روسيا ولبنان... تعدد الملفات وتعزيز العلاقات

في محاولة لاستعادة مسار علاقاتهما والتي تعود بجذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر
* ثلاثية العلاقات الروسية اللبنانية: الثقافة مرتكزاً للتعاون، والاقتصاد محوراً للتقارب، والعلاقات العسكرية لا تزال متعثرة.
* يمثل النفط والغاز مجالاً آخر لتعزيز التقارب بين البلدين، حيث تسعى موسكو للحصول على حصة من سوق الطاقة اللبنانية.
* روسيا تفتح مدرسة للغة الروسية في سهل البقاع في لبنان لتعزيز التقارب الثقافي بين البلدين.
* يراهن بعض الساسة المؤثرين في الساحة اللبنانية على دور روسيا في تحقيق تسوية سياسية للصراع الدائر في سوريا، بشكل يضمن إعادة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين من لبنان إلى بلدهم.

موسكو: «نحذر من أي انتهاكات لقرارات مجلس الأمن الدولي، بما في ذلك خرق الأجواء اللبنانية (من قبل الجيش الإسرائيلي) الذي يعد بحد ذاته انتهاكا أيضا فظا للقانون الدولي، ونحن نعبر عن رفضنا القاطع لمثل هذه الخطوة»، عكست هذه الكلمات القاطعة التي جاءت على لسان وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» في رده بشأن تهديد إسرائيل باستهداف محتمل لمطار بيروت في أواخر سبتمبر (أيلول) 2018، مدى ما تشهده العلاقات الروسية اللبنانية من تطورات إيجابية تستهدف تعزيز علاقات البلدين في محاولة لاستعادة مسار علاقاتهما والتي تعود بجذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث افتتحت أول قنصلية روسية في بيروت عام 1839م، بينما كانت البداية الحقيقية للنشاط الدبلوماسي بين الجانبين في نهاية 1943 حين اعترف الاتحاد السوفياتي باستقلال لبنان، كما بذل جهودًا حثيثة من أجل انسحاب القوات الإنجليزية - الفرنسية من لبنان، كما استخدم الاتحاد السوفياتي في عام 1946 لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة حق النقض (الفيتو) دفاعًا عن استقلال لبنان واستقلال سوريا.
وفي ضوء هذا الموقف الروسي الداعم لبنان في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، يبرز التساؤل حول الدوافع الروسية للتقارب مع لبنان في هذا التوقيت تحديدا، خاصة بعدما شهدت علاقاتهما من تباعد ما بعد عام 2008 حينما رفضت لبنان إتمام صفقة السلاح الروسي، حيث يأتي المسعى الروسي في إطار الحرص على استمرار حضورها الدبلوماسي في عواصم المنطقة تعويضا عن خسارتها ليبيا وقبلها العراق، مع العمل على حماية مصالحها المهمة على الساحل السوري، بسبب موقع لبنان الجغرافي. ولذا، ترغب روسيا في فتح المرافئ اللبنانية أمام سفنها الحربية، وكذلك مطار بيروت، ليكون نقطة «ترانزيت» للمقاتلات الروسية.
كما يلعب العامل الاقتصادي دورًا محفزًا لموسكو لتعزيز علاقاتها مع لبنان، حيث تزايدت قيمة الصادرات الروسية إلى لبنان من 423 مليون دولار في عام 2012 إلى 770 مليون دولار في عام 2017، وفق البيانات الصادرة من الجمارك اللبنانية. كما يجري حاليًا البحث في مشروع أُطلق عليه «الكوريدور الأخضر» لتعزيز التبادل التجاري أكثر بينهما، وخصوصًا من ناحية تسهيل دخول الصادرات اللبنانية الزراعية إلى الأسواق الروسية.
كما يمثل النفط والغاز مجالا آخر لتعزيز التقارب بين البلدين، حيث تسعى موسكو للحصول على حصة من سوق الطاقة اللبناني. ويذكر أن العام الحالي (2018) شهد توقيع شركة «نوفاتك» الروسية ضمن تحالف مع شركتي «توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية عقودًا للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية. وفي السياق ذاته، تحرص موسكو على الوجود في المناطق الحدودية اللبنانية السورية لتصبح مركزًا أساسيا لإفساح المجال أمام وجود الشركات الروسية في لبنان من أجل المشاركة في عمليات إعادة إعمار سوريا، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، خلال زيارته إلى موسكو في 20 أغسطس (آب) 2018، بقوله: «إن بلاده تريد من الشركات الروسية المشاركة في مناقصة جديدة لتطوير حقول نفط وغاز في منطقة الجرف اللبناني... وإن لبنان سيكون منصة لإحياء اقتصاد سوريا المجاورة... وإن بيروت ستنسق جهودها مع موسكو».
على الجانب الآخر، يراهن بعض الساسة المؤثرين في الساحة اللبنانية على دور روسيا في تحقيق تسوية سياسية للصراع الدائر في سوريا، بشكل يضمن إعادة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين من لبنان إلى بلدهم، على حد تأكيد وزير الدولة اللبناني لشؤون النازحين معين المرعبي، بقوله: «إننا نعتبر المبادرة الروسية استكمالا للمرحلة السابقة من مناطق خفض التصعيد، وهي مبادرة جيدة جدا، ونعول عليها كثيرا، خصوصا أن ضمان الأمن للعائدين من قبل قوى عظمى مثل روسيا والولايات المتحدة يطمئن النازحين كثيرا»
 
روسيا والقوة الناعمة في لبنان
على العكس من الوجود الروسي العسكري والاقتصادي في سوريا، تحظى لبنان بوجود ثقافي روسي واسع المدى، ذلك الوجود الذي يرجع بجذوره إلى بداية خمسينات القرن الماضي وتحديدا عام 1951. حينما افتتحت السفارة الروسية أولى مراكزها الثقافية في بيروت ليبقى وحده طوال عقود من الزمن، قبل أن يتوسع العمل لاحقًا، إذ لوحظ خلال السنوات العشر الماضية افتتاح تسعة مراكز ثقافية روسية في مناطق عدة بدعم مباشر من السفارة الروسية أو بمبادرة من لبنانيين. وبين تلك المراكز ثلاثة فُتحت أبوابها خلال صيف عام 2018 وتوزعت في المناطق التالية: عاليه (في الوسط) وراشيا (في الشرق) وحاصبيا (في الجنوب)، وهو ما أشار إليه السفير الروسي في بيروت ألكسندر زاسبكين بقوله: «نحن نؤيد كل ما يؤدي إلى التقارب بين الشعوب وتطوير التعاون وإيجاد الحلول السياسية السلمية للنزاعات من خلال التراث الثقافي وإنجازات العقل العلمي في المجالات كافة». هذا فضلاً عن اعتزام روسيا فتح مدرسة للغة الروسية في سهل البقاع في لبنان لتعزيز التقارب الثقافي بين البلدين.




نائب وزير الخارجية الروسي، المبعوث الرئاسي الروسي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ميخائيل بوغدانوف، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (الجبهة من اليسار إلى اليمين) خلال اجتماع مع وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل. (غيتي)

 

 

عودة اللاجئين السوريين من لبنان... نقطة تلاقٍ روسية لبنانية
مثلت قضية عودة اللاجئين السوريين من لبنان نقطة تلاقٍ مهمة بين البلدين، حيث حظيت باهتمام واسع المدى من جانبهما، إذ اعتبرها الجانب اللبناني خطوة نحو ضمان استقرار لبنان والحفاظ على استقلاليته بعيداً عن تأثيرات الأزمة السورية على الداخل. في حين هدفت موسكو من إيلاء هذه القضية اهتماما كبيرا، انطلاقا من رغبتها في تحسين صورة نظام بشار الأسد في العالم، إلى القول إن الأوضاع في سوريا تسير نحو الأفضل بما يفسح المجال لإقناع الدول الغربية بالمساهمة في إعادة الإعمار مع بقاء بشار الأسد على رأس السلطة، وهو ما عبر عنه بجلاء لقاء نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مع مستشار رئيس الحكومة اللبنانية جورج شعبان، بناء على طلب الأخير وفقا لبيان وزارة الخارجية الروسية في سبتمبر (أيلول) 2018، وذلك لبحث ملف إعادة اللاجئين السوريين، حيث تم خلال هذا اللقاء مناقشة المقترحات الروسية التي أعلنها رئيس المركز الوطني الروسي لإدارة شؤون الدفاع ميخائيل ميزينتسيف، بشأن «تنظيم عودة النازحين السوريين إلى ديارهم». وقد تمثلت هذه المقترحات في تشكيل مجموعة عمل مشتركة، خاصة بعودة اللاجئين السوريين في ضوء القرار الروسي بالتعاون مع النظام السوري، بإقامة مركز في سوريا يشرف على عودة كل الأشخاص الذين نزحوا مؤقتا وكذلك اللاجئون السوريون من الدول الأجنبية إلى أماكن إقامتهم الدائمة. ويذكر في هذا الخصوص أن وزارة الخارجية اللبنانية سلمت السفارة الروسية في بيروت في أواخر سبتمبر قائمة بأعضاء الجانب اللبناني في اللجنة المشتركة، حيث ضمت كلا من: مستشار رئيس الوزراء للشؤون الروسية جورج شعبان (ممثلا عن رئاسة الحكومة)، والنائب السابق أمل أبو زيد، عن وزارة الخارجية، ومدير الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم، والعميد سهيل خوريه، عن الجيش اللبناني.
وجدير بالإشارة أنه وفقا لبيانات وزارة الدفاع الروسية، يُوجد على أراضي 45 دولة (6.985.282) لاجئًا سوريًا مسجلاً، بينهم 2.095.585 امرأة، بالإضافة إلى 3.562.494 طفلاً، موزعين على النحو الآتي:
تركيا 3.548.273  - لبنان 976.002 - الأردن 668.123 - ألمانيا 534.011 - مصر 498.986 - العراق 249.123 - هولندا 74.998 - النمسا 42.505 - الدنمارك 17.995 - اليونان 13.139 - سويسرا 6702 - بلجيكا 3982 - إيطاليا 3836 - رومانيا 3101 - إسبانيا 2352 - آيرلندا 1729 - مالطة 1289 - البوسنة والهرسك 1630 - بولندا 1069 - الأرجنتين 818 - لوكسمبورغ 663 - كرواتيا 530 - سلوفينيا 460 - بلغاريا 180 - المجر 51 - آيسلندا 197 - سلوفاكيا 43 - جمهورية التشيك 39 - لاتفيا 19.
ومن بين هؤلاء، أعرب 1.712.234 سوريا عن رغبته في العودة إلى بلده، من تسع دول، هي: (لبنان 889.031 - تركيا 297.342 - ألمانيا 174.897 - الأردن 149.268 - العراق 101.233 - مصر 99.834 - الدنمارك 412 - البرازيل 149 - النمسا 68). إجمالاً، منذ 30 سبتمبر 2015. عاد 238.639 لاجئًا إلى سوريا من أراضي دول أجنبية، بينهم 71.575 امرأة و121.714 طفلاً.
 
الرفض الأميركى وعرقلة التعاون العسكري بين البلدين
في ضوء السعي الروسي للتموضع من جديد في شؤون المنطقة والتفاعل مع قضاياها وخاصة تلك المرتبطة بالأوضاع في سوريا، لم تكن مصادفة أن يتسع نطاق التعاون الروسي اللبناني ليشمل المجال العسكري الذي ظل حكرا على الغرب والولايات المتحدة. ولذا شهدت بدايات عام 2018 وتحديدا في خطوة ربما كانت مفاجئة للكثيرين حينما تم الإعلان عن قرب توقيع البلدين على اتفاق عسكري لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، يقضي بتوريد أسلحة روسية للجيش اللبناني بقيمة مليار دولار أميركي ستُسدد قيمتها على مدى 15 عامًا ومن دون فوائد، مع إجراء تدريبات مشتركة، ومشاركة أوسع للمعلومات الأمنية والعسكرية، ومكافحة الإرهاب والقرصنة. وتنبع المفاجأة من التحول واسع المدى في مسار علاقات البلدين ليصبح المجال العسكري ضمن مجالات تعاون البلدين، وذلك على خلفية الموقف اللبناني الذي جرى عام 2008 حينما رفضت لبنان عرضا روسيا بالتزود بقاذفات «ميغ 29»، في حين أن الاتفاق الجديد وفقا لما أعلن من بنوده، حال توقيعه، من شأنه أن يمنح الوجود الروسي في المنطقة نفوذا متزايدا من خلال إيجاد موطئ قدم له في لبنان على حساب النفوذ الأميركي الذي يرتكن هذا الأخير بدوره إلى الدعم والتعاون مع الجيش اللبناني.
ولذا، لم تكن مصادفة أن يواجه هذا الاتفاق عراقيل بسبب الضغوط الأميركية التي تمثلت في زيارة متزامنة مع الإعلان عن التوقيع على هذا الاتفاق، قام بها نائب قائد القيادة المركزية الأميركية (ARCENT) الجنرال تيرنس ج. ماكنريك إلى لبنان، وجاء في بيان للسفارة الأميركية في بيروت بخصوص الزيارة أن: «الولايات المتحدة سوف تُكمل هذا العام 2018 تسليم الطائرات الست من طراز «A - 29 Super Tucano»، بالإضافة إلى 32 آلية قتال مدرعة من نوع «برادلي»، وهي جزء من 340 مليون دولار أميركي من المساعدات لتحسين قدرات الجيش اللبناني في الجو ولبناء قدراته على المناورة الآلية الحديثة على الأرض»، وذلك كله بهدف الحد من اتساع النفوذ العسكري والسياسي والأمني الروسي في لبنان، خوفًا من أن يمهد التوقيع على هذا الاتفاق بداية النهاية للعلاقة بين الجيش اللبناني وواشنطن.
 




وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (إلى اليمين) يرحب بنظيره اللبناني جبران باسيل (يسار) خلال لقائهما في موسكو في 20 أغسطس 2018 (أ.ف.ب – غيتي)


 
روسيا ولبنان... الاقتصاد مفتاح آخر للتقارب
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن التقارب الثقافي وإن مثّل محوراً مهماً في تعزيز العلاقات بين البلدين، بل ولا يزال نقطة تلاقٍ مهمة بينهما، فإن المستقبل سيشهد إضافة مسار جديد في علاقاتهما يتمثل في المجال الاقتصادي، وذلك في ظل تعددية القطاعات الواعدة للتعاون بينهما، منها:
- زيادة الصادرات اللبنانية إلى روسيا في إطار توصل الطرفين لاتفاق على إعداد لائحة من 50 سلعة لبنانية لإعفائها من الرسوم الجمركية لدى إدخالها إلى روسيا.
- تقوية التعاون السياحي لا سيما لجهة اعتبار لبنان وجهة مفضلة للسياح الروس.
- اعتماد لبنان كمركز للشركات الروسية التي تريد التوسع نحو المنطقة.
- فضلا عن الاهتمام بالاستثمار في المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس كمقدمة للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، وما يتطلبه ذلك من تفعيل لمذكرة التفاهم الموقعة بين المصرف المركزي الروسي وهيئة الأسواق المالية لتحديد مجالات التعاون المالي والمصرفي. وفي هذا الخصوص يلعب ملتقى الأعمال اللبناني – الروسي الذي يُعقد بصفة دورية، رافدًا حيويًا في الدفع باتجاه تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين في مختلف القطاعات، وهو ما قد يعزز من الوجود الروسي في الساحة اللبنانية على حساب أطراف أخرى كانت ولا تزال لها دور ملموس في هذا المضمار.


مقالات ذات صلة

اشترك في النقاش