عدوى الأزمة... فقاعة الأسواق الناشئة على وشك الانفجار

هبوط حاد للعملات وارتفاع جنوني لأسعار الفائدة
* مصر ولبنان وتونس الأكثر تأثراً لانتقال عدوى خروج الأجانب من أدوات الدين.
* 3.7 تريليون دولار حجم ديون الأسواق الناشئة المقومة بالدولار.
* تراجع عملات تركيا والأرجنتين وجنوب أفريقيا... و60 في المائة سعر الفائدة في الأرجنتين.
* توقعات بتراجع استثمارات الأجانب في الأوراق المالية المصرية إلى 6.2 مليار دولار.
* المستثمرون سحبوا 14 مليار دولار من الأسواق الناشئة في الفترة بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران).
* تحول الأسواق الناشئة لإصدار السندات المحلية طويلة الأجل يجعلها أكثر مقاومة للصدمات.

القاهرة: يواجه عدد من دول الأسواق الناشئة أزمات مالية، وسط تعثر لعملاتها المحلية مقابل الدولار الأميركي، مما دفع بعضها لرفع الفائدة بنسب مرتفعة للغاية في محاولة لاستبقاء المستثمرين الأجانب. في الوقت الذي يخشى المستثمرون فيه من أن تعاني الاقتصادات الناشئة الأخرى في النهاية من نفس المشاكل التي تعاني منها تركيا، وفي الأرجنتين، هرب كثير من المستثمرين الأجانب وسط ارتفاع التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية وارتفاع الدولار.
وكانت هناك عمليات بيع في العملات من جنوب أفريقيا إلى إندونيسيا. وقال جيسون تواي، وهو اقتصادي بارز في الأسواق الناشئة في شركة كابيتال إيكونوميكس: «أعتقد أن هناك بالتأكيد عدوى».
وتبدو الأسواق الناشئة شديدة الهشاشة في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل تصاعد الصراع التجاري العالمي المضر بشكل كبير بالأسواق الناشئة، وسحب الصناديق العالمية مليارات الدولارات من أسواق الديون في البلدان الناشئة مند أوائل مايو (أيار) الماضي، وانخفاض مؤشرات الأسهم بشكل حاد.
 
مخاوف مصرية
ومن جانبها، أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن مخاوف امتداد تبعات الأزمة الاقتصادية التركية وتأثيرها على الأسواق الناشئة بدأت تتكاثف في مصر، خاصة مع ما شهدته البورصة المصرية خلال الأسبوع الماضي من تحقيق أسوأ نتائجها في نحو عام كامل.
لكن وزير المالية المصري، الدكتور محمد معيط، قال إن مصر تتعامل بشكل جيد حتى الآن مع تداعيات اضطراب الأسواق الناشئة. وأضاف أن ما يحدث في الأسواق الناشئة كان له تأثير على أسعار الفائدة، موضحا أن الاقتصاد المصري لم يتأثر حتى الآن، لكنه قال إن هناك حالة من عدم اليقين تسيطر على المستثمرين الأجانب، وأنه حال استمرار تلك الاضطرابات قد يواجه الاقتصاد مشكلات مستقبلية.
وكانت الأسهم المصرية هوت بشكل كبير، لتتفاقم خسائرها التي بلغت في أسبوع نحو 74 مليار جنيه (4.12 مليار دولار) من قيمتها السوقية، وسط مخاوف دفعت صغار المستثمرين لبيع أسهمهم مواكبين اتجاه المؤسسات المصرية، وفي مقابل مشتريات من المستثمرين الأجانب. وبرر خبراء اقتصاد الهبوط الكبير بشح السيولة واضطرابات الأسواق الناشئة. وتأتي التراجعات الحادة للأسهم قبل أسابيع قليلة من بدء الحكومة في تنفيذ برنامج لطرح حصص من شركات حكومية في البورصة.
وعزت رانيا يعقوب، رئيس مجلس إدارة ثري واي لتداول الأوراق المالية، الهبوط الحاد إلى «الشح الشديد في السيولة بالسوق، وتخوف المستثمرين من أزمة الأسواق الناشئة».
وتتعرض أسواق المال المصرية لضغوط بوجه عام، حيث ألغت مصر ثالث عطاء لها لبيع سندات وسط عائدات مرتفعة تطلبها البنوك والمستثمرون على أدوات الدين التي تشهد تخارجا من الأجانب خلال الفترة الأخيرة، مما نزل بصافي استثماراتهم فيها إلى 17.1 مليار دولار بنهاية يوليو (تموز) من نحو 23 مليار دولار في مارس (آذار) الماضي.
 




مجموعة كبيرة من التماثيل الفرعونية تتكدس على طاولات ورفوف تنتظر الزوار للوصول وللمقايضة بالأسعار والصفقات. (غيتي)


 
أسعار الفائدة والسياسة النقدية
وأبقى البنك المركزي الأوروبي على سياسته النقدية دون تغيير، ليظل على مساره لإنهاء مشتريات السندات في العام الحالي، ورفع سعر الفائدة في الخريف المقبل، رغم إجراءات الحماية التجارية في أنحاء العالم التي تضغط على عمليات ومعدلات النمو.
وبدأ المركزي الأوروبي، مع ارتفاع التضخم واستقرار النمو عند وتيرة قوية نسبيًا، في تخفيف الحوافز منذ أشهر اعتقادًا منه أن مجموعة مخاطر تشمل الحماية التجارية واضطرابات الأسواق الناشئة والانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي لن تكون كافية لعرقلة موجة نمو دخلت الآن عامها السادس.
وأشار المركزي الأوروبي إلى أنه سيخفض مشترياته الشهرية من السندات بمقدار النصف إلى 15 مليار يورو اعتبارًا من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وأبقى على موقفه من توقع إنهاء مشتريات السندات بحلول نهاية العام، بينما سيظل سعر الفائدة دون تغيير حتى الصيف المقبل على الأقل. وأبقى على سعر فائدة الإيداع، وهو سعر الفائدة الرئيسي حاليا، عند – 0.40 في المائة بينما أبقى على سعر إعادة التمويل الأساسي، الذي يحدد تكلفة الائتمان في الاقتصاد، عند الصفر.
كما أبقى بنك إنجلترا المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير أيضًا، مُلقيًا الضوء على تزايد قلق الأسواق المالية من انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد شهر من قيامه بزيادة أسعار الفائدة للمرة الثانية فقط في أكثر من 10 سنوات. ليظل سعر الفائدة عند 0.75 في المائة.
فيما زاد البنك المركزي الروسي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أواخر عام 2014، وتعهد بعدم شراء عملة أجنبية في السوق حتى نهاية العام الجاري، مع اعترافه بمخاطر تراجع الروبل والعقوبات الأميركية. وزاد سعر الفائدة الرئيسي إلى 7.50 في المائة من 7.25 في المائة، ليعيدها مجددًا إلى مستواها المسجل في مارس، ومشيرًا إلى استبعاد خفض الفائدة في أفق زمني قدره عام.
وفي تركيا، رفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي 625 نقطة أساس، وزاد البنك سعر إعادة الشراء «ريبو» لأجل أسبوع إلى 24 في المائة مما يعني أنه رفع أسعار الفائدة بمقدار 11.25 نقطة مئوية منذ أواخر أبريل (نيسان) في مسعى لوقف انخفاض الليرة المتداعية.
وخسرت الليرة 40 في المائة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام الجاري، متضررة من مخاوف تأثير إردوغان، على السياسة النقدية، والنزاع الدبلوماسي بين تركيا والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة.
واحتلت الأرجنتين المركز الأول عالميا من حيث معدلات الفائدة، والتي وصلت إلى 60 في المائة، تلتها دولة سورينام بنسبة 25 في المائة، فيما حلت تركيا في المركز الثالث بنسبة 24 في المائة، بينما تصدرت غانا قائمة الدول الأفريقية بنسبة 17 في المائة، فيما جاءت مصر في المركز الأول عربيًا في معدل سعر الفائدة بنسبة 16.75 في المائة.
 
العملات تتراجع
واستمر تراجع البيزو الأرجنتيني والليرة التركية والروبية الإندونيسية والروبية الهندية، مما يثير المخاوف من انتشار عدوى الأسواق الناشئة، حيث فقدت الليرة نحو 40 في المائة من قيمتها أمام الدولار خلال العام الحالي، بينما شهدت الروبية الهندية أسوأ أداء بين العملات الآسيوية منخفضة بنسبة 12 في المائة.
وشهدت بعض العملات الآسيوية استقرارًا نسبيًا، تزامنًا مع الاضطراب الشديد والانخفاض الحاد لعملات الأسواق الناشئة. واستقر البات التايلاندي أمام الدولار عند مستوى 32.79. ورغم أن الرينجت الماليزي لم يشهد استقرارًا بنفس الدرجة، لكنه لم يتراجع كبقية عملات الأسواق الناشئة، كما استقر أداء وون كوريا الجنوبية ودولار سنغافورة، وفقًا لمحللين.
 
الدور الأميركي
أدت سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الضغط على المعروض العالمي من الدولار، وشجعت رؤوس الأموال الأجنبية على الهجرة من الأسواق الناشئة إلى الولايات المتحدة، ما شكل ضغطًا هبوطيًا على عملات هذه البلدان، وخلق مخاوف من انتقال عدوى الاضطراب الاقتصادي إلى دول أخرى. وتشير التوقعات إلى مواصلة الاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة على العملة الأميركية، بعدما أبقى عليها دون تغيير خلال اجتماع أغسطس (آب) الماضي.
ويؤدي رفع الفائدة إلى زيادة الضغوط على عملات البلدان الناشئة التي هبط بعضها بالفعل إلى مستويات قياسية، ما اضطر البنوك المركزية في هذه الأسواق إلى رفع معدلات الفائدة إلى نسب غير مسبوقة.
 
الاحتفاظ بالسيولة
وأظهر المسح الشهري لبنك أوف أميركا ميريل لينش أن المستثمرين قلصوا انكشافهم على الأسهم الشهر الجاري في ظل تنامي القلق من احتمال تباطؤ النمو الاقتصادي، لكن تفضيلهم القائم منذ فترة طويلة لأسهم شركات التكنولوجيا العملاقة استمر.
وأظهر مسح شهر سبتمبر (أيلول) تراجعا كبيرا لتوقعات المستثمرين إزاء النمو الاقتصادي، مما دفعهم لزيادة الحيازات النقدية. وتوقع 24 في المائة ممن شملهم المسح تباطؤ النمو العالمي في العام المقبل، ارتفاعا من سبعة في المائة في أغسطس، وهي أسوأ توقعات منذ ديسمبر (كانون الأول) 2001.
ولا تزال الحرب التجارية أكبر تهديد يشير له المستثمرون. وكان شهر سبتمبر الشهر الرابع على التوالي الذي تحتل فيه المخاوف المرتبطة بها الصدارة، وإن كانت هيمنتها انحسرت، كما زادت المخاوف من حدوث تباطؤ في الصين وكذلك المخاوف بشأن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية.
 




لافتة تعرض أسعار صرف الدولار الأميركي خارج مكتب صرف العملات في بوينس آيرس، الأرجنتين، يوم الخميس 30 أغسطس 2018. (غيتي)


مصر ولبنان وتونس
توقع تقرير لمعهد التمويل الدولي، أن تكون مصر ضمن 3 دول مستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط، معرضة لخطر بسبب خروج الأجانب من أدوات الدين في الأسواق الناشئة.
وقال التقرير إن مصر وتونس ولبنان هي الأضعف بشكل خاص والأكثر عرضة لانتقال عدوى أزمة خروج الأجانب من أدوات الدين في الأسواق الناشئة.
ومنذ عدة شهور بدأت أزمة خروج الاستثمارات الأجنبية في الأسواق الناشئة، نظرًا للسياسة النقدية التشددية التي تتبعها بعض الدول ورفع سعر الفائدة، وهو ما يدفع المستثمرين للاتجاه للاستثمار في الدولار الذي أصبح يرتفع أمام بقية العملات.
كما تأثرت هذه الأسواق بالأزمات الاقتصادية في بعض الدول الناشئة مثل تركيا والأرجنتين وجنوب أفريقيا.
وتوقع المعهد أن تخرج نصف استثمارات الأجانب في محافظ الأوراق المالية في مصر بنهاية العام المالي الجاري إلى 9.5 مليار دولار مقابل 18.4 مليار دولار نهاية العام المالي الماضي.
ووفقًا لتوقعات المعهد فإن استثمارات الأجانب في الأوراق المالية المصرية التي تضم أدوات الدين الحكومي، ستواصل التراجع إلى 6.2 مليار دولار في نهاية العام المالي المقبل.
 
تركيا والأرجنتين وجنوب أفريقيا
يشير موقع «بلومبرغ أوبنيون» إلى أن ما تتعرض له عملات الأسواق الناشئة تزامن مع بيانات كشفت ارتفاع متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة لأعلى مستوى في 9 سنوات، إلى جانب القراءة القوية لمؤشر مديري المشتريات في الولايات المتحدة عند أعلى مستوى منذ 2004. ما دفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين إلى الوصول إلى مستويات غير مسبوقة منذ 2007. مما يضع الفيدرالي الأميركي في وضع لا يسمح له بالتراجع عن خطته لزيادة معدل الفائدة في أي وقت قريب أو إيقاف عملية بيع حيازته من السندات خلال فترة التيسير الكمي.
وبالتالي يجب على النظام المالي العالمي أن يعتاد على تراجع حجم السيولة الدولارية في الأسواق خلال الفترة المقبلة. وتعد اقتصاديات الأسواق الناشئة التي لديها عجز كبير في الحساب الجاري وتعتمد بشكل واسع على تمويلات بالدولار الأميركي هي الأكثر عرضة للمخاطر. ومع ارتفاع أسعار النفط فإن الدول التي تعتمد على واردات الهيدروكربونات والتي يتم استيرادها بالدولار الأميركي أكثر عرضة لتلك الأزمة. وتعتبر تركيا والأرجنتين وجنوب أفريقيا من كل الأسواق الناشئة التي تعرضت عملاتها إلى تراجع حاد مؤخرًا، هي الأكثر عرضة لنوبة تراجع جديدة نتيجة الدولار القوي.
 
مؤشر الأسواق
انخفض مؤشر MSCI للأسواق الناشئة بنحو 9 في المائة منذ بداية العام حتى الآن. وتخارج المستثمرون من الأسواق الناشئة على خلفية ارتفاع أسعار الفائدة عالميا وقوة الدولار، فيما أصبحت ديون الأسواق الناشئة المتراكمة والمقومة بالدولار أكثر إيلاما. كما أنه لا يزال فوق أدنى مستوى وصل إليه في بداية 2016 بنحو 12 في المائة.
وأسهم ارتفاع الدولار منذ أبريل الماضي في تفاقم المشاكل في كثير من الاقتصادات الناشئة، مع حجم الديون المقومة بالدولار التي تضاعفت إلى أكثر من الضعف عند 3.7 تريليون دولار خلال الـ10 سنوات الماضية، وفقًا لبنك التسويات الدولية.
واستفاد المقترضون في الدول الناشئة بشكل كبير من البيئة العالمية لسيولة وفيرة وانخفاض أسعار الفائدة الأميركية في السنوات التي تلت الأزمة المالية العالمية في 2008 لتسجل بعض البلدان لا سيما تركيا والأرجنتين وشيلي وجنوب أفريقيا وإندونيسيا أكثر نسب الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي والمقومة بالدولار الأميركي ارتفاعا في نهاية الربع الأول من 2018. وهذا يبرر ضعفها الكبير أمام تشديد السياسة النقدية الأميركية واستمرار انخفاض عملاتهم المحلية.
وارتفعت ديون القطاعات العامة والخاصة في الاقتصادات الناشئة على مدى السنوات العشر الماضية، وتواجه البلدان الآسيوية، ولا سيما الصين مشكلة في الديون المقومة بالعملة المحلية، فيما سجلت إندونيسيا فقط ارتفاعا في ديونها المقومة بالدولار كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. وفي دول أميركا اللاتينية وتركيا وجنوب أفريقيا، ارتفعت ديون الشركات المقومة بالدولار بشكل كبير.
وقالت كرستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، إنها لا ترى من وجهة نظرها «انتشارا لعدوى» الأزمات الاقتصادية والمالية في كثير من بلدان الأسواق الناشئة، لكنها حذرت من أن «هذه الأمور» يمكن أن تتغير بسرعة، واستشهدت «بعدم اليقين وعدم الثقة التي أنتجتها التهديدات في الحرب التجارية، حتى قبل أن تتجسد لحقيقة» باعتبارها واحدة من المخاطر الرئيسية التي تواجه العالم النامي.
وتزايدت حدة التحديات مع كل هذه التصعيدات التي تكافح فيها الأسواق الناشئة لاستعادة ثقة السوق بعد موجات بيع حادة بسبب ارتفاع العملة الأميركية.
وحتى الآن، تتركز أزمة العالم النامي في الأرجنتين وتركيا، وكلتاهما لها قضايا مالية أو سياسية محددة تثير مخاوف المستثمرين، في حين هناك بلدان مختلفة مثل جنوب أفريقيا وإندونيسيا والبرازيل شهدت في الأسابيع الأخيرة نزوح رؤوس الأموال مما يزيد من خطر حدوث أزمة أوسع.
وأشارت مديرة الصندوق إلى أن زيادة الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين سيكون لها «تأثير قابل للقياس على النمو في الصين»، وسيؤدي إلى «إثارة نقاط الضعف» بين جيرانها الآسيويين بسبب سلاسل التوريد المتكاملة الخاصة بهم.
فيما أكدت على أن التأثير السلبي في الولايات المتحدة سيشعر به في الغالب «الأشخاص ذوو الدخل المنخفض من السكان الاستهلاكيين» الذين سيتعرضون لارتفاع الأسعار على مجموعة كبيرة من السلع والخدمات… «ومن شأن ذلك كله أن يضيف صدمة لا توجد فيها عدوى ولكن هناك نقاط ضعف مجزأة.
 




موظف يعمل في بورصة نيويورك (NYSE)، الولايات المتحدة، يوم الاثنين، 20 أغسطس، 2018. (غيتي)


 
إنذار بمخاطر
ويبدو أن الأسواق قد استوعبت حالة «الدول الخمس الهشة»، وهي الدول التي عانت اقتصاديا عندما بدأ المجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بتقليص برنامج شراء سندات الخزانة الأميركية في عام 2013. وعانت المجموعة التي تتكون من البرازيل والهند وإندونيسيا وتركيا وجنوب أفريقيا من تراجع قيمة عملتها المحلية وارتفاع العجز في الحساب الجاري وعدم الاستقرار السياسي في الداخل.
وأبقى تراجع أسعار السلع والمخاوف من تباطؤ الاقتصاد الصيني الضغوط على هذه الدول. ومع ذلك، شهدت هذه الدول بوادر انتعاش، ففي الهند وإندونيسيا على سبيل المثال، أدى التغيير في الحكومة إلى إصلاحات سياسية واقتصادية، في حين بدأ المستثمرون باقتحام هذه الأسواق، وازدادت التدفقات نحو الصناديق التي لديها تعرّض على هذه الدول.
لكن الأسواق الآن تشعر بأن هذا المشهد يتكرر، حيث تلقي باللوم على الدولار القوي وتصاعد التوترات بعد وصول الرئيس دونالد ترمب إلى السلطة، والقلق من اندلاع حرب تجارية شاملة مع الصين أو ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، إذ يبدو أن الأزمة هذه المرة قد دخلت مرحلة جديدة.
لقد أصبح الضرر منتشرًا على نطاق واسع، حيث تعصف الأزمة بالبلدان في جميع أنحاء العالم، من الاقتصادات في أميركا الجنوبية إلى تركيا وجنوب أفريقا وبعض أكبر الاقتصادات في آسيا مثل الصين والهند، بالإضافة إلى أن عددًا من هذه البلدان يعاني تراجعًا في قيمة عملاتها المحلية إلى مستويات قياسية، مع ارتفاع التضخم والبطالة، وفي بعض الحالات تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة.
وتتمثل المعضلة المستمرة للمستثمرين إما بالحفاظ على انكشافاتهم على الأسواق الناشئة أو التخلص منها. وعلى الرغم من أن الاستثمارات عالية المخاطر قد ينتج عنها تحقيق عوائد أعلى، إلا أن أساسيات السوق في السيناريو الحالي تشير إلى أزمة مقبلة. وفي الوقت ذاته، قد يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الكبرى إلى عودة المستثمرين المتعطشين للمخاطرة إلى الأسواق الناشئة. فيبدو أن فقاعة الأسواق الناشئة على وشك الانفجار.
 
هروب الاستثمار
سحب المستثمرون 14 مليار دولار من الأسواق الناشئة في الفترة بين مايو ويونيو ما دفع بعض البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدةـ بحسب كريستيان لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي.
وسط توقعات بزيادة هروب رؤوس الأموال سوءاً مع استمرار الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي في رفع أسعار الفائدة ما يجعل الاستثمار في الولايات المتحدة أكثر جاذبية.
تبدو الأسواق الناشئة شديدة الهشاشة في المرحلة الراهنة، حيث تنزلق دولة تلو الأخرى في أزمة مالية قاسية. ورغم أنّ البلدان النامية عادة ما تكون متقلّبة، لكنّ الوضع الآن قد يكون بداية لشيء أكثر جدية. علما بأنه قد سجّل أخيرًا الكثير من الإشارات السلبية جدًا مثل: ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، وهو أمر سيّئ بالنسبة للعالم النامي. إضافة إلى تصاعد الصراع التجاري العالمي المضر بشكل كبير بالأسواق الناشئة، وكذلك خطورة هيمنة أسهم التكنولوجيا على كثير من مؤشرات الأسهم في هذه الأسواق. وتدهور الاقتصاد الأرجنتيني، الدي شهد تطورات قاسية، ليس أخطرها رفع الفائدة وانخفاض قيمة العملة المحلية. وانخفاض الليرة التركية والريال الإيراني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار. وتذبذب الروبل الروسي، وتدهور الأوضاع في فنزويلا. وسحب الصناديق العالمية مليارات الدولارات من أسواق الديون في البلدان الناشئة مند أوائل مايو الماضي، وانخفاض مؤشرات الأسهم بشكل حاد.
وتعرّضت أسهم الأسواق الناشئة وعملاتها لضغوط جراء مخاوف متعلقة بالتضخم في تركيا وبعد أن أظهرت بيانات أنّ جنوب أفريقيا دخلت في كساد خلال الربع الثاني. وعلما بأن أزمة الأسواق الناشئة كلاسيكية وتشبه كثيرًا تأثير الدومينو، ما إن يسقط بلد حتى تتداعى باقي البلدان، وهذا ما حدث عام 1997. عندما اندلعت الأزمة المالية الآسيوية في تايلاند ثم امتدت إلى دول المنطقة، لذا قد يتجدّد السيناريو نفسه.
 
السندات طويلة الأجل
قال بنك التسويات الدولية إن تحول الأسواق الناشئة إلى إصدار السندات المحلية الطويلة الأجل على نطاق واسع يجعلها أكثر مقاومة للصدمات الخارجية رغم زيادة مستويات الدين العام.
وسبق أن حذر البنك، وهو مظلة لبنوك مركزية عالمية، من أن العالم النامي يواجه أزمة جديدة نظرًا لارتفاع مستويات الدين وبصفة خاصة في الصين. لكن تقريره الأخير أظهر أن التغييرات في تركيبة الدين خففت من حدة الأزمة.
وقال البنك في تقريره الفصلي الذي نشر اليوم الأحد إن الدين الحكومي في الأسواق الناشئة بلغ 11.1 تريليون دولار، حيث ارتفع إلى المثلين منذ نهاية 2007. وزاد الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 51 في المائة، مرتفعا عشر نقاط مئوية عن مستوياته في نهاية 2007.
وأظهرت بيانات البنك أن 14 في المائة فقط من الديون القائمة لأكبر 23 دولة نامية بالعملة الأجنبية، انخفاضا من 32 في المائة في نهاية 2001.
لا يزال الاقتراض الخارجي يشكل نحو ثلث إجمالي الاقتراض في بعض الدول مثل تركيا وبولندا، فقد شهدت مثل تلك الإصدارات انخفاضا على نطاق واسع.
وقال البنك: «انخفاض الدين بالعملة الأجنبية في أوائل الألفية الثالثة ربما ساهم في تحصين الاقتصادات الناشئة من اختلال السوق العالمية في الأزمة التي وقعت بين 2007 و2009 وما تلاها». وأشار البنك أيضا إلى أن فترة استحقاق السندات زادت بشكل مطرد في الأسواق الناشئة، لتبلغ 7.7 عام في المتوسط في عينة من 23 دولة أُجري عليها البحث.
وأشار إلى المكسيك وجنوب أفريقيا كمثال للدول التي مددت متوسط فترة الاستحقاق إلى ثماني سنوات و16 سنة على الترتيب، وهو أعلى بشكل كبير من كثير من الدول المتقدمة.


اشترك في النقاش