الرواد الأوائل

السيدة العمانية فاطمة بنت سالم المعمري في دراسة تاريخية أكاديمية

اسم الكتاب: «الرائدة فاطمة بنت سالم بن سيف بن المعمري (1911 - 2002): دراسة تاريخية وثائقية أكاديمية»
المؤلف: آسية البوعلي*
الناشر: وزارة التراث والثقافة العمانية

يقدم هذا الكتاب قصة امرأة عمانية استثنائية وصلت إلى أعلى المراتب، لتصبح رمزا من رموز الثقافة في عصر آمن بريادة المرأة والفكر المستنير، الذي تلخص في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ففي الوقت الذي لم يكن للمرأة أن تغادر دارها، ذهبت الرائدة فاطمة بنت سالم المعمري في مطلع الخمسينات من القرن العشرين في بعثة دراسية لنيل درجة الدكتوراه من إنجلترا. كما كان لها إسهاماتها العلمية، فضلا عن تقلّدها أعلى المناصب الأكاديمية، وتتويجها بأرفع أوسمة التكريم.

- تعتبر فاطمة سالم أول من حصل على الدكتوراه في الخليج العربي، حيث لم يسبقها لذلك أحد، رجلا كان أو امرأة.
 أشاد بها طه حسين وتسبب في حصولها على الجنسية المصرية، وتعيينها مدرسة في كلية الآداب بجامعة فاروق.

مما لا شك فيه أن من اطلعوا على أعمال الدكتورة فاطمة بنت سالم بن سيف بن المعمري، أو سمعوا عنها، سيكنون لها الإعجاب؛ نظرا لكونها من الرواد الأكاديميين، وهي عمانية تحمل الجنسية المصرية. كما أنها تمثل بالنسبة لأفراد أسرتها المقربين امرأة عظيمة بذلت جهدا كبيرا لإغداقهم بالحب والمودة، كما عكفت تماما على تنشئتهم وتربيتهم مستعينة أحيانا بالتوبيخ العنيف والضرب. فماما فاطمة، كما يتذكرها بحب الكثير من أفراد أسرتها، غرست الكثير من دروس الحياة المهمة في نفوسهم.
صدرت سيرة المعمري المعنونة «الرائدة أ.د. فاطمة بنت سالم بن سيف المعمري: دراسة تاريخية وثائقية أكاديمية» باللغة العربية في عام 2008 عن وزارة التراث والثقافة العمانية، وكتبتها د. آسية البوعلي، حفيدة ابن عمومة للسيدة فاطمة. وتقول البوعلي إنها كتبت هذا الكتاب «لتسلط الضوء على دور امرأة عمانية تعتلي أعلى المراتب في المجتمع».
في مارس (آذار) 2014 ، تم إحياء الكتاب من جديد عندما ترجمته زيانة البداعي للإنجليزية، وراجعه دكتور دومينيك إيديس ونشرته وزارة التربية والتعليم العمانية. في مقدمة الكتاب، تقول وزيرة التعليم العالي لسلطنة عمان: «إن ما ساهمت به دكتورة فاطمة من خلال كونها امرأة، وإحدى رائدات البحث العلمي، بالإضافة إلى كونها نموذجا يحتذى به، له أهمية كبرى اليوم تماما كما كان في حينها».
ولدت فاطمة بنت سالم بن سيف بن المعمري في قبيلة آل معماري في زنجبار، شرق أفريقيا، عام 1911، في الوقت الذي كانت فيه العاصمة الرسمية لسلطنة عمان، لعائلة تقدر الثقافة والمساعي الأكاديمية. وفي 1917، قررت العائلة الانتقال للقاهرة، عاصمة الثقافة والفكر في الوطن العربي حينئذ، ليتلقى الأطفال تعليما أشمل من ذاك الموجود في المدارس القرآنية في عمان. كانت فاطمة الطفلة الوحيدة التي لم ترسلها العائلة لمدارس خاصة ولكن لم يؤثر ذلك على مسيرتها وإنجازاتها الأكاديمية أو يعرقلها؛ حيث استطاعت فاطمة تحقيق تقدم أكاديمي لم يكن شائعا بين الكثير من السيدات في عصرها، حتى تلقت منحة لإكمال شهادة الدكتوراه في بريطانيا عام 1950، في الوقت الذي كان فيه دور النساء الأخريات يقتصر على الاهتمام ببيوتهن. جدير بالذكر أن الكاتب والمفكر الكبير طه حسين، الذي كان صديقا لوالدها، أشاد بمواهبها.

 




طه حسين


 
طه حسين وقصة الجنسية المصرية
وتروي الكاتبة قصة للسيدة فاطمة مع طه حسين وكيف أنها بسببه حصلت على الجنسية المصرية، تقول: «منذ أن تخرجت فاطمة سالم في مدرسة السنية عام 1929م بالقاهرة, كانت طالبة مقربة لعميد الأدب العربي طه حسين الذي كان على صلة حميمة بأسرتها. ومن ثم كان بالنسبة لفاطمة سالم أبا روحيا; فهو الذي وجهها نحو التخصص في مجال الدراسات الأوروبية القديمة, في مرحلة الليسانس ومرحلة الماجستير وبمثالية مطلقة منحها حق البعثة الدراسية دون تفرقة بينها وبين الطلاب والطالبات المصريين.. ومن ثم فإن فاطمة سالم في سنة 1942م, حين منحت درجة الماجستير من كلية الآداب, جامعة فؤاد الأول, تقدمت بطلب إلى إدارة الجامعة فحواه أن تثبت في وظيفة مدرس بالكلية أسوة ببقية زميلاتها المصريات. ولما كان قانون التوظيف بالنسبة للجاليات الأجنبية في مصر يقتضي العمل بعقود مؤقتة قابلة للتجديد, فإن إدارة الجامعة لم تعترض على توظيف فاطمة سالم، بيد أن اعتراضها انصب على شكل العقد وطبيعته, إذ إن العقد الثابت من حق المصريين, لما يترتب عليه من حقوق مستقبلية تتعلق بالمعاشات (مرحلة التقاعد), فضلا عن حقوق أخرى متعلقة بالبعثات الدراسية.
ونتيجة لاستياء فاطمة سالم من هذه التفرقة. تقدمت بطلب إلى أستاذها طه حسين - الذي كان رئيسا لجامعة الإسكندرية آنذاك - شارحة فيه موقف الجامعة في رفض التثبيت الوظيفي، فضلا عن البعثة الدراسية.
فما كان من طه حسين إلا الاعتراض الشديد على موقف الجامعة, ومن ثم تقدم بطلب إلى مجلس الوزراء المصري يطلب فيه الجنسية المصرية لفاطمة سالم، مزكيا إياه بما يؤمن به من أن الكفاءات لا تجمح, وحق الإنسان في العلم والثقافة لا يكبح بناء على شكل ونوع الجنسية.
وبالفعل مُنحت فاطمة سالم الجنسية المصرية بقرار من مجلس الوزراء المصري في 15 ديسمبر (كانون الأول) سنة 1942م, وفي 15 يناير (كانون الثاني) سنة 1943م صدر أمر تثبيتها بوظيفة مدرس بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول, التي غُير اسمها في تلك السنة إلى جامعة فاروق, الأمر الذي ترتب عليه في بداية الخمسينات أن أرسلت فاطمة سالم إلى بريطانيا لنيل درجة الدكتوراه على نفقة الحكومة المصرية، على اعتبار أنها مواطنة مصرية».
 

ريادة الأوائل
يمكن اعتبار أن فاطمة سالم أول مَن حظي بالتعليم العالي، وحصلت على الدكتوراه, إذ لم يسبقها في ذلك رجل ولا امرأة الخليج العربي كما تؤكد المؤلفة، حيث تضيف: «لكون فاطمة سالم رائدة من رائدات القرن الماضي, كان من الطبيعي أن تستتبع هذه الريادة بالاعتراف والتعبير بما تستحقه الشخصية, لما لها من تميز وخصوصية. ومن ثم تكريم فاطمة سالم أخذ أشكالا عدة ومستويات مختلفة».
فعلى مستوى الدولة, كرمت أ.د. فاطمة سالم بميدالية ذهبية تذكارية, من قبل الزعيم الراحل محمد أنور السادات, وذلك في سنة 1978م, خلال الاحتفال الذي أقامته جمهورية مصر العربية, تكريما وعرفانا للدور البنّاء، الذي قام به جيل الأوائل من رواد ورائدات القرن العشرين.
وعلى المستوى الجامعي, كرمت فاطمة سالم في سنة 1978م بشهادة تقدير من قبل جامعة الإسكندرية، تضمنت الشكر والامتنان والعرفان بجهودها في مجال الأبحاث العلمية, فضلا عن أداء رسالتها في مجال التعليم وخدمة المجتمع طوال مدة خدمتها وبوصفها أستاذة للغة اللاتينية.
وعلى الرغم من أن المعمري لم تتزوج قط، فإنها لعبت دورا مؤثرا ومهما كأم لأولاد وبنات إخوتها، الذين سافر كثير منهم للإقامة والدراسة بمصر، وهي التي أصرت أن ينادوها بماما فاطمة. وأخذت على عاتقها الإشراف على جوانب عدة من تعليمهم، فيتذكر ابن أختها الكبرى محمد علي بن محسن البرواني قائلا: «لقد أجدت اللغة الإنجليزية دون أن أدرك كيف تعلمتها أو كيف تطورت».
تعد هذه السيرة توثيقا لحياة المعمري ومسيرتها الأكاديمية، كما جاءت على لسان كثير من الشخصيات في الأسرة الملكية الحاكمة (آل سعيد) وأفراد أسرتها وبعض الأصدقاء والزملاء الأكاديميين. يدور الفصل الأول من الكتاب حول حياة المعمري بأبعادها المختلفة؛ إذ يعرض مولدها ونشأتها ومراحل تعليمها، وتقدمها المهني وإنجازاتها، فضلا عن مقر إقامتها، وأخيرا رحيلها عام 2002. تم الحصول على هذه المعلومات من الوثائق والمستندات الرسمية وأوراقها الخاصة وتاريخ عائلتها. ولكن هذا الفصل سوف يصيب من يرغب أن يحيط علما على نحو سريع بتفاصيل حياة المعمري على المستوى الإنساني، بخيبة أمل، لأن هذا الفصل لم ينجح في تقديم تفاصيل حياتها في تسلسل زمني منضبط.
ولكن لاحقا يكتسب الكتاب كثيرا من الزخم، حيث يعرض الكتاب مشاهد ومقتطفات من حياتها على لسان هؤلاء الذين كانوا على صلة وثيقة بها، وتتراكم تلك التفاصيل معا لتكشف لنا أبرز خصائص شخصية دكتورة فاطمة المعمري. فندرك أنه على الرغم من شخصيتها القوية الصارمة فإنها كانت حنونة وواعية باحتياجات من حولها. كما تكشف لنا أن المعمري كانت ترى أن للمساعي الأكاديمية والثقافية أهمية كبري، هذا الأمر الذي كانت تؤكد عليه مرارا وتكرارا لأقاربها الشباب الذين عاشوا تحت رعايتها. وبالطبع، وفرت لنا تلك الروايات الشخصية الفرصة لكي نتمكن من إلقاء نظرة شاملة على حياتها، كما ألقت بالضوء على السياق الزمني للحقبة التي عاشت بها حيث لم يكن هناك كثير من السيدات المصريات اللاتي يحرزن تقدما أكاديميا، وهو ما يدفعنا إلى تقدير استثنائية المعمري. ويحتوي الجزء الأخير من الكتاب على استعراض لأبحاث المعمري، كما يحوي ملحقا به بعض الصور والوثائق الخاصة بها. وأخيرا فإن تلك المرأة التي وضعت السعي وراء العلم فوق كل اعتبار، تستحق تحية خاصة.
 




دكتورة آسية البوعلي


 
*د. آسية البوعلي:  باحثة أكاديمية، مستشارة للعلوم الثقافية بمجلس البحث العلمي في سلطنة عُمان، ناقدة فنية، مؤلفة ولها مقالات كثيرة في مجالات النقد الفني منشورة في الصحف العُمانية والعربية. تم تكريمها على المستويين العربي والدولي. 

 


اشترك في النقاش