التهريب تجارة رائجة في تونس

ساتر ترابي على طول الحدود التونسية مع ليبيا وآلاف الملفات أمام القضاء
مداخيل بالملايين يومياً... والشباب يفضلون التهريب على الوظيفة والراتب الشهري.
المهرب والتاجر والمستهلك مستفيدون على حساب المنتج المحلي وخزينة الدولة.
الحكومة تدعم المواد الغذائية... والمهربون يبيعونها في ليبيا.
البنزين المهرب يباع على قارعة الطريق... وأسواق علنية لتغيير العملات في مدن الجنوب.
حمير بلا مرافق تهرب السلع على الحدود مع الجزائر ليلا، وسيارات بلا أضواء في الصحراء.
أعوان الأمن والجمارك عرضة للعنف والدهس والاستيلاء على السلاح.
التهريب: جريمة منظمة ومتطورة تتعاطاها شبكات وعصابات مختصة

تونس:يعتبر تهريب السلع والبضائع عبر الحدود التونسية، دون المرور بمكاتب الديوانة (الجمارك) أو دون التفطن لها، ظاهرة قديمة، بدأت تعرف منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وكان يسيطر عليها بعض مراكز القوى في عهد الرئيس زين العابدين بن علي ، وبتسهيلات كبيرة من الجهات المختصة، واستفادوا منها كثيراً.
وبعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، ازدهرت الظاهرة بسبب الانفلات الأمني والوضع الإقليمي الهش، خاصة في الجارة الجنوبية ليبيا، علماً بأنّ لتونس حوالي 10 معابر برية و6 موانئ و6 مطارات مفتوحة على العالم، بالإضافة إلى 1300 كلم من السواحل البحرية، فيما تمتد الحدود التونسية الجزائرية على طول 1064 كلم ويبلغ طول الحدود التونسية الليبية 564 كلم. كما ساهم واقع الفقر والتهميش الاجتماعي في المناطق الحدودية ورغبة الجميع في الكسب السريع، وحتى الإثراء، في ارتفاع أعداد المشتغلين بالإتجار غير القانوني، ليصبح جريمة منظمة ومتطورة تتعاطاها شبكات وعصابات مختصة...
وتعيش من التهريب اليوم آلاف العائلات التي تعودت على تعاطي هذا النشاط الذي يدر عليها أرباحاً كبيرة، لا يمكن أن توفرها الوظيفة المحكومة براتب شهري، مواجهين مخاطر حقيقية جراء محاولات الإفلات من رقابة أجهزة الأمن والجيش والديوانة (الجمارك).

 




شراء الوقود المهرب من بائع على جانب الطريق.

 


ورغم أنّ نسبة هامة من المهربين قد دفعت إلى هذا النوع من النشاط دفعاً بسبب البطالة والفقر وعدم وجود فرص عمل، فإن مغريات كثيرة تشجع على ذلك، مثل سهولة الربح دون بذل جهد كبير، وبالتالي سهولة الإثراء بطريقة سريعة لا يمكن أن تتوفر في حالة العمل المؤجر والمرتبط بوظيفة وراتب شهري، ذلك أنّ الأرباح المتأتية من التهريب غير محدودة وتحسب بالملايين يومياً، ويبقى الأهم بالنسبة إلى المهربين هو الإفلات من عيون الرقابة وتجنب حجز السلع وعقوبة الإيقاف والسجن، فضلا عن مخاطر حوادث السير بسبب السرعة، خصوصاً عند المطاردة الأمنية؛
فالمهربون الذين ينشطون عبر الحدود البرية يواجهون مخاطر حقيقية ويسلكون مسالك وعرة، إما في الصحراء (في الجنوب)، وإما في جبال الجهة الغربية المحاذية للجزائر، خاصة محافظات القصرين والكاف وجندوبة المعروفة بالجبال والغابات الكثيفة. فمهربو البنزين من ليبيا إلى تونس يسلكون دروبا ومسالك صحراوية وعرة ويفضلون الليل غالباً للاحتماء بالظلام ويعمدون إلى إطفاء أضواء السيارات حتى لا ينتبه لهم عون الأمن والرقابة العسكرية أو الديوانة التي يعرفون غالباً أماكن وجودها، كما يستعين المهربون بأجهزة الاتصال الحديثة وبأشخاص يتولون عمليات استكشاف الطريق أمامهم، وهو عمل تقوم به 3 أو 4 سيارات تسير أمام السيارة أو الشاحنة التي تحمل مواد مهربة للتنبيه إلى وجود مراقبة أمنية. كما يستعمل المهربون حميرا مدربة على قطع الحدود الجبلية وتتولى حمل السلع دون مرافق والمرور عبر مسالك وعرة لا تطالها عيون الأمن، خصوصاً أنّ هذه الحمير تقطع الحدود ليلا، غير أن كل أجهزة الرقابة تعرف حيل المهربين وما يناسبها من حلول.

 




مهربون تونسيون يقومون بصرف العملات وبيع النفط المستورد من ليبيا بشكل غير قانوني، وذلك على بعد حوالي 40 كلم غربي الحدود التونسية الليبية. (أ.ف.ب)


ويؤكد العارفون بملف التهريب أنّ البضائع المهربة تمر أيضا (سواء إلى داخل البلاد أو إلى خارج الحدود) عبر النقاط الرسمية (الموانئ والمطارات ونقاط العبور الحدودية المعروفة)، وتمر إما لأن عون الديوانة (الجمارك) لم يتفطن لها، لأنها مخفية بدقة (مخدرات، جواهر، أموال، أسلحة...) وإما لأن التفتيش لا يكون دقيقاً ولا يشمل كل محتويات الشاحنات المحملة بالسلع. وتعرض المواد المهربة في أسواق خاصة تعرف عادة باسم «سوق ليبيا»؛ نسبة إلى مصدر هذه السلع، وتباع بأثمان منخفضة، وهو ما يجعل الإقبال عليها كبيراً رغم ضعف الجودة وأضرارها شبه المؤكدة على صحة مستعمليها، ونقصد هنا مواد التنظيف والتجميل وحتى بعض المواد الغذائية المصبرة أو المعلبة. وتشمل قائمة المواد المهربة أيضا البنزين القادم سواء من ليبيا أو الجزائر ويصل الفارق في الثمن بين البنزين المحلي والبنزين المهرب إلى داخل الحدود إلى الضعف، وهو فارق مغرٍ للمستهلك ومشجعٌ على استهلاك هذه المادة المهربة والتي تباع على قارعة الطريق في المدن والقرى المنتشرة جنوبي البلاد قرب الحدود مع ليبيا، وكذلك في مدن الشريط الحدودي الغربي القريب من الجزائر، ويتولى متعاطو تهريب المحروقات تخزين هذه المادة الخطرة في مستودعات ومخازن ودكاكين معدة للغرض، وحدث أكثر من مرة نشوب حرائق في هذه المخازن.

 




حميد (28 عامًا)، عاطل عن العمل، لعائلة مكونة من ستة أشخاص من ذوي الإعاقة، يجلس على كرسي متحرك في منزله جنوبي تونس (رويترز)


كما تشمل حركة التهريب أيضا الثروة الحيوانية (أغنام وأبقار) خاصة مع الجزائر، ويقول العارفون بظاهرة تهريب الحيوانات إن اتجاه الجزائر/ تونس مهم في تجارة الأغنام والخرفان، خاصة خلال الأشهر التي تسبق عيد الأضحى، بسبب انخفاض أسعار الخرفان في الجزائر، مقارنة بواقع الحال في تونس، فيما يكون الاتجاه العكسي (تونس/ الجزائر) مهماً للأبقار، وذلك على مدار السنة، وهو ما يعتبره كثيرون في تونس أحد أسباب ضعف قطيع الأبقار ونقص مادة الحليب.
ومن المواد المهربة بصفة موسمية أيضًا مكيفات الهواء وأجهزة التبريد التي يزداد الإقبال عليها في بداية الصيف وتهرب إلى الداخل التونسي قادمةً من الجزائر، فيما تنشط حركة تهريب المشروبات الغازية باتجاه التراب الليبي.
من جهة أخرى يرى رجال الأعمال والصناعيون وكبار التجار أن التهريب يضر بمصالحهم وبالاقتصاد المنظم، وأنّ المستفيد من التهريب هم المهربون وتجار التفصيل الذين يبيعون السلع المهربة، بالإضافة إلى المستهلك الذي يستفيد من خلال شراء هذه البضائع بأسعار منخفضة...
ويمثل قطاع المواد الكهرومنزلية (أجهزة التبريد والغسل والتلفزة والهواتف والمكيفات وغيرها) أكثر القطاعات تضررا، وهي معدات قادمة عبر الحدود الجزائرية والليبية وتعرف إقبالا كبيرا، نظرا لانخفاض أسعارها، مقارنة بأسعار السوق المنظمة.
 




سيارات تحمل بضائع مهربة على الحدود التونسية الليبية

 

كما تتضرر من التهريب أيضًا المؤسسة الوطنية المنتجة للسجائر (الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد) بسبب تجارة السجائر الوافدة من البلدين الجارين، الجزائر وليبيا، بطرق غير قانونية، وبالإضافة إلى ذلك يتضرر أصحاب محطات بيع البنزين، بسبب انخفاض أسعار المحروقات المهربة، والتي تباع على قارعة الطرقات وفي محلات يراها المكلفون بالمراقبة سواء في الجهة الجنوبية القريبة من الحدود الليبية أو الجهة الغربية القريبة من الحدود الجزائرية. ويحرم الاقتصاد التونسي نتيجة ذلك من مداخيل كثيرة يفترض أن تذهب إلى الخزينة في شكل أداءات جبائية، علما بأن مهربي كل المواد لهم هامش ربح كبير ولا يدفعون ضرائب للدولة ولا تغطية اجتماعية للعاملين معهم.
وتنشط أيضا إرتباطا بالتهريب عمليات تغيير العملة خارج البنوك وخارج الإطار القانوني أي في سوق مالية عشوائية لها آليات عملها، وهذا متعارف عليه في بن قردان خاصة، وبدرجة أقل في المدن الجنوبية، مثل مدنين وتطاوين، فتجد الجنيه الليبي والدينار التونسي إلى جانب الدولار واليورو، لدى أفراد يستفيدون من عمليات تبديل العملات في محلات خاصة لصرف العملة، ويجنون أرباحاً طائلة على حساب البنوك القانونية والاقتصاد التونسي الذي تضرر كثيرًا من هذا النشاط، وتحرم خزينة الدولة من الأداءات التي يمكن أن تتمتع بها لو لم يتم الصرف في البنوك.
ويتضرر الاقتصاد التونسي أيضا من تهريب السلع التونسية المدعمة إلى خارج الحدود، ذلك أنّ الدولة تدعم هذه المواد لتستفيد منها الفئات الفقيرة (العجين بأنواعه، الحليب، السكر، الزيت...) فإذا بالمهربين يبيعونها إلى نظرائهم في خارج الحدود التونسية، وخاصة داخل التراب الليبي، فيستفيد المهرب ويتضرر الاقتصاد ويحدث في أحيان كثيرة أنّ ينقص تزويد السوق التونسية ببعض هذه المواد بسبب تهريبها إلى ليبيا التي تغطي نسبة كبيرة من حاجياتها الغذائية من تونس، سواء عن طريق التوريد القانوني المنظم أو التهريب...

 




المهربون التونسيون يحملون براميل نفط، استوردوها بصورة غير قانونية من ليبيا إلى تونس، قبل بيعها على جانب الطريق (غيتي).


كل هذا يقتضي حلولا توقف النزيف وتحمي الاقتصاد التونسي والمنتج المحلي والصناعيين التونسيين، لكن إذا علمنا أنّ عدد المتعاطين للتهريب والمستفيدين منه بشكل مباشر أو غير مباشر يحسب بمئات الآلاف، فإن المنطق يفرض التفكير أيضا في حلول بديلة لتشغيل هؤلاء بخلق المشاريع والنهوض بالمناطق الحدودية وتشغيل أبناء هذه المناطق وغيرها وتمكينهم من الأموال اللازمة لتشجيعهم على إحياء مشاريع منتجة وقادرة على المساهمة في تشغيل الشباب، بالإضافة إلى أسواق ومحلات لترويج المنتجات المحلية والموردة عبر المسالك القانونية باعتبار أن التجارة الموازية وبيع السلع المهربة موجود في كل المدن، غير أن المعنيين الذين تعودوا على جني أرباح طائلة تصل إلى عشرات الملايين كل شهر لن يرضوا براتب لا يتجاوز الألف دينار في الشهر في أحسن الحالات، وهذا ما يؤكده سكان المدن القريبة من الحدود.
وقد فكرت الحكومات التي تعاقبت منذ 2011 في إيجاد الحلول والحد من الظاهرة، لكن ذلك ليس بالسهل ويتطلب جرأة، ويرى الخبراء أنّ الأمر يقتضي تجريم التهريب كما حصل مع الإرهاب، والضرب بيد من حديد لوقف نزيف الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد.

 




حمار ينتظر تحميله بالبضائع لتهريبها عبر الحدود التونسية الليبية.
 

 


فرغم أن الجميع يعي مخاطر التهريب على البلاد وعلى اقتصادها المنهك، فإنه لا وجود لقانون يجرم التهريب، فقط هناك مجهود وطني لمقاومة التهريب، تقوم به قوات الأمن وحرس الحدود والديوانة (الجمارك)، في نقاط العبور وعلى الطرقات، وكذلك وزارة التجارة بمراقبة الحدود وملاحقة المهربين، ولكن في ذات الوقت يدرك الجميع أنّ التهريب يمثل مورد رزق مئات آلاف العائلات وأن القضاء النهائي والتام على التهريب هو قضاء على مواطن عمل هذه العائلات، وهناك أيضا نصوص قانونية معقدة ومشتتة والمفروض تجميعها في قانون موحد وتجميع جهود المراقبة والمقاومة ضمن هيكل واحد يتولى تنظيم جهود الوقاية والردع ويطبق الحلول والإجراءات الضرورية والمناسبة للحد من التأثيرات السلبية للتهريب على الاقتصاد.
غير أنّ تشديد الرقابة يستوجب أيضا دعم نقاط العبور القانونية (الموانئ والمطارات والمعابر البرية) بالإمكانيات التقنية الحديثة والضرورية للكشف بالأشعة وفتح الانتداب لتعزيز العدد الحالي من أعوان الجمارك وإحكام تنسيق العمل مع الأجهزة الأمنية لتكثيف المراقبة على الطرقات فضلا عن التركيز على العمل الاستخباراتي والكشف عن المخازن الكبرى ومداهمتها وحجز ما فيها من سلع وتشديد العقوبات على كبار المهربين، خصوصا الذين لم ينقطعوا عن هذا النشاط رغم معاقبتهم أكثر من مرة.

 




حرس الحدود الليبي يغلق الحدود الليبية التونسية في وجه مهربي النفط


ويذكر أن المنظمة العالمية للديوانة (الجمارك) لم تنقطع عن دعم ومساندة الديوانة التونسية في جهود الرقابة والوقاية من التهريب، خاصة من حيث تكوين الأعوان وتحسين قدراتهم، وقد ساهم الساتر الترابي المقام حديثا على طول الحدود بين تونس وليبيا في الحد نسبيا من التهريب بالإضافة إلى الاستهداف المبكر للسفن التجارية وسفن المسافرين قبل رسوها بالموانئ التونسية والتعرف على إمكانية وجود مواد مهربة على متنها...
وقد ساهمت الجهود المبذولة لمقاومة التهريب في الحد من عدد الملفات التي أحيلت إلى القضاء والتي بلغ عددها 5200 قضية رفعها الحرس الديواني منذ بداية السنة الجارية (2018) مقابل نحو 10 آلاف ملف في الفترة نفسها من السنة الماضية، وهو تحسن ملحوظ ينتظر أن يتدعم أكثر فأكثر، غير أنّ هذا لا يجب أن يخفي ما يتعرض له أعوان الجمارك من اعتداءات (57 اعتداء هذه السنة) تصل إلى العنف ومحاولة القتل والدهس واسترجاع السلع المحجوزة باستعمال القوة وحتى محاولة الاستيلاء على السلاح، ويهم الأمر أعوان الأمن وأعوان الديوانة.
ويظل تشديد الرقابة وتكثيفها إلى جانب توفير الإمكانيات المادية والبشرية لمكافحة الظاهرة غير كاف، إذ لا بد من إعلاء سلطة القانون ومعاقبة المخالفين وسن القوانين الضرورية التي تقضي على الثغرات الموجودة في النصوص القانونية المعمول بها حاليا والتركيز على الردع للحد من الظاهرة وحماية الاقتصاد، وقد شرعت الحكومة الحالية (حكومة يوسف الشاهد) في ذلك منذ فترة بالتضييق على كبار المهربين وحجز السلع وإيقاف أصحابها.


اشترك في النقاش