السلام... ثقافة سعودية أصيلة

دبلوماسية المملكة... وتسوية الصراعات على الساحة الدولية
• مضامين الدبلوماسية السعودية تتأسس على عدم امتلاك رفاهية الانعزال أو مجابهة التهديدات عبر الانزواء، وإنما ثمة حتمية «للاشتباك السلمي»، من خلال المبادرات الوقائية وحل الخلافات بالطرق الدبلوماسية.
• نجحت المملكة خلال الفترة الماضية في تسوية واحدة من أعقد القضايا السياسية بين إثيوبيا وإريتريا عبر تسوية القضايا العالقة في مبادرة أشرف عليها خادم الحرمين، وولي العهد.
• أثبتت الدبلوماسية السعودية وتاريخها الممتد إلى سنوات وعقود مضت أنها طالما التزمت الطرق الدبلوماسية ولم تستغل أيا من بعثاتها الخارجية في أعمال تنتهك حقوق رعاياها ومواطنيها أو مواطني أي من دول العالم.

 

أنقرة:الدبلوماسية السعودية مؤسسة نجحت عبر عقود خلت في تبني مقاربات حفظت مكانة المملكة وموقعها على الصعيدين الإقليمي والدولي، ومجابهة كافة التحديات التي تعرضت لها، واستهدفت النيل من قدراتها التي تتجاوز حدود الإقليم إلى الساحة الدولية، تحقق ذلك عبر عمل متواصل لتعزيز الروابط الخارجية والحضور المكثف على مسرح العمليات العالمي، عبر مبادرات متنوعة ومقاربات عديدة تأسست على تعزيز نهج الاعتدال والوسطية والبعد عن استراتيجيات التدخل في الشؤون الداخلية للدول. عملت المملكة أيضا على أن تغدو جسرا للتواصل بين الأطراف التي تتباين مصالحها وتتعارض سياساتها حيال العديد من الملفات، لتلعب دور الوسيط الفعال الذي يحظى بصفات رئيسية، وفق ما تنص عليه الأدبيات الأكاديمية، من النزاهة والقدرة على التأثير في الأطراف المختلفة، وفق صيغ دبلوماسية وقانونية منضبطة التزمت السعودية بها واستخدمتها في مواجهة بعض الأطراف التي تسعى إلى إثارة تهديدات لأمن دول الشرق الأوسط.
جسد ذلك نهج الدبلوماسية السعودية عبر تاريخها الطويل وأدواتها السلمية المتنوعة وآليات تحركها التقليدية والمتعارف عليها، وفق الأعراف والقوانين الدولية. ربما تصريحات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير في مركز الشؤون الخارجية في الولايات المتحدة، أوضحت ذلك، وأكدت أن تطورات السياسة الخارجية السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وزير الخارجية عادل الجبير، تشمل جملة من التغيرات الجوهرية التي تسعى إلى كثافة الحركة وتحقيق التوازن المنضبط حيال العلاقات مع القوى المختلفة، مع التزام بالقواعد الدولية والعمل على تهدئة الصراعات وتقليل منسوب الخلافات بين مختلف دول العالم.
مضامين الدبلوماسية السعودية تتأسس على عدم امتلاك رفاهية الانعزال أو مجابهة التهديدات عبر الانزواء، وإنما ثمة حتمية «للاشتباك السلمي»، من خلال المبادرات الوقائية وحل الخلافات بالطرق الدبلوماسية، واحترام الأعراف والقوانين الدولية والالتزام بالنظم الدبلوماسية بين الدول، فالسعودية لم تعد تنتظر أداء أدوارها في ظل سياسات إقليمية ودولية، ولكنها استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تبادر إلى فرض هذه الأدوار على كل اللاعبين الإقليميين والدوليين، حتى وإن اتسعت دائرة مشاغل الخارجية السعودية، بدءا من مشكلات الإقليم وتشمل اليمن وسوريا والعراق ولبنان، مرورا بالملف الأهم الذي يتعلق بالتهديدات الإقليمية التي تثيرها الدولة الإيرانية.

 





ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يتفقدان المشاريع الاستثمارية في الإسماعيلية، في مصر. (غيتي)

الدبلوماسية السعودية وحل الصراعات الدولية

نجحت المملكة خلال الفترة الماضية في تسوية واحدة من أعقد القضايا السياسية بين أثيوبيا وإريتريا عبر تسوية القضايا العالقة في مبادرة أشرف عليها الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لإنهاء صراع تاريخي فشلت أغلب القوى الإقليمية والدولية في المساهمة في تسويته، تأسس على جوهر أهداف الحركة السعودية على الساحة الخارجية والقائمة على دعم السلام والبعد عن العنف واحتواء الخلافات بين مختلف دول العالم، وفي مقدمتها دول منطقة القرن الأفريقي والتي تحظى من ناحية بأهمية استراتيجية لدى العديد من القوى الدولية، ومن ناحية أخرى لها أهمية خاصة بالنسبة للمملكة لضمان مصالحها القائمة على مواجهة تمدد نفوذ القوى الإقليمية، وخلق تمركزات تضمن مصالح المملكة الاقتصادية وأدوارها السياسية.
ولم يكن إرساء قواعد للسلام بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، ثم إريتريا وجيبوتي من جهة أخرى، سوى حصاد جهود حثيثة ومضنية بدأتها المملكة منذ سنوات خلت، انطلاقا من قناعات راسخة مفادها حتمية سيادة السلام بين الأمم القريبة جغرافيا، ونشر الأمن والأمان، كشرطين رئيسيين لتحقيق التنمية والازدهار، في منطقة عانت ولا تزال من الآثار السلبية للرؤى البرغماتية والإمبريالية للقوى العظمى، والتي لا تقيم وزنا إلا لمصالحها بالمفهوم المادي الضيق، وبعيدا عن أي اقتراب من المعيار القيمي، أو الموازين الأخلاقية.
بدأت علاقة المملكة مع تلك المنطقة التي أصيبت بداء الصراعات الأهلية والقبلية من الصومال، الذي قدمت له المملكة وطوال عقدين من الزمن الدعم السياسي والاقتصادي، وبذلت الجهود الحثيثة لإنهاء الحرب الطاحنة الدائرة هناك، الأمر الذي أدى في نهاية المسار إلى توقيع اتفاقية للمصالحة بين الأطراف والأطياف الصومالية المتناحرة عام 2007 في جدة، تحت رعاية الملك عبد الله بن عبد العزيز.
وفي هذه المرحلة تزامنت الذكرى الـ88 لتأسيس المملكة العربية السعودية، مع حراك دبلوماسي وسياسي شهدته مدينة جدة تمثَّل في مصالحات إقليمية مهمة لدول القرن الأفريقي، ففي منتصف سبتمبر 2018، تم توقيع اتفاقية السلام بين إثيوبيا وإريتريا. وتلك خطوة تاريخية استبشر بها الجميع على أمل أن يصب حل أطول نزاع في القرن الأفريقي إيجابا في الجانب الإنمائي، ويعزز الأمن والاستقرار والاقتصاد في الدول المحيطة بالبحر الأحمر. وقد اضطلعت المملكة بفضل دبلوماسيتها بدور بارز في تحقيق المصالحة بين الجارتين بعد طول قطيعة بدأت بحروب ومناوشات حدودية عام 1998.
هذا التحول في مسار الصراع في هذه المنطقة الاستراتيجية أوضح طبيعة توجهات المملكة للعمل عبر تحركات دبلوماسية متواصلة لتحقيق التواصل الدبلوماسي بين الدول، وتعزيز قيم الحوار والبعد عن لغة التصعيد أو التشدد. يقول ضياء الدين سعيد بامخرمة سفير جيبوتي لدى السعودية في هذا السياق، إن توقيع اتفاقية السلام الإثيوبية - الإريترية، في مدينة جدة، وبرعاية مباشرة من خادم الحرمين الشريفين، وولي العهد محمد بن سلمان، أفضى إلى مصافحة ومصالحة تاريخية بين رئيس جمهورية جيبوتي إسماعيل عمر جيله، ونظيره الإريتري أسياس أفورقي، لتطوى صفحة القطيعة بين الجارتين واستعادة الثقة بينهما، ليتم وضع حل واحد نهائي لأسباب الخلاف بالوصول إلى ترسيم الحدود المرضي لكلا الطرفين.
وأَضاف بامخرمة أن مصالحات جدة أتت تتويجا للحراك الدبلوماسي السعودي النشط في منطقة القرن الأفريقي المتمثل في الزيارات المكوكية لوزير خارجية المملكة عادل الجبير، في التاسع من أغسطس 2018، إلى كل من أسمرا وأديس أبابا، ولقائه مع قادة البلدين، وكذلك زيارة وزير الدولة للشؤون الأفريقية أحمد قطان إلى جيبوتي في 30 يوليو (تموز) 2018، حيث سلَم للرئيس إسماعيل عمر جيله رسالة خطية من أخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وبهذا التتويج رسم قادة المملكة الفرحة على وجوه مواطني دول القرن الأفريقي الذين رحبوا باستعادة العلاقات وفتح الحدود بمشاعر مفعمة بالأفراح، علما بأن شعوب منطقة القرن الأفريقي يرتبط بعضها ببعض بروابط إنسانية وصلات قرابة.
المملكة بذلك لم تحقق السلام وحسب في منطقة ملتهبة سياسيا وأمنيا، وإنما ضمنت على جانب آخر استقرارا من شأنه أن يحقق الأمن الدولي على الصعيد الاقتصادي، فعبر البحر الأحمر يمر نحو 3.3 مليون برميل نفط يوميا. وقد اتجهت الدول الكبرى للتعاطي مع ذلك عبر تسريع تأسيس القواعد العسكرية لضمان مصالحها في هذه المنطقة والتي ظلت تجابه الحروب والصراعات التي نشأت بين دول القرن الأفريقي، ولم ترتبط ارتداداتها وحسب بدول المنطقة، بل شملت أيضا أمن واستقرار الأقاليم الجغرافية المحيطة والمجاورة، ومع ذلك استمرت أزماتها عقودا طويلة على حالها دون قدرة على حلحلة هذه الأزمات، حتى جاءت تحركات المملكة الدبلوماسية باتفاقي سلام؛ الأول بين إثيوبيا وإريتريا أنهى صراعا داميا تواصل عقدين من الزمن، والآخر بين جيبوتي وإريتريا أنهى قطيعة استمرت عشر سنوات.

 




 لقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود في الكرملين، في موسكو، 5 أكتوبر 2017. (أ.ف.ب - غيتي)

 

السلام... ثقافة سعودية أصيلة

العمل على تحقيق السلام مع الدول وبين الدول يشكل انعكاسا لثقافة سعودية أصيلة تقوم على احتواء التوجهات المغايرة ومقارعاتها بالفكرة والحكمة والعمل على استيعابها بعيدا عن سياسات الإقصاء أو العزل التي تمارسها العديد من دول الجوار، لذلك كانت للسفارات والقنصليات السعودية أدوار سامية رئيسية في تحقيق المصالحات والتوافقات بين الأطراف المتسارعة على العديد من الساحات الساخنة، لتعكس قيم المملكة الثابتة، وتوجهاتها التي لم تتغير ولم تتبدل لا في مواجهة الحلفاء أو الخصوم سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو دول، لذلك فإن تكريم السفراء السعوديين بعد انتهاء فترات عملهم في أغلب دول العالم، ربما يمثل التقليد السائد، نظرا لما تقوم به مؤسسات المملكة الدبلوماسية دون استثناء من أدوار لدعم الاستقرار والسلام الإقليمي والعالمي.
وقد سنت العديد من السفارات السعودية في الخارج العديد من المبادرات التي تستهدف من ناحية توحيد المواقف الإسلامية والعربية فيما يخص عددا من القضايا الدولية، كما أنها على جانب آخر شكلت عبر مبادرات «جسور» أدوار رئيسية لتحقيق الوفاق بين الفرقاء السياسيين وفق مبادئ الاحترام المتبادل والقبول بالآخر والعمل على تحقيق المصالح المشتركة، ليس وحسب انطلاقا من قيم الحوار والتعايش، وإنما أيضا انعكاسا لقيم تاريخية أرستها المملكة عبر قرون خلت في أن تمثل بعثاتها الخارجية ساحة للسلام لا للإقصاء أو استهداف الآخرين أو تعزيز التوتر، حتى في مواجهة بعض القوى الشاردة من أفراد وجماعات ودول سعت طيلة سنوات خلت للنيل من مكانة المملكة وتهديد استقرارها وأدوارها الإقليمية والدولية.
لقد أصبح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يمثل واجهة حضارية عصرية للدبلوماسية السعودية الجديدة التي تمارس دورا استثنائيا في بناء جسور العلاقات السياسية والاقتصادية العالمية. وهذا ما تؤكده نتائج استطلاع «أصداء بيرسون – مارستيلر» لرأي الشباب العربي 2018 تحت عنوان "عقدُ من الآمال والمخاوف"، ويعتبر هذا الاستطلاع المسح الشامل من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، ويهدف إلى تزويد الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني بتطلعات الشباب العربي، حيث توقع الشباب العربي، وفقا لنتائج الاستطلاع، أن يكون للأمير محمد بن سلمان تأثير أكبر على المنطقة كصانع قرار للمستقبل خلال العقد المقبل مقارنة بأي مسؤول عربي آخر.
وقد قال ضياء الدين سعيد في هذا السياق، نظرا للدور الكبير للأمير محمد بن سلمان في تحقيق هذه الإنجازات الرائعة، فقد أثبتت مصالحات جدة ما يتميز به ولي العهد السعودي من بُعد نظر سياسي ودبلوماسي، فقد تابع بنفسه بشكل دؤوب المحادثات التي سبقت اتفاقية السلام الإثيوبية الإريترية، والمصالحة الجيبوتية - الإريترية في جدة، ونجح في تقريب وجهات النظر بين قادة هذه البلدان من خلال تواصله المباشر معهم. مشيرا إلى أنه ليس ذلك بمستغرب على الأمير محمد بن سلمان؛ فهو مهندس "رؤية 2030الهادفة لتنويع الاقتصاد السعودي وإحداث نقلة نوعية تحقق الريادة العالمية للمملكة. والمتأمل في سيرة ولي العهد يدرك بوضوح أنه اجتمعت فيه الصفات القيادية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والمؤسس الملك عبد العزيز، الذي وحَّد هذه البلاد المباركة مترامية الأطراف، وأرسى فيها دعائم الوحدة والتطور والنماء والازدهار حتى وصلت المملكة العربية السعودية الشقيقة إلى ما وصلت إليه من مكانة دولية مرموقة.

 





الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش يتحدث في مؤتمر صحافي وإلى جانبه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يستمع خلال المؤتمر المشترك قبل التوقيع على اتفاقية جدة للسلام بين إثيوبيا وإريتريا، في سبتمبر 2018. (أ.ف.ب - غيتي)

 

نقاط ارتكاز تحركات المملكة على الساحات الدولية

تقوم السياسة الخارجية السعودية تاريخيا على أسس ومبادئ وثوابت محددة وهي: حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتعزيز العلاقات الخليجية العربية والإسلامية بما يخدم المصالح المشتركة، وانتهاج سياسة عدم الانحياز، وتأدية أدوار رئيسية في إطار المنظمات الإقليمية والدولية. ومع تعدد الملفات وتنوع القضايا وتشعبها وتداخلها، يتأكد للجميع أن الدبلوماسية السعودية تتحمل مسؤولية في تحركاتها الإقليمية والعربية والإسلامية والدولية.
وقد فرضت حالة الفراغ الإقليمي التي عانت منها المنطقة خلال السنوات الماضية على السعودية التدخل لحل الكثير من أزمات المنطقة ومشكلاتها، وهو ما أثقل الدبلوماسية السعودية بأعباء كثيرة تطلبت التعامل معها باحترافية وكفاءة. ارتبط ذلك بما يمكن تسميته بـ«نقاط ارتكاز رئيسية» لتحركات المملكة في محيطها الإقليمي والدولي. ومن النقاط الرئيسية في هذا السياق:

الانتشار المؤسساتي: انتشرت جهود الدبلوماسية السعودية عبر بعثاتها المختلفة لتعزيز ودعم حضورها على الساحة الدولية ومضاعفة ارتدادات قدراتها السياسية والاقتصادية. وقد زادت أهمية الدور الدبلوماسي لبعثات المملكة الخارجية، وتضاعفت المتطلبات لفتح المزيد من السفارات والقنصليات الدبلوماسية في مواقع جديدة حول العالم؛ منها مناطق كانت تخدم من مواقع أخرى، ومنها مواقع كانت تحت ظروف سياسية صعبة مثل الدول التي استقلت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، فكانت المهمات تتنوع ما بين تدشين العلاقات الدبلوماسية لأول مرة أو إعادة تنشيطها على نحو مكثف ومباشر وأكثر فعالية.
حركة المملكة في هذا السياق انسجمت مع كونها مركز الثقل في دول العالم الإسلامي، ونقطة الارتكاز في صناعة الطاقة على الصعيد الدولي، وبحسبانها أكبر منتج بترولي في العالم، وأحد أهم الاقتصاديات الناشئة، ولكونها أيضا أكبر سوق في الشرق الأوسط، وبالتالي كان لهذا الانفتاح دور مهم في تأسيس أسواق وآفاق تجارية واقتصادية واستثمارية جديدة. ترتب على ذلك أن تصاعد حضور المملكة في دول أميركا الجنوبية، ودول أوروبا الاسكندنافية، ودول أفريقيا، وكذلك دول أوروبا الشرقية.
تنويع أنماط التحالفات الدولية: توجهت المملكة، بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى تبني استراتيجيات تنويع أنماط التحالفات كخيار استراتيجي، بما أفضى إلى التوجه شرقا، حيث دشنت المملكة مرحلة جديدة من العلاقات مع كل من روسيا، والصين، واليابان، والعديد من الدول الآسيوية الأخرى. ويمكن رصد تطورات تحركات الدبلوماسية السعودية ذات التوجه السلس إلى تنوع العلاقات مع القوى الكبرى وعدم الاكتفاء بحليف استراتيجي مركزي، بما حقق لعلاقات المملكة الخارجية تطورات متصاعدة مع العديد من الدول الأوروبية. وكانت العلاقات مع موسكو قد تحولت بدورها من حالة خفوت الروابط السياسية والاقتصادية أو تراجع منسوب الرؤى المشتركة أو مستوى الأهداف المحددة إلى علاقات استراتيجية تدعمها العشرات من الصفقات والكثير من الشراكات الاقتصادية عبر مشروعات متنوعة.
وقد أعلن نائب وزير الخارجية، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، أن العمل متواصل من أجل تحضير زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى السعودية، تلبية لدعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وكان خادم الحرمين الشريفين دعا بوتين لزيارة المملكة بهدف مواصلة المشاورات على أرفع مستوى، خلال أولى زياراته إلى موسكو، وهى الزيارة التي وصفتها موسكو بأنها تمثل «نقلة تاريخية» منحت العلاقات بين البلدين دفعة قوية، وتوجت بتوقيع حزمة واسعة من الاتفاقات المهمة. وأعلن بوتين، في وقت لاحق، أنه يتطلع لزيارة الرياض لاستكمال المناقشات مع خادم الحرمين حول «تطبيق الاتفاقات التي توصل إليها الجانبان وفتح آفاق جديدة للتعاون الروسي – السعودي».
وفي 30 مايو (أيار) 2017، التقى ولي العهد السعودي وزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان، بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، واتفقا على تعزيز التعاون في قطاع الطاقة وتوثيق أوجه التعاون في الميدان السوري. وقال الأمير محمد بن سلمان: «تجمعنا أمور كثيرة. أما بالنسبة إلى نقاط الخلاف بيننا، فنعرف جيدا كيف نتخطاها ونتقدم بسرعة بمنحى إيجابي». وقد مثَّل ذلك تمهيدا غير مسبوق لزيارة الملك سلمان إلى روسيا، باعتبارها أول زيارة لملك سعودي. ووصف لافروف الزيارة بـ«اللحظة التاريخية» هذا فيما اعتبر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، زيارة الملك سلمان «نقطة تحول» في مسار التفاعلات الثنائية والإقليمية.
وتتخذ المملكة مداخل مختلفة لتعزيز علاقاتها الخارجية وأنماط تحالفاتها الدولية، إدراكا منها أن هذه المداخل تتكامل فيما بينها لتضمن مكانة المملكة على الساحة الدولية، ومثلما شهدت العلاقات مع موسكو تطورات إيجابية، فقد شهدت العلاقات السعودية – الصينية، تناميا كبيرا منذ عام 2016 بتوقيع بيان مشترك لإقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين. كما شمل التحرك الدبلوماسي السعودي بالإضافة إلى تنمية العلاقات مع القوى الكبرى، ترسيخا لمكانة المملكة ودورها عبر تكثيف جهودها في حل النزاعات، وقد اتسق هذا الدور مع ميثاق الأمم المتحدة، لتوظف المملكة من خلاله دبلوماسيتها الاستباقية لمنع تفاقم هذه الأزمات وتحولها إلى صراعات عسكرية ينتج عنها كوارث. ولهذا شاركت المملكة مهام المنظمات الدولية والدول المؤمنة بالعمل الجماعي في تحقيق السلم والأمن الدوليين.
وفي هذا السياق، فإن الرسالة الرئيسية التي عولت عليها سياسة المملكة الإقليمية والدولية تقوم، حسب الخارجية السعودية، على مبادئ وثوابت، وضمن أطر رئيسية أهمها حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتعزيز العلاقات بما يخدم المصالح المشتركة مع دول العالم، وإقامة علاقات تعاون مع الدول الصديقة، ولعب دور فاعل في إطار المنظمات الإقليمية والدولية.
يتأسس ذلك على كون المملكة العربية السعودية أحد الأعضاء المؤسسين لهيئة الأمم المتحدة في عام 1945، وانطلاقا من إيمان المملكة العميق بأن السلام العالمي هدف من أهداف سياستها الخارجية. فهي تدعو باستمرار إلى أسس أكثر شفافية للعدالة في التعامل بين الدول في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها باعتبارها السبيل الوحيد إلى الاستقرار في العالم، وتؤكد المملكة أنها تحارب التطرف والإرهاب بكافة صوره وأشكاله، وترفض بشدة خطاب الكراهية، وتعمل ضمن شراكات دولية من أجل الأمن والسلم الدوليين من خلال موقعها القيادي في العالمين الإسلامي والعربي.

 




وزير الخارجية السعودي السابق الراحل الأمير سعود الفيصل

 

الموازنة بين العمل والإنجاز: تعمل الدبلوماسية السعودية على نحو متواصل من أجل تفادى الصدام وتقليل منسوب الخلاف مع القوى الأخرى التي تتخذ مقاربات مغايرة بعضها يثير التوترات والاضطرابات، وفي هذا الإطار تسعى الدبلوماسية السعودية إلى تنشيط دورها في الملف السوري عبر خطى ملموسة ومتصاعدة. يتأسس ذلك على أن هذا الملف، رغم أهميته، قد تُرك من قبل مختلف الدول العربية لسنوات حتى تغولت فيه كل القوى الأجنبية وبعض الأطراف الإقليمية، بما فيها إيران وإسرائيل وتركيا وميليشيات ودول أخرى، بسبب تراجع الدور الأميركي في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وأيضا حتى بعد مجيء الرئيس دونالد ترامب الذي كان قد أعلن عن نيته سحب القوات الأميركية من هناك، قبل أن يعيد البيت الأبيض النظر في سياسته حيال الأزمة السورية.
تعود السعودية لتحريك دبلوماسيتها كأحد الأطراف المعنية بالنزاع السوري، ولتعزز الحضور السعودي على طاولة المفاوضات ليس كمحض ممثل للدول العربية، وإنما كطرف دولي مؤثر ومتأثر بمجريات هذا الصراع. وثمة اتجاهات تشير في هذا الإطار إلى أنه عبر البناء الدبلوماسي الثابت والمتحرك في صمت طول الأشهر الماضية تمكنت السعودية من أن تحدث تحولا نوعيا في موازين القوى الفاعلة في مسار واتجاهات قضايا الإقليم الساخنة، ومن ضمنها القضية السورية.

إعادة اصطفاف القوى العربية: بينما تسعى المملكة إلى العمل على إعادة بعث الدولة السورية كدولة موحدة تعيش جميع مكوناتها فيها بحقوق مكفولة وعادلة، فإن الحراك الدبلوماسي السعودي يستهدف إعادة توجيه العلاقات العربية حيال الدولة العرقية أيضا لمواجهة السياسات الإيرانية، وقد كانت الفصول الأولى في هذا السياق تتعلق بتدشين مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية بين الرياض وبغداد تتسم بالتنسيق الشامل في الكثير من المجالات.
هذا في وقت تسعى فيه المملكة إلى تعزيز العلاقات العربية – العربية والعلاقات العربية - الدولية لمواجهة التهديدات التي تثيرها السياسات الإيرانية في المنطقة، وتشمل أيضا كلا من اليمن وسوريا ولبنان. ربما عكس ذلك النهج الذي اتبعته سياسة المملكة الخارجية المعاكسة تماما لما ارتأته واشنطن في عهد الديمقراطي باراك أوباما. وكان للرياض دور ريادي في تنبيه واشنطن بكوارث الاتفاق النووي الإيراني، كما رفضت السعودية المشاركة في تصور باراك أوباما بتأسيس ما سماه البيت الأبيض «توازن جيوسياسي جديد» في منطقة الخليج. فقد صاغت الدبلوماسية السعودية سياسة مغايرة مع الدولة الإيرانية، وقد أسفرت تلك السياسة عن المواجهة الحقيقية للتمرد الحوثي في اليمن وما تبعه من مواجهات أخرى في المنطقة شملت سوريا والعراق ولبنان، حيث لم تترك السعودية المجال لتلعب به إيران وترسم مستقبل تلك البلدان بمفردها، على نحو يهدد الأمن القومي العربي.

مواجهة سياسات التطرف والتشدد: نجحت السعودية في مجابهة قوى التطرف والتشدد عبر صيغ ومقاربات مختلفة، ركزت على استيعاب واحتواء الفكر الآخر وإعادة ضبط وتوجيه أنماط توجهاته عبر الحوار وتعزيز الوسطية والاعتدال، وعلى الساحة الخارجية دشنت دبلوماسية المملكة التحالفات من أجل مواجهة قوى التطرف والغلو. وعلى صعيد علاقات المملكة مع القوى الدولية نجحت الدبلوماسية السعودية في تحقيق حدث غير مسبوق، عبر استضافة القمم الدولية الثلاث المتتالية في أضخم وأكبر وأهم تجمع سياسي على مستوى العالم عقد خارج مقر الأمم المتحدة، والتي احتضنتها الرياض، وهى: القمة السعودية - الأميركية، والخليجية - الأميركية، والعربية - الإسلامية - الأميركية، تخللها إطلاق مركز دولي لمكافحة التطرف (اعتدال)، بحضور واسع من قادة ورؤساء الدول المشاركة، فأثبتت المملكة للعالم أن قيادتها حكيمة، بريادتها للعالمين العربي والإسلامي، وأنها ركيزة أساسية لترسيخ السلم العالمي.
جسد ذلك سياسات السعودية ودبلوماسيتها لدعم الأمن الإقليمي والدولي، حيث جاء تشكيل التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب بقيادة المملكة، وكذلك تأسيس مركز عمليات مشتركة بالرياض لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب ولتطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم تلك الجهود، وتعزيز قدرة وكفاءة الأجهزة الأمنية حتى تقوم بدورها عبر عمليات استباقية وملاحقة وتفكيك شبكات وخلايا إرهابية.

 




وزير الخارجية السعودي عادل الجبير

 

«الندية الدبلوماسية»: تتراوح العلاقات بين القوى الإقليمية والدولية حدي التحالف والمجابهة بأشكالها وأنماطها وأدواتها المختلفة، وقد واجهت المملكة العديد من السياسات العدائية من قوى إقليمية ودولية مختلفة. وعانت علاقات السعودية مع كل من ألمانيا وكندا وتركيا من بعض التوترات التي تراوحت ما بين التوترات المنضبطة أو المواجهات السياسية والإعلامية المباشرة. ومع ذلك أثبتت المملكة أنها تتمتع بسياسات متزنة في مواجهة التهديدات ومحاولة الضغط، لتعود العلاقات بين الرياض وبرلين إلى وتيرتها الطبيعية وتتراجع حدة التوترات السعودية – الكندية نسبيا، في ظل سياسات المعاملة بالمثل التي تتبعها المملكة.
وكانت الرياض استدعت سفيرها في برلين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 احتجاجا على تصريح أدلى به وزير الخارجية الألماني في حينه سيغمار غابرييل تعرض فيه إلى سياسات المملكة حيال الدولة اللبنانية ورئيس الوزراء سعد الحريري. بيد أن عدم صدقية هذه التقديرات دفعت وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إلى عقد اجتماع مع نظيره السعودي عادل الجبير على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك قال في أعقابه إن «علاقاتنا شهدت خلال الأشهر الماضية خلافات ناجمة عن سوء فهم تتناقض بشدة مع العلاقات القوية والاستراتيجية التي تربط بيننا، ونحن نأسف حقا لذلك».
ومن جهته، لفت الجبير إلى «الدور القيادي للبلدين في الأمن والاقتصاد الدوليين»، ودعا نظيره الألماني إلى زيارة المملكة «في أسرع وقت ممكن» لإعطاء دفعة جديدة للتعاون الثنائي بين البلدين. ساهمت السياسات السعودية في إعادة ضبط وتيرة العلاقات مع أسبانيا بعد محاولة الأخير التدخل في السياسات السعودية. وقد عُرفت المملكة العربية السعودية بأياديها البيضاء لدعم التنمية في الدول النامية، وذلك من خلال مؤسساتها المانحة، وعلى رأسها الصندوق السعودي للتنمية الذي يسهم في تمويل المشاريع الإنمائية وتطوير البنى التحتية في كثير من البلدان عبر العالم.
إن الدبلوماسية السعودية أضحت تعكس تنامي قدرات المملكة وطبيعة المبادئ التي تتمتع بها وتلتزم بها. يأتي هذا في توقيت صعب، في ظل حجم التحديات التي تواجه الإقليم وتصوغ العلاقات بين أقطابه وتجعل مختلف الأدوات بصرف النظر عن طبيعتها متاحة، وبينما تتعاطى المملكة مع ذلك بجدية وندية، فإنها في الوقت نفسه معنية بإحداث نقلات وتحولات غير مسبوقة في قدراتها الاقتصادية واستغلال ارتدادات تلك السياسة لتعزيز مكانة المملكة على الساحة الدولية كصانع سلام رئيسي، وليست اتفاقيتا السلام بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وإريتريا وجيبوتي من جهة أخرى، ليستا إلا مثالا عما تحمله هذه الدبلوماسية من قيم وما تمثله من مبادئ وما تسعى إليه من أهداف.


اشترك في النقاش