أسطورة الغناء الفرنسي أزنفور... صديق العرب

لعب دوراً هاماً في استضافة كوكب الشرق أم كلثوم على مسرح «أوليمبيا» ووصفها بـ«المعجزة»
* أعلن قبل رحيله في تصريحات صحافية عن رغبته الكبيرة في الغناء مع المطربة اللبنانية الكبيرة فيروز.
* جمعت أزنفور صداقة بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، والتقاه عدة مرات لدى تكريمه في باريس في ثمانينات القرن الماضي حينما تم منحه الأسطوانة البلاتينية، وحرص على اقتناء تسجيلاته القديمة.
* التقى أزنفور العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، في باريس عدة مرات، لكن لم تسمح حالة عبد الحليم المرضية بأن تتوطد العلاقة حيث كان لقاؤهما قبل وفاة العندليب عام 1977.

القاهرة: «إنها النهاية.. النهاية.. النهاية» هي واحدة من أروع أغنيات أسطورة الغناء الفرنسي شارل أزنفور الذي رحل كرمز للرومانسية والفن الراقي والأغنية التي تصل للقلوب متحدية الحواجز الثقافية والجغرافية، توفي أزنفور عن عمر ناهز 94 عامًا في منزله في منطقة ألبي جنوب البلاد، وبكاه الملايين حول العالم.
أزنفور تخطى النجومية التقليدية، فقد باع أكثر من 180 مليون أسطوانة خلال مسيرته الفنية التي دامت أكثر من 80 عاما تغنى خلالها على مسارح العالم وظل يغرد بأروع الألحان حتى بعد أن تخطى التسعين من العمر. تمنى أزنفور الذهاب إلى آخر وأبعد حدود الأرض وهو بالفعل ما حققه.
ولد شاهنور فاريناج أزنفوريان عام 1924 في باريس لأسرة أرمنية تهتم بالفن والغناء، ما شجعه على الغناء قبل أن يبلغ عامه العاشر وكان الفن يسري في دمائه فبدأ بتأديه أدوار مسرحية غنائية، لكن مسيرته الفنية بدأت فعليًا عام 1946 حينما التقى الملحّن والمغني الشهير بيار روش وبعد أن منحته المغنية الأسطورة إيديث بياف دعمها، وجعلته يغني معها على خشبة المسرح، فاستطاع الطفل الصغير أن يلفت إليه الأنظار وإلى موهبته في التعبير عن المشاعر الجياشة رغم صغر سنه وضآلة خبرته الحياتية.
مذ ذاك الوقت، لم يتوقف أزنفور عن الغناء وتنقل كطائر مغرد بين مدن العالم، فقد غنّى أزنفور خلال مسيرته الفنية نحو 1200 أغنية باللغات الفرنسية والإنجليزية والروسية والأرمنية والإيطالية والإسبانية والألمانية، وكتب عددًا كبيرًا منها ما جعله في عداد أكثر المطربين الفرنسيين شهرة في العالم، بل ويعتبره مؤرخون فنيون «آخر أعمدة الأغنية الفرنسية».
وحظي أزنفور بشهرة عالمية لا مثيل لها. وهو الذي حصل على عدّة جوائز عالمية وقد اعتبرته قناة «سي إن إن» الأميركية ومجلة «تايم»: «الفنان الذي غنّى أكبر عدد من الأغنيات المنوعة في القرن العشرين». وتحولت أغنياته الخالدة مثل «لابوهيميا» و«شي» و«لم أقل أبداً وداعا» وغيرها، إلى ألحان كلاسيكية تعزفها الفرق الأوركسترالية العالمية ولا تزال اسطواناته تحقق مبيعات مرتفعة حتى الآن، ولا سيما في الدول الفرنكفونية.
وكباقي الشعب الأرمني، لم يتخل أزنفور خلال مسيرته الفنية وشهرته العالمية عن جذوره الأرمنية، بل كان حريصا على الدفاع عن القضية الأرمنية في كافة المحافل الدولية منذ عام 1995 قبل أن يحصل على الجنسية الأرمنية رسميًا عام 2008. واشتهر أزنفور بأعماله الخيرية وأسس مؤسسة خيرية بعد الزلزال الذي ضرب أرمينيا عام 1988 مع صديقه ليفون سايان. وفي عام 2009 عُين أزنفور سفيرا لأرمينيا في سويسرا وأصبح أيضا مبعوث أرمينيا إلى الأمم المتحدة في جنيف. كما زار مصر في سبعينات القرن الماضي وحرص على لقاء الجالية الأرمنية فيها.
واصل أزنفور الغناء حتى عقده العاشر في قاعات احتشدت بجمهوره ونفدت تذاكرها. واستمر في كتابة أغان بعضها عن حياته، ومن بينها أغنية للاحتفال بمرور 50 عاما على زواجه.
نعاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقال إن «أعماله الرائعة ونبرة صوته وإشعاعه الفريد، ستستمر طويلا بعد وفاته». وأعلنت الرئاسة الفرنسية تكريمه رسمياً يوم الجمعة 5 أكتوبر (تشرين الأول)، وكذلك أعلنت أرمينيا، حيث سيتم تكريمه أثناء انعقاد قمة الفرنكفونية في منتصف شهر أكتوبر الجاري.
كان لنشأته الفنية على خشبة المسرح دور في أن يحقق حضورا طاغيا أثناء الغناء، مما دفع عددا كبيرا من مخرجي السينما العالمية للاستعانة به في لعب بطولة عدد من الأفلام السينمائية، منها فيلم «أطلق الرصاص على عازف البيانو» لفرنسوا تروفو (عام 1960). كما لعب أزنفور دورا في فيلم «الطبل الصفيح» للمخرج الألماني فولكر شلوندروف، الذي لعب فيه دور بائع ألعاب يهودي طيب.
 
أزنفور والعالم العربي
غنى أزنفور أمام كثير من الرؤساء وأعضاء الأسر المالكة والباباوات في الكثير من الاحتفالات الإنسانية. ونعاه أشهر المطربين العرب. فقد نشرت المطربة لطيفة صورة مع أزنفور علقت عليها بالقول: «سوف تبقى دومًا أستاذي»، و«ستبقى خالدا في قلوب محبيك».
أما المطرب اللبناني الكبير راغب علامة فقد كتب على صفحته في «تويتر»: «رحل العملاق الأسطورة أزنفور بعد أن أسعد العالم بأغانيه وموسيقاه. تقابلنا في فرنسا... في قمة التواضع والأخلاق... هنأني على نجاح حفلتي في موناكو وكانت روحه روح ابن عشرين. زرع الحب والسعادة في مشواره الطويل. رحيلك خسارة عالمية... تعازي الحارة».
استطاع أزنفور أن يخلق جماهيرية كبيرة في العالم العربي بمساندته لموهوبين من مطربي الراي والأغنية الفرنسية. وفي عام 1967 لعب أزنفور دورا هاما في استضافة كوكب الشرق أم كلثوم على مسرح «أوليمبيا» الشهير في باريس بعد نكسة يونيو (حزيران)، بعدما سمعها وأعجب بها ووصفها بـ«المعجزة»، وظل على تواصل معها حتى وفاتها عام 1975.
جمعت أزنفور صداقة بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، والتقاه عدة مرات لدى تكريمه في باريس في ثمانينات القرن الماضي حينما تم منحه الأسطوانة البلاتينية، وحرص على اقتناء تسجيلاته القديمة، حيث كان من هواة دراسة تطور موسيقى الشعوب وتجارب دمج الثقافات، وهو ما حققته أغاني أزنفور على مدار أكثر من 7 عقود من الزمان.
التقى أزنفور أيضا العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، في باريس عدة مرات، لكن لم تسمح حالة عبد الحليم المرضية بأن تتوطد العلاقة، حيث كان لقاؤهما قبل وفاة العندليب عام 1977. وكان مؤخرا قد أعلن في تصريحات صحافية عن رغبته الكبيرة في الغناء مع المطربة اللبنانية الكبيرة فيروز.
زار أزنفور مصر أكثر من مرة. وفي عام 1979 أحيا أزنفور حفلا في مصر، وغاب لمدة 29 عاما، ليعود في يناير (كانون الثاني) 2008 ليحيي حفلين بالقاهرة والإسكندرية برعاية وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، وخصص ريعهما بالكامل للجمعيات الخيرية.
وخلال زيارته لمصر عام 2008 زار أزنفور كاتدرائية الأرمن الأرثوذكس، وفاء لأصوله وثقافته الأرمينية، كما زار مكتبة الإسكندرية. وقبل وفاته بأيام قليلة كان عائدا من جولة في اليابان وأصيب بكسر في ذراعه أدى لتأجيل جولته خريف هذا العام إلى أوروبا.
استطاع أزنفور العبور بصوته وطبقاته ضفاف المتوسط والمحيط الأطلنطي والهادئ وأن يكون خير سفير للأغنية الفرنسية، التي مزج من خلالها ألحان الشرق والغرب ويطعمها بكلمات تهز القلوب وتغزوها، فما كتب بصدق ومن القلب يبقى خالدا؛ لذا يعتبر أزنفور ظاهرة لن تتكرر في عالم الغناء.


اشترك في النقاش