«تسونامي» تزايد السيولة المالية في إيران يدق ناقوس الخطر

تزايد حجم الاستياء الشعبي ضد السياسات الحكومية الفاشلة
* يعتبر ارتفاع السيولة وعجز الميزانية وارتفاع الديون على الحكومة، من الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع التضخم في إيران.
* أفادت الإحصائيات الصادرة من البنك المركزي الإيراني بأن حركة التضخم الصعودية استمرت خلال سبتمبر الماضي وبلغت 13.5 %.

طهران: يعتبر الكثير من الخبراء في الشؤون الاقتصادية وحتى عدد من واضعي السياسات المالية في الجمهورية الإسلامية أن تزايد السيولة المالية يشير إلى عدم الاستقرار المالي وأحد الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى زيادة التضخم وارتفاع أسعار الدولار وبقية العملات في السوق غير الرسمية لبيع وشراء العملة في إيران.
وقد ظهر مفهوم السيولة في الاقتصاد الإيراني خلال العقدين الأخيرين، وهي عبارة عن الأموال التي تؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم. واعتمدت البنوك غير الحكومية في إيران بشكل عام سياسة السيولة الفائضة خلال الأعوام الأخيرة. وارتفعت السيولة من 2578.6 ألف مليار ريال في 1979 إلى 1580 ألف مليار تومان في يونيو (حزيران) 2018.
وشهدت إيران منذ وصول أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة في أغسطس (آب) 2005 ارتفاعا متزايدا في حجم السيولة. وارتفعت السيولة من 70 ألفا و459 مليار تومان إلى نحو 472 ألفا و837 مليار تومان في صيف 2013 مما أدى إلى ارتفاع السيولة بنسبة 571 في المائة وارتفاع التضخم إلى 35 في المائة والنمو السلبي الذي بلغت نسبته 6.8 في المائة في تلك الفترة واستمرت حالة ارتفاع السيولة في الفترة الرئاسية الأولى لأحمدي نجاد.
وأفاد المصرف المركزي الإيراني بأن السيولة سجلت زيادة بنسبة 22 في المائة في 2017 بالمقارنة مع 2016 وبلغت ألفا و600 ألف مليار تومان مما أدى إلى تداعيات سلبية على سوق العملة في إيران.
وأفادت الإحصائيات الصادرة من البنك المركزي بأن حركة التضخم الصعودية استمرت خلال سبتمبر (أيلول) الماضي بل وشهدت ارتفاعا بالمقارنة مع أغسطس (آب) وبلغت 13.5 في المائة. وترى السياسات الاقتصادية النيوليبرالية والسوقية منها أن نسبة «شبه النقود» من إجمالي السيولة خطيرة على الاقتصاد الإيراني.
المقصود بـ«شبه النقود» هو السيولة الموجودة في المصارف والمؤسسات المالية من خلال الودائع المصرفية قصيرة الأجل وبعيدة الأجل (القروض الحسنة وحساب توفير السكن والإيداعات من عام واحد إلى بضعة أعوام). وأفادت جريدة «شرق» الإيرانية أن حجم شبه النقود بلغ ضعفي المعايير العالمية.
وأضاف تقرير جريدة «شرق» الإيرانية بأنه وصل حجم النقود في كل ألف و500 ألف مليار تومان من السيولة في 2017 إلى 914 ألف مليار تومان، فيما بلغ حجم شبه النقود من السيولة إلى ألف و335 مليار تومان. وسجل حجم شبه النقود ارتفاعا ملحوظا بالمقارنة مع السنوات الماضية.
وتابع التقرير أن شبه النقود شكل نحو 88 في المائة من السيولة وبلغت نسبة النقود من شبه النقود 14 في المائة في 2017. هذا في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة شبه النقود من السيولة ما بين 40 و50 في المائة في المعايير الاقتصادية في النظام المصرفي العالمي.
وارتفع حجم شبه النقود من 74 في المائة إلى 86 في المائة خلال الأعوام 2011 و2015 في المؤسسات المالية والمصارف غير الحكومية ومعظمها تابعة للمؤسسات العسكرية وشبه العسكرية والمراكز غير الخاضعة للحكومة.
ونشرت جريدة «دنياي اقتصاد» إحصائية قالت فيها إن حجم السيولة في الاقتصاد الإيراني تضاعف بنحو ألف و503 مرات خلال الأعوام 1979 و2012.
ويعتبر استمرار ارتفاع السيولة وعجز الميزانية الحكومية وارتفاع الديون على الحكومة والمصارف إلى المصرف المركزي العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى ارتفاع التضخم في إيران.
وإذا لم تصاحب ارتفاع السيولة زيادة في الإنتاج ولم تتخذ البنوك سياسات نقدية ومالية لاحتوائها، فبالتأكيد سيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات ونسبة التضخم.
وأفادت وكالة الأنباء الطلابية (إيسنا) في تقرير لها بأن حجم السيولة ارتفع بنسبة 22 في المائة وهذا الرقم مرشح للارتفاع أكثر وأن حجم السيولة النقدية تشهد زيادة بنسبة 1000 مليار تومان يوميا.
ولم تنجح حكومة حسن روحاني التي كانت تعارض ارتفاع السيولة سابقا في أن تستخدم هذا الكم الهائل من السيولة في سبيل زيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل جديدة. وأفادت الإحصاءات الرسمية بأنه لم يتم توفير فرص عمل جديدة في قطاع الزراعة والصناعة بل وإن السيولة المكدسة لم تؤثر إيجابيا في ازدهار قطاع الإنتاج.
وأفادت الإحصائيات الصادرة عن البنك المركزي بأن نسبة الناتج المحلي الإجمالي بلغت ألفا و480 ألفا و740 مليار تومان في نهاية 2017. هذا في الوقت الذي تجاوز فيه حجم السيولة في 2016 نسبة الناتج المحلي الإجمالي وبلغ 1530 ألف مليار تومان بمعدل 103.3 في المائة.
ويمكن القول إن جزءا كبيرا من هذه المشكلة يعود إلى الفساد المصرفي في فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد والسياسات الكلية المدعومة من قبل مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي، مما أدى إلى زيادة حجم السيولة النقدية عن حدها في النظام المصرفي الإيراني ولم تصاحب زيادة السيولة نموا اقتصاديا.
وتوجد آراء كثيرة حول أسباب زيادة السيولة النقدية، فهناك من يرى أن اقتراض البنوك من البنك المركزي من دون وجود الدعم المالي اللازم وعجز الميزانية وحجم ديون الحكومة على المصارف وزيادة الديون المتأخرة وانخفاض نسبة الفوائد المصرفية أدى إلى زيادة السيولة. في المقابل، تعتقد مجموعة أخرى بأن المشاكل في قطاع الإنتاج وهروب رأس المال من قطاع الصناعة والإنتاج أدت إلى زيادة السيولة.
وبلغ حجم ديون الحكومة والشركات والمؤسسات الحكومية للبنك المركزي نحو 255 ألفا و700 مليار تومان في 2017. في الوقت الذي تصدر هروب أحد المتهمين بالفساد المالي والإداري في مؤسسة «ثامن الحجج» عناوين الصحف ووسائل الإعلام، وأعلنت السلطة القضائية عن إصدار حكم بالإعدام بحق 3 متهمين بـ«استغلال النظام الاقتصادي».
ويرى المراقبون أن هذه المواجهة الأمنية تهدف إلى نشر الرعب والخوف في المجتمع بهدف قمع الاحتجاجات الشعبية المناهضة للفساد الاقتصادي، وقد تؤدي إلى الاستقرار في سوق العملة الصعبة في الأمد القصير، ولكن هذه السياسات غير مجدية على المدى الطويل.
وتزايد حجم الاستياء الشعبي بسبب السياسات الحكومية الفاشلة بشأن السيولة في الفترة الأخيرة، حيث وجه 50 عالما وخبيرا اقتصاديا في 1 أكتوبر (تشرين الأول) رسالة إلى رؤساء السلطات الثلاث في الجمهورية الإسلامية، مطالبين بإغلاق السوق الثانوية للعملة الصعبة. وحذرت الرسالة من تداعيات عدم احتواء أسعار العملة الصعبة الذي يؤدي إلى تجاوز نسبة التضخم 60 في المائة ووجود نحو نصف السكان تحت خط الفقر المطلق. وطالبت الرسالة رؤساء السطات الثلاث من «منع وقوع كارثة وطنية».


اشترك في النقاش