سطيف الجزائرية تحيي أسطورة الجازية وتحتفي بالحكاية الشعبية

تحت شعار «نحكي، نستلهم ونستشرف»:
•الحكاية الشعبية تعدُّ إحدى أهم ركائز التراث الشعبي اللامادي في الجزائر... وتختلف باختلاف اللهجات والمناطق.
• الاشتغال الثقافي والتأويلي للحكاية الشعبية العربية لم يحظ بالعناية الكافية من الدرس والبحث على الرغم من أهميته.
• الباحثة الليبية نيفين الهوني: الحكايات الشعبية بأشكالها المختلفة في كامل التراب الليبي كانت وستظل من أهم مصادر التراث الشعبي، والمقاوم لحكم الدولة العثمانية.

الجزائر:تحت شعار «نحكي نستلهم ونستشرف» احتضنت محافظة سطيف، عروس الشرق الجزائري، الملتقى العربي الأول للحكاية الشعبية، بمشاركة عدة دول مغاربية مثل: تونس والمغرب وليبيا، وكان الموعد لثلة من الأدباء والكتّاب والباحثين والحكواتيين لاستكشاف واستحضار معالم هذا الإرث العربي العريق.

احتفاء سطيف بالحكاية الشعبية العربية جاء بمبادرة من جمعية (النبراس الثقافية) وهي جمعية ثقافية محلية لها العديد من الإسهامات في تطوير وتنشيط المهد الأدبي الجزائري، وبمساهمة وزارة الثقافة.

 




نبيل غندوسي


يوضح رئيس جمعية (النبراس الثقافية) نبيل غندوسي لــ«المجلة» أن «الحكاية الشعبية تعدُّ إحدى أهم ركائز التراث الشعبي اللامادي في الجزائر، على غرار بقية الأمم الأخرى، كما أن للحكاية الشعبية تواجدا قديما ضاربا في أعماق المجتمع الجزائري عبر العصور، وتمظهرت في حكايات الجدات والأجداد، حاملة في طياتها عادات وتقاليد وخصوصيات الجزائريين، بعبرها وفنياتها ولهجاتها، وذلك ما انعكس في تلك الفضاءات التخييلية التي كانت تحتلها الحكايات الشعبية في مخيال الطفولة الغرائبيّ العجائبيّ، بكل أبعادها التثقيفية والتربوية والجمالية».

لذلك كان الهدف من الملتقى الذي عقد يومي السبت والأحد الماضيين بدار الثقافة (هواري بومدين) بسطيف، حسب رأي غندوسي «استثمار الحضور الكبير، الزاخر والفعال للحكاية الشعبية، وتتبّع تأثيره في المخيال الجمعي الجزائري، في أنحاء مختلفة من الوطن وبلهجات عديدة تعكس خصوصيات وتصورات كل منطقة، مما يبرهن فعلا على أن الجزائر ذات تنوع ثقافي كبير ممثلا في حكاياتها الشعبية، مع فتح باب المقارنة بين الحكايات الشعبية الجزائرية مع نظيراتها العربية والعالمية، من حيث الفنيات والموضوعات والمحمولات الفكرية والتربوية والتاريخية لها».

وكشف عن التأسيس لمشروع جمع الحكايات الشعبية الجزائرية، وتصنيفها وطبعها وتقديمها للقراء، داخل الجزائر وخارجها، وذلك للتعريف بها، بوصفها وجها من وجوه التراث المحلي الجزائري.  

الباحث بالمعهد العالي للغات بقابس التونسي الدكتور سفيان المسيليني يبرز أن «الاشتغال الثقافي والتأويلي للحكاية الشعبية العربية لم يحظ بالعناية الكافية من الدرس والبحث، على الرغم من أهميته، إذ إن جل الدراسات الخاصة بالحكاية الشعبية العربية ركزت على منهجية التحليل الشكلاني والبنيوي الجمالي في رصد الوظائف والبنى وأغفلت جانب المعنى في ارتباطه بالأنظمة الثقافية لهذا النوع السردي الشعبي الشفاهي وما يستتبع ذلك من اشتغالات تأويلية»، واستثنى الباحث بعض الدراسات الجادة من حكمه هذا على غرار دراسة الباحث الجزائري المعروف عبد الحميد بورايو للحكايات الخرافية للمغرب العربي، وهي «دراسة تحليلية في معنى المعنى عن طريق منهجية رُوعي فيها التجانس والتدرج بين مختلف مستويات خطاب الحكاية الخرافية واستخراج المعنى الذي لا يبين عن نفسه دفعة واحدة، وإنما يتبع استكشافه شيئا فشيئا من خلال تحليل يتميز بنوع من الصرامة ومراعاة الخصائص الذاتية للخطابات وربطها بالمحيط الثقافي الذي أنتجها وتداولها».

وعلى المستوى العربي تبرز حسب الباحث «إشكالية كبرى هي لغة تدوين الحكايات الشعبية بين المحكيات الشعبية واللغة العربية الفصحى ودور التأويلات الثقافية للسرديات الشعبية ودور التداول الثقافي في التوالد المستمر واللانهائي لهذه السرديات الشعبية رغم محاولات التدوين الكتابي لتثبيت الشعبي في صورة نهائية».

يشير الباحث الجزائري سعي خالد في مداخلته (الحكاية الشعبية التارقية... كدية الجنون وواد الحنة) إلى أن التسمية للحكاية الشعبية تختلف في الجزائر وذلك حسب اللهجات والمناطق فالقبائلية تطلق عليها اسم «ثيموشوها» وبالتارقية «تنقيست» أو «تنقاس»، ورغم الاختلاف في التسمية إلا أنها تتحد في الشكل والمضمون والهدف، يحدد عنوانها بأهم العناصر البارزة في الحكاية كاسم البطل أو المكان أو الموضوع الذي تعالجه، ويسمي المجتمع الجزائري عمله «حكيا» أو «قصا» و«تخريفا» فيقال «يحكي» أو «يقص» أو «يخرف» و«يحاجي» وجميعها تحيل للغرض نفسه وهو نقل خبر أو إعادة نقله مشافهة كان أو كتابة.

والحكايات حسب سعس «بمجملها قديمها وحديثها من كنوز المعرفة التي لا تقدر بثمن، فمضمونها وقف على تاريخ الإنسان، لذلك تعد مصدرا خصبا من مصادر دراسة تفكير الشعوب، ورؤيتها للكون، ومعرفة مواقفها من القضايا الجوهرية».

والفرق بين الأسطورة والحكاية الشعبية حسب سعس هي أن «الأولى تنقل أحداثا مذهلة لا يمكن أن يصادفها أحد منا، وعلى النقيض من ذلك الحكاية الشعبية التي رغم كونها خيالية فإنها تقدم أحداثا يمكن أن يصادفها أي إنسان، والأساطير غالبا ما نجدها مأساوية، أما الحكايات الشعبية فتكون سعيدة».

القائمون على هذا المتلقى اختاروا (الجازية) لتكون عنوانا لهذا المحفل الأدبي، و(الجازية) حسب الباحث التونسي سفيان المسيليني هي الشخصية الأسطورية الأساسية التي تسيطر على (السيرة الهلالية) والتي تقصّ بأسلوب شعري (تغريبة) أعراب بني هلال وبني سليم بعد سبع سنوات من الجدب في هضاب نجد إلى مشارف أفريقيا وزحفهم عليها واستيطانهم بها.

وتعدُ (السيرة الهلالية) بحلقاتها الثلاث (الريادة والتغريبة وديوان الأيتام) حسب المسيليني «السيرة الشعبية الأكثر انتشارا في الوطن العربي، إذ تمتد دائرة السرد الهلالي لتشمل المنطقة الواقعة من العراق شرقا إلى المغرب غربا، ومن سوريا شمالا إلى جنوب الجزيرة العربية والسودان جنوبا، وقد وجد بعض الباحثين قصصا لا تزال تردد في مناطق بغرب نيجيريا وحول بحيرة تشاد وبلهجات اللغة العربية المحلية هناك».

والجازية هي سيرة شعبية لامرأة ولدت بصحراء نجد أوائل القرن الرابع الهجري، ونسبها يرجع لدريد أحد بطون بني هلال، وزوجها الأول الأمير شكر أبو الفتح شريف مكة، وهي من  الشخصيات المحورية في السيرة الهلالية والتي تمثل وثائق نفيسة بالنسبة للذاكرة الجماعية، وهي تمثل مرجعا ثريا حول اللهجات العربية والحياة الاجتماعية والأخلاق الجماعية وحول صورة المرأة في تلك القبائل، وهي أنموذج للمرأة الذكية الجميلة المحاربة.  

المسيليني سرد قصة (الجازية) أو (المرأة الهلالية التي صنعت تاريخ الرجال) وذكر أنها «كانت ذات حسن فائق، ولتألق جمالها وسط شعرها الأسود الكثيف الذي يغطي جسدها حتي يصل إلى قدميها كان الكثيرون يطلقون عليها اسم نور بارق، ورغم تنافس العديد من أبطال القبيلة للزواج منها فإنها لم تكن تهتم بتحقيق سعادتها الشخصية وتؤثر مصالح قومها على عواطفها ورغباتها الذاتية فآثرت الزواج بالأمير شكر لمصلحة القبيلة، ولعبت دورا كبيرا في حياة قبيلتها بتحقيق المصالحة وإنهاء الخصومات بين زعمائها، والمساهمة بالرأي حين يختلف قادتها، وشاع اسم (الجازية) الذي يعني المحور الذي يربط وينسق بين حركات وأجزاء الساقية».

وفي ورقتها (صوة المرأة من خلال بعض الحكايات الشعبية المغربية) سلطت الباحثة المغربية ثريا أحناش الضوء على صورة المرأة المغربية في الحكاية الشعبية، وكشفت أحناش أن «أشهر الأدوار التي أسندت إلى المرأة داخل الحكاية الشعبية المغربية هو دور البطلة أو الأميرة التي يهواها البطل، ويسعى جاهدا إلى تخليصها من القوى الشريرة، سواء من بين أيدي الأشرار أو فـك السحر المعمول لـها، أو فك الألغاز التي تطرحها وذلك للزواج منها وتكوين أسرة سعيدة في نهاية المطاف».

ومن الحكايات المثيرة التي ترويها الباحثة المغربية، والتي تقول إنها سمعتها على لسان جدتها قصة (لونغا)، وهي قصة معروفة بين سكان المغرب العربي، وهي قصة لامرأة فائقة الذكاء، تتميز بذاكرتها القوية رغم كبر سنها، وهي حكاية طويلة مليئة بالشخصيات، وبالأحداث المثيرة تحمل بين ثناياها العديد من العبر والمواعظ.

الباحثة الليبية نيفين الهوني أكدت أن «الحكايات الشعبية بأشكالها المختلفة في كامل التراب الليبي كانت وستظل من أهم مصادر التراث الشعبي، والتاريخ الشفهي للبلاد والمقاوم لحكم الدولة العثمانية، ولعل أبرز أشكال المقاومة كانت الحكواتي وخيال الظل ومسح العرائس الذي كان الليبيون بوسائلهم البدائية يستخدمونه لنقد التجاوزات والأخطاء والتعبير عن رفضهم لكل أشكال الظلم والعسف والجور، كما استخدمت نفس الأساليب لمن جاءوا بعدهم»، إلى أن وصلنا- تقول الباحثة: للاحتلال الإيطالي، «ورغم تطور الحكاية الشعبية الليبية فإنها ظلت تحمل القيم والمعطيات الثقافية المعرفية التي تتضمنها، وهي معطيات تربوية ونفسية وتاريخية واجتماعية متعددة ومركبة، ومن خلالها يمكن معرفة الظروف الاجتماعية وحياة الناس في القحط والرخاء»، فهي- تتابع الباحثة- «تاريخ شفهي لليبيين».

وتضيف الهوني أن «الحكاية الشعبية شكلت الركيزة الأساسية لبناء القصة الأدبية والرواية في ليبيا، لما تملكه الحكايات الشعبية من جماليات ودقة للوصف والتصوير والحبك الدرامي».

وأبرزت الباحثة أهمية طرح مشروع لجمع الحكاية الشعبية وتسجيلها ودراستها وحفظها، حتى لا يندثر هذا التراث الشعبي الذي بدأت نتائج افتقاده تظهر على الجيل الجديد، واعترفت أن «هذا المشروع ليس بالأمر الهين اليسير خاصة أنه يأتي في وقت متأخر قليلا»، فلم تعد ذاكرتنا- تقول نيفين: «نستطيع تذكر التفاصيل التي روتها لنا جداتنا على مدار سنوات وسنوات ونحن لم نكن نوثق كل شيء سواء بالكتابة أو بأدوات التسجيل المتعارف عليها الآن، وما يزيد من صعوبة الأمر تلوث واختلاط تلك التفاصيل المتصلة بهذه الحكايات الشعبية بما اطلعنا عليه من حكايات وروايات عالمية، ما يتطلب مجهودا كبيرا للتركيز والفرز»، ورغم هذه الصعوبات فإن الباحثة تؤكد أنه «في ليبيا لا زال من يحاول أن يجمع ويوثق ويحفظ للأجيال القادمة حقا في الاطلاع على موروثه الثقافي المتنوع وأهمها مختلف الحكايات الشعبية المعبرة عن تاريخ مشرق وثقافة أدبية وسلوكية وأخلاقية زاخرة بكل القيم الجميلة».

وعن واقع ورهان الحكاية الشعبية في الجزائر، يؤكد الناقد والأستاذ الجامعي الجزائري مبروك دريدي لـ«المجلة» أن «الحكاية الشعبية في الجزائر حاضرة ككل الفنون الـشعبية الجزائرية ولكن بدرجات متفاوتة»، ربما الشعـر على حـد قوله «يجد بعض الاهتمام، لكن الفنون الأخرى التي ليس لها مقام الشعر مثل اللغز والأحجية أو مختلف النصوص الدفينة في الحافظة في الذاكرة الشعبية تعاني من مساحات الظلام، هي موجودة ولكن بانحسار وانكفاء وتراجع المجال التداولي لها في شكل الذين كانوا يحفظونها ويرددونها في مقامات اجتماعية معينة كالسوق باعتبار السوق فضاء أنثروبولوجيا كالبيت والمناسبات الاجتماعية»، وأوضح دريدي أن «انحسار هذه الفضاءات أثر عليها سلبا بمعنى إذا كان لا بد من إيجاد فضاءات بديلة حداثية مثل ما هي عليه الفضاءات الثقافية والإعلامية لتعيد الاهتمام بها بأشكال جديدة» لكن للأسف، يتابع: «نجد هذا الاهتمام لكنه لا يرقى إلى ما تستحقه هذه المواد التي تدخل في صميم بنية الهوية والشخصية الوطنية، وتحافظ على ذاكرتنا، وتؤدي وظيفة الارتكاز عليها من أجل مواصلة التدفق في الزمن أقصد تدفق الأجيال واستمراريتها». 

صحيح أن هناك- يوضح دريدي: «بعض الاهتمامات في مستويين، الأول أكاديمي يعنى بجمع هذه النصوص ودراستها، ومستوى جماهيري ثقافي تعنى به بعض المؤسسات الثقافية»، لكن في تصوره «كل هذه الجهود لا تصل بعد إلى درجة مقنعة من حيث الاهتمام». إذن ما هو الرهان؟ يتساءل دريدي، ويجيب عن سؤاله بقوله: «الرهان هو مأسسة أو صناعة مؤسسات ذات كفاءة ومبنية على استراتيجيات واضحة في مقدماتها ومنطلقاتها وأهدافها لأرشفة وجمع والاعتناء بهذه المواد، ومن هذا الأرشيف يمكن للباحثين استثمار هذه المواد لأنها ليست موجهة حصرا للتداول الجماهيري أو التداول الفني فقط بل قد تستخدم هذه المواد في استلهامات واقتباسات لفنون أخرى كالمسرح والسينما والدراما ومختلف الفنون كالتشكيل والموسيقى الموجودة بقوة في هذا التـراث الشعبي الجزائري الضخم المفتوح أفريقيا وعربيا ومتوسطيا».

وحذّر دريدي من أن «تكون العناية التي تحظى بها هذه المواد، أي الحكاية الشعبية، بالعناية الانفعالية والاحتفالية فقط»، وإنما يجب أن تكون برأيه «عناية ممنهجة ومؤسسة يضطلع بها عارفون ومهتمون يتمتعون بكفاءة منهجية، ومتسلحون بأدوات علمية وأكاديمية لبناء استراتيجية وطنية تتقاطع مع شتى المعارف والفنون الأخرى».

 

 


اشترك في النقاش