الكسب المذهبي... سُعار الطَّائفية الهادر

علمنا أن الديانات يُبشر بها، وليس كافتها، فهناك مَن تقاليده ثابتة في الانتساب، متعلقة بالعِرق أو الأُمِّ، والأخيرة مهما بلغ بها القِدم لا تتسع لغيرها، ودوامها يعتمد على التناسل مِن أرحام نسائها وظهور رجالها، ففروعها مِن شجرتها. أما ما يُبشر به فله الاتساع والانحسار حسب القبول أو الرَّفض، وفي كلِّ الأحوال هي الأكثر، مثلما هو الحال في المسيحية والإسلام، ومع ذلك كثيراً ما يحصل الصِّدام، هنا وهناك، بسبب التَّبشير أو التحول الدِّيني، وعلى وجه الخصوص في المجتمعات المختلطة دينياً، مع التشدد بالزَّواج المختلط، وكثيراً ما يحدث للضرورة واضطراراً، كقصة حب عاصفة على سبيل المثال لا الحصر.
أما الأخطر، في هذه الأيام العصيبة المثخنة بالطَّائفية، فهو الكسب المذهبي أو لنقل التبشير بين أتباع مذاهب المسلمين أنفسهم، ويقوم بالمهمة رجال دين، يسمون بالمبلغين والمبلغات أو الوعاظ والواعظات وحتى أحياناً تطلق عليهم تسمية المبشرين. صحيح أن مهمة هؤلاء الظاهرة هي نشر روح التَّدين بين أتباع المذهب نفسه، لكنَّ لهؤلاء مهمة أخرى وهي التَّأثير في المذهب الآخر، وتعيدنا هذه الممارسة إلى حملات التَّبشير الأوروبية التي حصلت في القرون الخوالي بين المذاهب المسيحية، وقد أدت إلى صدامات حادة بين أتباع الكنائس، عندما أخذت كلُّ دولة أوروبية، في عهد الاستعمار، التَّبشير بمذهبها في صفوف المذهب الآخر. فقد بشر الكاثوليك وسط الأرثوذوكس والبروتستانت، على أساس أن الكاثوليك هو المذهب الأصل، وبقية المذاهب كانت خروجاً عليه، بينما لا يرى مَن احتفظ بمذهبه السابق ذلك.
على اعتقاد أن أصل المسيحية هو المذهب الكاثوليكي، أي مذهب بابا الفاتيكان، وهو أكبر المذاهب عدداً، فعندما صارت المسيحية ديانة رسمية في القرن الرابع الميلادي، بعد أن كانت ممنوعة التَّداول، انشقت عنها الجماعات، وتوسعت الكنيسة الشَّرقية النَّسطورية بالعراق والشَّرق، حيث وصول التَّبشير بهذا المذهب، لذا اعتبرت العودة إلى الكاثوليكية عودة إلى الأصل، ولم أقل ذلك من خلدي إنما هذا ما سمعته من مطران البصرة السابق، بعد أن اعتبرتُ أمامه الكنيسة الشَّرقية هي الأصل، وكنت أعني العراق تحديداً لا بلداً آخر، فرد علي بما تقدم، وحتى هذه السَّاعة لا يعرف السيد المسيحي هل كان كاثوليكياً أم أرثوذوكسياً، وبالتأكيد لم يكن لا هذا ولا ذاك، وكذلك بالنسبة لأصل أي دين، فالتفرع المذهبي، بسبب الاجتهادات والآراء يظهر في ما بعد، ومِن الصعب الاعتقاد أن هناك مذهباً أولاً إنما هناك ديانة ومِن بعدها صارت المذاهب، وهذا أمر لم يكن بالغريب لأي دين.
نلاحظ خلال الثَّلاثة عقود الأخيرة تهافتاً على الكسب المذهبي بين مذاهب المسلمين، يجري ذلك النّزاع أو التنافس على المجتمعات غير المسلمة، حيث إنتشار المبلغين والمبلغات أو الدعاة والداعيات، كأفريقيا مثلاً، وربَّما نُسيت الدَّعوة إلى الإسلام وتقدمت عليها الدَّعوة إلى المذهب، وبالتأكيد لا يحدث هذا بلا تقديم المحاسن والمساوئ بين المتنافسين. ينتج عن هذا الكسب سعار طائفي، وفي هذه الممارسة لا يختلف عن الكسب الحزبي السِّياسي، الذي يقود إلى أتون الطَّائفية، وقد حدث في أكثر مِن مكان، ولم تسلم منه أوروبا ولا أميركا.
إن أهم ما يميز هذا الكسب الطائفي هو طابعه الحزبي السِّياسي، حتى صار المكتسبينَ على أساس مذهبي وقوداً للحروب، وأدوات بيد الجماعات الدَّينية المسلحة، فأول ما يسمعه المُكتسب مذهبياً هو بغض المذهب الآخر، وقد جاء المئات مِن بلدانهم إلى المنطقة كي ينصروا مذاهبهم، وما صح في أدمغتهم مِن مقالات. فلو تابعنا الكثير من المكتسبين أو المتحولين طائفياً لوجدنا مهمتهم الأولى هي نسف المذهب القديم، وكيل المديح للمذهب الجديد، بما يحتمل شيئاً مِن الانتهازية.
إن الإخلاص لفكرة أو عقيدة دينية لا يجب أن يتحقق على حساب السلم الاجتماعي، ونحن نعلم أن الطَّائفية هي واحدة مِن أهم أسباب الحروب الأهلية الدينية، بعد أن تتسرب إلى القرى والمدن وتسفر عن مقاتل رهيبة، وهذا يُخالف الدعوات الدَّينية مِن الأساس، التي يؤكد الفقهاء على أنها سلم وهداية، هذا ما نسمعه من أفواه الواعظين ومنهم المبلغون المعنيون بالكسب المذهبي.
ما نلاحظه أن الدين والمذهب مستغلان من قِبل هؤلاء أبشع استغلال، وأن مقولة «الفرقة النَّاجية»، التي ظلت إلى زمن في صفحات كُتب الملل والنِّحل، قد خرجت لتسفر عن نزاع من نوع آخر، عابر للأوطان والقوميات، لذا نحذر مِن هذا الكسب المذهبي، ومِن تدخل البلدان في شؤون بلدان أخرى بعذر الدفاع عن الأخوة المذهبية. إنه سعار هادر يفكك المجتمعات والأوطان، ومَن يدعي أنه تحول مِن مذهبه بـ«هداية» أو «استبصار» إلى مذهب آخر ليدخر ذلك لنفسه، فالمقصود هو طريق العبادة وتفاصيل الفروع، أما الأصول، فعلى حد قول محمد صالح بحر العلوم (ت 1992): «فإن تعددت الفروع بشكلها / فالحق واحد والأصول سواء». اتركوا لعبة توقد النَّار ولا تخدموها، إنها لعبة الكسب المذهبي وتأسيس الأحزاب الدِّينية بالمكتسبين!