات مطاردة، أو حرس حـدود، أو عناصـر شـرطية، إضافة إلى طبيعة التأهيل والتدريب، وطبيعة الاستخبارات، والأجهـزة المسـتخدمة، وقواعـد الاشتباك، وما إلى ذلك، وإن كانت هناك مرونة حاليا بشأن مهام وتأهيل وتسليح بعض عناصـر تلك النظم.

وتشير التطورات الحاصلة على مسرح عمليات الشرق الأوسط إلى أن ثمة تصاعداً للتحديات الأمنية المرتبطة على الحدود، سواء داخل بعض الدول العربية، مثل ليبيا والعراق واليمن وسوريا. أو بين الكثير من دول الإقليم، ومن أبرز هذه الخلافات تلك المتعلقة بسياسات إيران الإقليمية سواء فيما يخص الحدود العراقية أو الساحة السورية، أو حتى احتلال الجزر الإماراتية الثلاث.




أحد المقاتلين اليمنيين يحمل قاذفة صواريخ على كتفه في موقع للمتمردين الحوثيين في منطقة جبلية شمال غربي مدينة تعز في 20 أبريل 2017. (أ.ف.ب – غيتي)

مشكلات الحدود «البركان الخامل»

تتنوع الإشكاليات على الصعيد الدولي. وترتبط بين دول رئيسية على مسرح العمليات العالمي الكثير من الصراعات الحدودية، بما يخلق تحديات مركبة ومتنوعة، تفضي إلى توترات وصراعات متجددة، تحد من القدرة على التعاون الاقتصادي الأمثل وتخلق توترات سياسية يصعب ضبط وتيرتها في كل الأوقات. على سبيل المثال، ثمة خلاف رئيسي بين الصين والهند حول ترسيم حدودهما الممتدة على مساحة أربعة آلاف كيلومتر، وتعد ولاية أروناتشال براديش الهندية أخطر نقاط المواجهة، فقد ضُمت المنطقة إلى الأراضي الهندية خلال حقبة الاستعمار البريطاني، وقد أفضى ذلك إلى مواجهات عسكرية كثيرة بين البلدين. وفي منتصف يونيو (حزيران) 2017، قامت الصين بإرسال جنود لحماية أعمال بناء في منطقة دوكلام المتنازع عليها، وذلك لشق طريق حدودي، فردت الهند بنشر قوات عسكرية حالت دون استكمال المشروع.

وتعاني الكثير من الدول عبر العالم من صراعات الحدود، فتزامنا مع بدء أنقرة التنقيب عن البترول والغاز شرق المتوسط، تجدد التوتر بين تركيا واليونان على خلفية زيارة قام بها وزير الدفاع اليوناني، بانوس كامينوس، إلى جزيرة أغاثونيسي المتنازع عليها في بحر إيجة، ووصف وزير الدفاع التركي فكري إيشيك الزيارة بـ«الاستعراضية»، قائلا إن بلاده لن ترد بالمثل. وتتنازع اليونان وتركيا، العضوتان في حلف شمال الأطلسي، السيادة على عدد من الجزر في بحر إيجة، وكادت الأمور تصل بين البلدين عام 1996 إلى حد اندلاع حرب.

وقال وزيرا الخارجية والدفاع اليونانيان، نيكوس كوتزياس وبانوس كامينوس، إن رئيس الأركان التركي ليس بمقدوره الذهاب إلى كارداك حتى ولو أراد ذلك. ورد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بأن بلاده لا تدخل في سباقات ولا تستعرض قوتها وأن تلك العقليات تعلم ما قد يفعله الجنود الأتراك عندما يقتضي الأمر، واصفا وزير الدفاع اليوناني بـ«الطفل الوقح» الذي يعبث في العلاقات بين البلدين. وأكد أن المسؤولين الأتراك من حقهم أن يزوروا الجزيرة وقتما شاءوا، وأن تركيا يمكنها أن تحتل جزيرة إيميا، وهي إحدى الجزر المتنازع عليها.

على جانب آخر، ثمة حالة من الصراع تعيشها كل من تركيا وقبرص، تصاعدت خلال الفترة الأخيرة حينما منعت سفن حربية تركية سفينة استأجرتها شركة «إيني» الإيطالية للطاقة، من الوصول إلى منطقة بحث وتنقيب عن الغاز الطبيعي جنوب شرقي مدينة لارنكا الساحلية القبرصية. هذا الصراع المتجدد يعكس صراعا قد يمثل حالة «البركان الكامن» القابل للاشتعال بين كل دول شرق البحر المتوسط بسبب الصراع حول ترسيم الحدود البحرية، سيما بعد اكتشاف مخزون الغاز الضخم في حوض شرق المتوسط.
 




(من اليسار إلى اليمين) رئيس وزراء سلوفينيا ميرو سيرار، ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، ورئيس الوزراء اليوناني الكسيس تسيبراس، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء البلغاري بويكو، في صورة جماعية، خلال قمة غرب البلقان 2018 في لانكستر هاوس في 10 يوليو (تموز) 2018 في لندن، إنجلترا. (غيتي)

 

كما تشكل صراعات الحدود مشكلة رئيسية في العلاقات بين الدول الأفريقية، وكذلك تثير قضية الحدود الرخوة بين الكثير من بلدان القارة إشكاليات تجارة الحدود وتهريب السلاح والمخدرات والسلع والبشر، بما يوجد تحديات يصعب التعاطي معها بالإرادة المنفردة، حيث إنها تتطلب عملا مشتركا، ومبادرات جماعية. وهذه الإشكالية لا تتعلق بدول القارة الأفريقية وحسب، وإنما أغلب الحدود بين الدول تشهد اختراقات بصورة أو بأخرى، فعلى سبيل المثال لا تزال الحدود الأميركية – المكسيكية تشكل أحد أسباب التوتر بين الدولتين.

وقد بدأت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في 27 سبتمبر (أيلول) 2017، في بناء ثمانية نماذج للجدار الفاصل بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك، أربعة منها مصنوعة من الخرسانة، والنماذج الأخرى من مواد بديلة. وقال رونالد فيتيلو، من هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية «استراتيجيتنا متعددة الجوانب لضمان سلامة وأمن الشعب الأميركي تتضمن الحواجز والبنية التحتية والتكنولوجيا».

وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قد تعهد ببناء جدار على طول الحدود مع المكسيك لمسافة تزيد على ثلاثة آلاف كيلومتر لوقف الهجرة غير الشرعية وتدفق المخدرات، وأصر على أن المكسيك ستدفع ثمنه. ويتوقع أن تصل التكلفة الإجمالية لعملية البناء إلى عشرات المليارات من الدولارات، ورفضت الحكومة المكسيكية فكرة تسديد فاتورة البناء. وفي يوليو (تموز) الماضي، مرر مجلس النواب مشروع موازنة 2018 وشمل 1.6 مليار دولار لبدء بناء الجدار.

تشكل كذلك قضية الحدود المفتوحة بين أغلب دول الاتحاد الأوروبي إشكاليات كثيرة تتعلق بتصاعد حركة البشر واللجوء والهجرة إلى البلدان الأوروبية، بما يخلق تحديات اقتصادية ومشكلات سياسية وأمنية أفضت إلى تصاعد حضور التيارات القومية ذات النزعة الانعزالية عن الاتحاد الأوروبي. فخلال عام 2017 شهدت بلدان الاتحاد قدوم أكثر من 150 ألف لاجئ، بما خلق توترات بين الدول الأوروبية، سيما بعد أن أبدت كل من اليونان وإيطاليا غضبهما، لأنهما تستقبلان غالبية المهاجرين، فكلا البلدين يشعر بأن دول الاتحاد الأوروبي الأخرى تخلت عنه. وقد ترتب على ذلك محاولة دول الاتحاد التوصل إلى تسويات جزئية مع تركيا وبعض دول شمال أفريقيا بحسبانها مصدراً أو «نقطة مرور» للغالبية العظمي من اللاجئين لبلدان الاتحاد.
 




يحمل محتج مناهض للصين العلم الوطني للصين خلال مظاهرة خارج فندق وندسور ، حيث جرت جولة جديدة من المحادثات بين تايوان والصين في مدينة تايتشونغ المركزية (غيتي)

إن مشكلة الحدود بين دول العالم وداخل بعض الدول التي تشهد صراعات داخلية أو تحديات أمنية، تشبه «البركان الخامل» الذي يمكن أن ينفجر بين فترة وأخرى، وهو ما يستدعي تبني مقاربات مركبة تشمل المعالجة الدبلوماسية، والمبادرات الاقتصادية والتنموية، و«الردع العسكري»، وربما تشكل الخبرة السعودية، في هذا السياق، مؤشرا مرجحا لقدرة الدولة على إدارة ملف «الحدود الخطرة» في إقليم مضطرب، تتسم تفاعلاته بالتشنج الأمني والصراعات العسكرية، وذلك عبر عدد من المبادرات الوقائية التي تستهدف تحويل عبء الحدود إلى فرص للتنمية، وتعزيز العلاقات البينية مع دول الجوار، وفي ذات الوقت مواجهة سياسات تمدد النفوذ و«تصدير التوتر» التي تتبعها بعض الدول، كإيران، لزعزعة استقرار الإقليم وأمن دوله.


مقالات ذات صلة

اشترك في النقاش