حوار الأديان... من أجل عالم آمن

ملتقى كازاخستان 2018
* يسهم هذا المؤتمر في إثراء ممارسة التواصل الدولى والديني مع الأفكار المبتكرة والاقتراحات الجديدة.
* يلعب المؤتمر دوراً مهما في تعزيز التفاهم المتبادل بين الزعماء الروحيين والأديان والأمم.
* شيخ الأزهر: المسؤولون عن السياسة الدولية أنفقوا تريليونا ونصف التريليون دولار على الحروب المندلعة في أفغانستان والعراق وسوريا في الفـترة من 11 سـبتمبر 2001م وحتى 31 مارس 2018م، وهذا المبلغ يعادل ميزانية دولة كبرى مثل ألمانيا لمـدة 5 سَنوات.
* نزارباييف: ليس أمامنا إلا الأزهر الشريف ومنهجه الوسطي لمكافحة التطرف... الأزهر بحكم مكانته العالمية يقوم بدور كبير تجاه قضايا المسلمين.
* اتخذت السعودية كثيرًا من المبادرات في مواجهة الإرهاب، كان أبرزها تشكيل التحالف العربي والإسلامي لمحاربة الإرهاب، وإقامة مركز عمليات مشتركة في العاصمة السعودية الرياض لتنسيق دعم العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب وتطوير البرامج والآليات اللازمة.

 

 آستانة) كازاخستان» :(إن آستانة أصبحت معروفة للمجتمع الدولي بأنها مقصد يجذب عمليات صنع السلام وتوحيد المبادرات وتمتاز عاصمتنا بروح التضامن والاحترام المتبادل والتسامح... وأن القرارات التي اتخذت في آستانة كان لها صدى دولي لأنها تغرس فكرة حفظ السلام والشراكة والتسامح والابتكار... ويسهم هذا المؤتمر في إثراء ممارسة التواصل الدولي والديني مع الأفكار المبتكرة والاقتراحات الجديدة«.
بهذه الكلمات الواردة في خطاب الرئيس الكازاخي نور سلطان نزارباييف، في افتتاح مؤتمر زعماء أديان العالم السماوية والتقليدية في دورته السادسة بالعاصمة الكازاخية آستانة، خلال يومي 10-11 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تستكمل رؤية الرئيس نزارباييف، بشأن مبادرته التي أطلقها في سبتمبر (أيلول) 2003، بعقد مؤتمر سنوي لزعماء الأديان العالمية والتقليدية والذي أضحى كما جاء في كلمته في الدورة الثالثة لهذا المؤتمر التي عُقدت في الأول من يوليو (تموز) 2009، ما نصه: «أصبح مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية الذي عُقد بمبادرة كازاخستان، جزءًا فعالا من الحوار العالمي بين الأديان في العالم المعاصر، ويلعب المؤتمر دورا مهما في تعزيز التفاهم المتبادل بين الزعماء الروحيين والأديان والأمم».

وقد شارك في هذه الدورة السادسة للمؤتمر الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيش، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وممثلون عن مختلف الأديان السماوية والتقليدية، فضلا عن وفود كثير من المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بقضايا الدين ودوره في الحياة العامة، ومنها: رابطة العالم الإسلامي (المملكة العربية السعودية)، جماعة سانت إيجيديو (إيطاليا)، بيت آسيا (إسبانيا)، مؤسسة توني بلير (بريطانيا)، منظمة مبادرة قرطبة (الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك مؤتمر الأديان من أجل السلام، مركز الملك عبد الله الدولي في فيينا للحوار بين الأديان والثقافات، ومجلس الكنائس العالمي، هذا إلى جانب عدد من كبار المسؤولين في كازاخستان، إذ بلغ عدد الوفود المشاركة 80 وفدًا من 45 دولة من بينها 20 وفدًا إسلاميًا و15 وفدًا مسيحيًا، فضلاً عن ممثلي المنظمات اليهودية، ومنها: التحالف الوطني لدعم الجاليات اليهودية في أوراسيا، ورئيس الجالية اليهودية في فرنسا، فضلا عن الحاخام الأكبر للاشكيناز والسفارديم بدولة إسرائيل.

في ضوء ما سبق، يصبح من الأهمية بمكان أن يحظى هذا المؤتمر باهتمام العالم بصفة عامة وعالمنا العربي والإسلامي على وجه الخصوص، في ضوء حملات التشويه المتعمدة ضد الدين الإسلامي ومحاولات الربط الخطأ بين الدين الإسلامي والإرهاب، فضلا عن حملات التشويه المتعمدة كذلك ضد بعض البلدان الإسلامية التي حافظت على مبادئ الإسلام وقيمه الصحيحة في ظل حرب ضروس تشن ضد الدين الإسلامي.

ومن هذا المنطلق، يلقي هذا التقرير الضوء على فكرة المؤتمر وأهدافه ودوراته السابقة، مع التركيز على الرؤية المصرية والسعودية كونهما أكبر دولتين في العالم الإسلامي، إذ تضم الأولى بين جنباتها الأزهر الشريف منارة العلم الديني، في حين كانت السعودية مهبط الرسالة المحمدية ومقر المقدسات الإسلامية، بما أهلها للعب دور رئيسي في نشر الإسلام الصحيح في ربوع المعمورة.

وعليه يستعرض هذا التقرير المحاور التالية:

مؤتمر حوار الأديان جزء من الرؤية الكازاخية لعالم آمن... الانطلاقة والأهداف:

في خضم حالة الاضطراب التي شهدها العالم منذ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما سبقها من خطابات عن صدام وصراع الحضارات، وما تلاها من صراعات وتدخلات وحروب شهدها العالم فيما عُرف بالحرب على الإرهاب، تلك الحروب التي أعادت إلى الواقع فكر الاستعمار القديم تحت مزاعم جديدة كما حدث في غزو أفغانستان عام 2001، ثم حرب العراق 2003، وما تلا ذلك من دخول كثير من دول العالم في معترك الحروب الأهلية وما ترتب عليها من كوارث بشرية وخسائر اقتصادية واجتماعية. وفي إطار الرؤية السلمية التي حملها الرئيس الكازاخي نور سلطان نزارباييف، منذ توليه مقاليد الحكم عقب استقلال كازاخستان في بداية تسعينات القرن المنصرم، وتحديدا عام 1991، وإطلاقه لمبادرة تخلية طوعيا عن السلاح النووي في بادرة تعد الأولى من نوعها بأن تتخلى دولة طواعية عما تمتلكه من سلاح نووي يمثل رادعا مهما لها في مواجهة التحديات القادمة، إلا أن رؤيته الثاقبة نحو بناء عالم آمن وخال من الحروب والصراعات، أفرزت نجاحًا حقيقيًا لتلك المبادرة انعكس على ما حققته كازاخستان من نجاح سياسي وتقدم اقتصادي واستقرار مجتمعي.

وفي ضوء ما سبق، جاءت مبادرة الرئيس نزارباييف، في سبتمبر عام 2003 بالدعوة إلى عقد مؤتمر عالمي لزعماء الأديان العالمية والتقليدية تمثل الهدف الرئيسي من المؤتمر في صياغة الحوار بين الأديان في هذا العالم المضطرب، والتقريب بين الحضارات من خلال الحوار ودعم جهود حل النزاعات بطريقة سلمية، وذلك من خلال البحث عن المعالم الإنسانية العامة في الأديان العالمية والتقليدية. مستندًا في ذلك إلى جملة من المبادئ تركزت فيما يأتي: - احترام حقوق الإنسان، توازن المصالح العامة والدينية.

- التعاون وتحقيق التعاون المتبادل.

وسعيا لتطبيق هذه الأهداف، التزاما بتلك المبادئ، تحددت أولويات المؤتمر العالمي فيما يأتي:

- تأكيد السلام والوئام والتسامح كمبادئ لا تتزعزع من الوجود الإنساني.
-
تحقيق الاحترام المتبادل والتسامح بين الأديان والمذاهب والجماعات العرقية.
-
منع استخدام المشاعر الدينية للناس لتصعيد الصراعات والأعمال العدائية.

مؤتمر حوار الأديان... قراءة في دوراته الخمس السابقة

منذ انطلاق فعاليات المؤتمر الأول لحوار الأديان في سبتمبر 2003، يتضح من خلال اطلالة سريعة على الدورات الخمس التي عقدها المؤتمر:

1- المؤتمر الأول لزعماء الأديان العالمية والتقليدية (23-24 سبتمبر 3003)، شارك فيه زعماء دينيون وضيوف شرف من 13 دولة من أوروبا وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وتم خلاله اتخاذ قرار بشأن عقد قمة بين الديانات بشكل منتظم، وإنشاء هيئة عمل (أمانة عامة) لمؤتمر زعماء الأديان وذلك برئاسة رئيس مجلس الشيوخ لبرلمان كازاخستان. كما تم خلاله إعلان الرئيس نزارباييف عن خطط لبناء مبنى خاص لعقد المؤتمرات وهو قصر السلام والوفاق. كما تم اعتماد وثيقة ختامية (إعلان المشاركين في المؤتمر الأول لزعماء الأديان العالمية والتقليدية).
2-
المؤتمر الثانى لزعماء الأديان العالمية والتقليدية (12-13 سبتمبر 2006)، شارك في أعماله 43 وفدا ممثلا لـ20 بلدا من أوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا. وكان الموضوع الرئيسي للمؤتمر "الدين والمجتمع والأمن الدولي". وقد تم اعتماد وثيقة بعنوان "مبادئ الحوار بين الأديان".
3-
المؤتمر الثالث لزعماء الأديان العالمية والتقليدية (1-2 يوليو 2009)، شارك في أعماله 77 وفدا من 35 دولة من العالم، وكان عنوانه الرئيسي «دور الزعماء الدينيين في بناء عالم قائم على التسامح والاحترام المتبادل والتعاون». وخلال هذا المؤتمر تم اقتراح الرئيس نور سلطان نزاباييف بإنشاء مجلس الزعماء الدينيين، وقد حظي بدعم بالإجماع من قبل جميع المشاركين في المؤتمر على أن تهدف أنشطة المجلس إلى تعزيز الحوار والتعاون مع المنتديات الموثوقة والمنظمات الدولية الاخرى.
4-
المؤتمر الرابع لزعماء الأديان العالمية والتقليدية (30-31 مايو/ أيار 2012)، شارك في أعماله 85 وفدا من 40 دولة في العالم، وتم اختيار موضوع "السلام والوئام كخيار البشرية"، موضوعا رئيسيا للمؤتمر. وقد تم خلال هذا المؤتمر عقد الاجتماع الأول لمجلس زعماء الأديان الذي ضم في عضويته ممثلى 14 ديانة، تركزت أنشطته الرئيسية فى: تعميق التفاهم والتعاون بين أتباع الأديان المختلفة، تعزيز الإطار المفاهيمي لمنصة الحوار للمؤتمر، اتخاذ القرارات بشأن المسائل المبدئية المتعلقة بأنشطة المؤتمر، وكذلك التعاون مع المنظمات والمنتديات الدولية الأخرى.
5-
المؤتمر الخامس لزعماء الأديان العالمية والتقليدية (10-11 يونيو 2015)، شارك فيه 72 وفدا من 49 بلدا. وكان العنوان الرئيسي للمؤتمر «الحوار بين زعماء الأديان والشخصيات السياسية في سبيل تحقيق السلام والتنمية».
وخلال هذا المؤتمر عقدت أربع جلسات للنقاش حول موضوعات:
-
زعماء الأديان والسياسيون.. مسؤولية أمام البشرية.
-
تأثير الدين على الشباب.. التعليم والعلم والثقافة والإعلام.
-
الدين والسياسة.. اتجاهات وآفاق جديدة.
-
الحوار القائم على مبدأ الاحترام والتفاهم المتبادل بين زعماء الأديان العالمية والتقليدية من أجل تحقيق السلام والأمن والوئام.

الأزهر الشريف ومؤتمر حوار الأديان

«ليس أمامنا إلا الأزهر الشريف ومنهجه الوسطى لمكافحة التطرف.. الأزهر بحكم مكانته العالمية يقوم بدور كبير تجاه قضايا المسلمين»..
هذه الكلمات التي جاءت على لسان الرئيس الكازاخى نزارباييف، خلال استقباله شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، تأكيد على دور الأزهر ومسؤوليته في الذود عن الإسلام الوسطي الصحيح الذي ينبذ العنف ويحارب التطرف والإرهاب، وهو ما حرص على تأكيده شيخ الأزهر في كلمته الرئيسية في الجلسة الافتتاحية، إذ أكد على أن: «الخلاف والتنازع مآله الفشل، وأن الأزهر الشريف سيظل داعماً لكل مبادرة تقرب بين المسلمين، وراعياً لكل دعوة تجمع بين الناس على اختلاف أديانهم»، وأن الإرهاب الذي يحاربه الجميع اليوم: «ليس صنيعة الإسلام ولا المسيحية ولا اليهودية، كأديان سماوية، ورسالات إلهية بلغها أنبياء الله ورسله، موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولكنه صنيعة سياسات عالمية جائرة ظالمة ضلت الطريق وفقدت الإحساس بآلام الآخرين من الفقراء والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدونَ سبيلا... إن المسؤولين عن السياسة الدولية أنفقوا تريليونا ونصف التريليون دولار على الحروب المندلعة في أفغانستان والعراق وسوريا في الفـترة من 11 سـبتمبر 2001م وحتى 31 مارس 2018م، وهذا المبلغ يعادل ميزانية دولة كبرى مثل ألمانيا لمـدة 5 سَنوات»، متسائلا وبحق –: «لماذا؟ ولمصلحة من؟ وهل كان يسمح بإنفاق عشر معشار هذا الرقم لمصلحة الشعوب البائسة المحتاجة، ولمحاربة الفقر والمرَض والجهل؟ ومن أجل الجوعى والمشرَدين والمهجرين من بيوتهم وأوطانهم رغم أنوفهم، في ميانمار وفي القدس وغيرهما؟».

ومن الجدير بالإشارة أن مبادرة حوار الأديان لم تلق تأييدا من مؤسسة الأزهر الشريف في مصر فحسب والذى حرص على المشاركة الفعالة في فعالياتها منذ بدء انطلاقها عام 2003، بل حظيت هذه المبادرة بتأييد واسع المدى من جانب الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى خلال زيارته إلى كازاخستان في فبراير (شباط) 2016، إذ أكد البيان الصادر في ختام الزيارة آنذاك على التأييد المصرى لتلك المبادرة كونها تمثل عاملاً مهما في تعزيز الحوار بين الأديان والحضارات في العالم، مؤكدة على الرغبة المصرية في الاستمرار في المشاركة بنشاط كبير وعلى أعلى مستوى في هذا المؤتمر، وتأتي مشاركة فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في تلك الدورة تأكيدا على الرؤية المصرية في دعم تلك المبادرة كآلية رئيسية في مكافحة آيديولوجيا التطرف الديني والتشدد، والسعى لنشر أفكار التسامح والجوهر السلمي للإسلام.

المملكة العربية السعودية وحوار الأديان... مجهودات متميزة

كانت المشاركة السعودية في مؤتمر حوار الأديان من المشاركات البارزة بصورة جلية، حيث شاركت المملكة بوفد رفيع المستوى ممثلا لوزارة الشؤون الإسلامية شارك بفعالية في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر بكلمة معبرة عن الرؤية السعودية لقضية حوار الأديان، كما شارك ممثلو الوزارة في الجلسات الفرعية بأوراق عمل متميزة عكست الجهود السعودية في مجال مواجهة التطرف الديني ومكافحة الإرهاب، حيث أكدت أوراق العمل على أن المملكة كانت من أوائل الدول التي أولت التصدى لظاهرة الإرهاب اهتماما بالغا على مختلف المستويات، بل قامت بخطوات جادة في مكافحة هذه الظاهرة محليا وإقليميا ودوليا، وذلك منذ توقيع المملكة على معاهدة مكافحة الإرهاب في منظمة المؤتمر الإسلامي في مايو (أيار) 2000. وقد اتخذت المملكة كثيرًا من المبادرات في هذا الخصوص، كان أبرزها تشكيل التحالف العربي والإسلامي لمحاربة الإرهاب، وإقامة مركز عمليات مشتركة في العاصمة السعودية الرياض، لتنسيق دعم العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب وتطوير البرامج والآليات اللازمة.

وفى السياق ذاته، بادرت المملكة باستضافة المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب في الخامس من فبراير (شباط) 2005 بمشاركة أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية وأجنبية إلى جانب كثير من المنظمات الدولية والإقليمية. كما تم إنشاء مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية عام 2006 من أجل تصحيح وتوعية أفكار المغرر بهم بالأفكار المنحرفة.

وحرصا من المملكة على تقديم تجربتها الناجحة في محاربة الإرهاب واجتثاثه من جذوره، قدمت وزارة الشؤون الإسلامية في المملكة رؤية لمعالجة الانحراف الفكرى ارتكزت على عدة محاور، أبرزها: تصحيح المفاهيم الخاطئة بطرح الأدلة من القرآن والسنة والواقع والحقائق، وتقديم الأصول والأساسيات العلمية التي تحمي الفرد من الوقوع في الانحراف مستقبلا، وخلق الثقة بين المستفيدين وأعضاء لجان المناصحة.

وفي هذا الخصوص، يجدر بنا الإشارة إلى المؤتمر الذي نظمه مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في العاصمة النمساوية فيينا خلال يومي 26-27 فبراير 2018، والذي أكد على أن الوحدة بين القادة الدينيين آخذة في الازدياد، وهي رسالة أمل قوية في المنطقة العربية، سمعها القادة المسيحيون واليهود والمسلمون في مؤتمر فيينا بشأن التعايش السلمي والتنوع، تزامناً مع دعوتهم لضرورة المزيد من الحوار.

مؤتمر حوار الأديان في دورته السادسة ... قراءة في بيانه الختامي

إلى جانب الجلسة الرئيسية التي شارك فيها كل من الرئيس الكازاخي نزارباييف والرئيس الصربي وكبار ممثلي الوفود الرسمية من أصحاب الديانات السماوية والأديان التقليدية، عقد المؤتمر أربع جلسات فرعية ناقشت بشكل مستفيض محاور اهتمام المؤتمر، حيث شهدت الجلسة الأولى والتي جاءت بعنوان: «بيان العالم في القرن الحادي والعشرين كمنهج للأمن العالمي»، مناقشات حول عدد من المحاور الرئيسية تمثلت فيما يأتي: العالم الآمن مهمة عالمية للإنسانية جمعاء، والاتجاهات الرئيسية لتنمية خارطة العالم السياسية والدينية، وبيان العالم في القرن الحادي والعشرين كبرنامج ضمان الاستقرار في العالم، وريادة رئيس جمهورية كازاخستان في مسألة نزع السلاح النووي وعدم انتشاره.
في حين ناقشت الجلسة الثانية والتي جاءت بعنوان «الأديان في الجيوسياسة المتغيرة: فرص جديدة لتضامن الإنسانية»، كثيرًا من الموضوعات منها: الدين والحضارة في القرن الحادي والعشرين: اتجاهات وآفاق التنمية، العامل الديني في الجيوسياسة، المستقبل الجيوسياسي للأديان العالمية والتقليدية، دور زعماء الأديان المعاصرين في الجيوسياسة المتغيرة.
وتناولت الجلسة الثالثة التي عقدت تحت عنوان «الدين والعولمة: التحديات وسبل مواجهتها» مناقشة عدد من الموضوعات، منها: الأديان كعوامل للحياة السياسية والاجتماعية في الدول والمجتمعات، القوة الروحية للأديان في مواجهة العمليات العالمية، العولمة: الإيجابيات والسلبيات.
أما الجلسة الرابعة والتى نُظمت تحت عنوان «زعماء الشخصيات السياسية في مواجهة التطرف والإرهاب»، فقد ناقشت جملة من الموضوعات، منها: الحوار بين الأديان والقوة الروحية للأديان في مواجهة التطرف والإرهاب، الدين والسياسة: أساليب عملية لمواجهة الأصولية والتعصب، مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية في آستانة: تضامن الزعماء الدينيين والسياسيين من أجل السلام والأمن للمجتمع الدولي.

وفي ختام تلك الجلسات، خلص المؤتمر في بيانه الختامي الذي أطلق عليه «إعلان آستانة» إلى التأكيد على البيانات السابقة الصادرة عن المؤتمرات الخمسة الماضية للمؤتمر، مع أهمية تعاون زعماء الأديان العالمية والتقليدية مع المؤسسات الحكومية والمجتمعية المعنية بتعزيز التعايش السلمي للشعوب والدول من خلال الحوار ونشر القيم الإنسانية الإيجابية. كما تضمن البيان حزمة من التوصيات، أبرزها ما يأتي:

1- رفض الزج بالدين في الصراعات السياسية وكل مظاهر الأنانية والتعصب والقومية العدوانية ودعاوى التمييز، مشددًا على التمسك بسيادة الأخلاقيات العليا، ووحدة مساعي الدول نحو إقرار التعاون والاحترام المتبادل، من أجل استقرار ورخاء وأمن كل البشر.
2-
تعزيز جهود زعماء الأديان العالمية والتقليدية، بشأن التوصل إلى استقرار طويل الأمد ومنع حوادث العنف بسبب الكراهية والتمييز الطائفي والعنصري.
3-
دعم تعاون زعماء الأديان مع المؤسسات الدولية والهيئات الحكومية والمجتمعية كفكرة أساسية، لتحقيق التوصيات والبرامج المهمة والملحة الرامية إلى ضمان الأمن الشامل في العالم، مع مساعدة كل المجتمعات والشعوب، بصرف النظر عن العرق والدين والمعتقدات واللغة والجنس، في امتلاك الحق الذي لا يتجزأ في الحياة السلمية.
4-
ضمان الحقوق المتساوية والحريات لكل المواطنين، مهما كان انتماؤهم العرقي واللغوي والديني والقومي والطائفي والاجتماعي، أو وضعهم المادي والوظيفي والتعامل مع الآخرين بروح الإخاء، مع ضرورة دعم المبادرات والجهود المبذولة في مجال تعزيز الحوار بين الأديان والطوائف، كأحد المحاور الأساسية والهامة في جدول الأعمال الدولي لبناء نظام عالمي قائم على العدل ونبذ الصراعات.
5-
التضامن مع كل المجموعات الدينية والطوائف العرقية، التي تعرضت لانتهاك حقوق الإنسان والعنف من جانب المتطرفين والإرهابيين.
6-
دعم الجهود الرامية لحماية اللاجئين وحقوقهم وكرامتهم وتقديم كل المساعدات الضرورية لهم، مطالبين الشخصيات السياسية ووسائل الإعلام العالمية بالتوقف عن ربط الإرهاب بالدين، لأن هذه الممارسات تلحق الضرر بصورة الأديان والتعايش السلمي، وتضرب الثقة المتبادلة والتعاون بين أتباع الدين الواحد والأديان الأخرى.
7-
مطالبة زعماء الأديان لنشر قيم الإسلام والتفاهم المتبادل والتسامح، في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، والتجمعات الأهلية، وبذل الجهود لمنع الاستفزازات والعنف في الأماكن المقدسة لكل الأديان، ودعم المؤسسات والمبادرات التي تعتبر حوار الأديان والحضارات أفضل وسيلة لبناء مجتمع مسالم وعادل.
8-
إنشاء مركز نور سلطان نزارباييف لتطوير حوار الأديان والحضارات، كرمز للاعتراف بمساهمة الرئيس المؤسس لجمهورية كازاخستان في عملية التعاون الدولي من أجل السلام والوفاق.
9-
التمسك بجعل كلمة الزعماء الدينيين المؤثرين مسموعة بوصفها «صوت الحكمة».

حوار الأديان... لا تزال الطموحات مستمرة

فى ضوء ما خلص إليه المؤتمر السادس للحوار بين الأديان من نتائج، وما تمخض عنه من مخرجات ذات أهمية كبرى، كان أبرزها الموافقة على اقتراح تحويل هذا المؤتمر السنوي إلى «مركز نزارباييف الدولى للأديان والثقافات»، حرصا على مأسسة هذا العمل العالمي، بحيث يصبح هذا المركز المنصة الرئيسية لحوار فعال تناقش خلاله مختلف القضايا الحيوية المتعلقة بالإنسانية، أخذا في الحسبان أن القضية لن تقف عند هذا الحد، بل من الأهمية بمكان أن تتلاقى بل تتكامل جهود هذا المركز مع المبادرات الأخرى ذات الصلة والتي طرحها الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف، والمتمثلة بشكل أساسي في إنشاء «تحالف الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب» وتنظيم منتدى سنوى تحت عنوان «الأديان من أجل السلام»، بين أروقة الأمم المتحدة في نيويورك والذي يهدف إلى التعريف بالإسلام وأن يتقبله المجتمع الدولى بوصفه ديناً للسلام والبناء. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن تتلاقى جهود هذا المركز مع جهود المراكز الدولية والإقليمية الأخرى التي تعمل في ذات المجال، وفي مقدمتها مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لحوار الحضارات في فيينا، للقيام بحزمة من السياسات الهادفة إلى تعزيز حوار الأديان، ومن أبرزها:

- البحث في جذور مشكلة العنف والفقر.
-
الاهتمام بالتعليم في المدارس والجامعات بما يتطلبه من إعادة النظر في تغيير البرامج التعليمية بما يسهم في إعادة هيكلة عقول الشباب.
-
إعداد وصياغة اتفاقيات جديدة لتحقيق الأمن الإنساني.
-
تبني منهج جديد لضمان الأمن والاستقرار داخل البلدان المختلفة، وذلك من خلال وضع خطط واستراتيجيات غير تقليدية لمعالجة الأعمال الإرهابية.
-
التأكيد على دور الزعامات الدينية في توعية الجماهير من خلال تعزيز دور المنظمات والجمعيات المعنية.
-
تعزيز أطر التعاون بين الزعماء الدينيين والسياسيين في سبيل حل المشكلات والأزمات التي تواجهها المجتمعات
-
تأسيس صندوق تابع للمنتدى يسمى «صندوق من أجل السلام العالمي»، يسهم بدوره في تعزيز جهود المنظمات والمؤسسات العاملة في هذا المجال.
-
أهمية مشاركة الشباب في الدورات التالية للمؤتمر للاستماع إلى رؤاهم ومحاوراتهم.

 


اشترك في النقاش