الخلافات حول الهجرة تزعزع أوروبا

بعد ثلاثة أعوام من بداية أزمة اللاجئين في القارة العجوز
* يبالغ الشعبويون على نحو جسيم ويشوهون التأثير الاجتماعي الاقتصادي لهجرة البشر، والتي أحيانًا ما تكون مفيدة.
* كانت سياسة الهجرة واللجوء في أوروبا منذ عام 2015 على نقيض الاستدامة؛ إذ كانت فوضوية ومؤقتة وتعتمد سياسة رد الفعل.
* من البريكست إلى صعود حزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي، سممت الخلافات المتعلقة بالهجرة الحياة السياسية.
* تنشئ البلدان التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين مثل الأردن وأوغندا وكينيا وإثيوبيا نماذج مستدامة تعمل على حماية اللاجئين وفي الوقت ذاته تفيد المجتمعات المضيفة.

برلين: بعد ثلاثة أعوام من بداية أزمة اللاجئين الأوروبية، لا تزال سياسة القارة تزعزعها الخلافات حول الهجرة. وذلك على الرغم من التراجع الحاد في أعداد الأشخاص الذين يعبرون البحر المتوسط إلى أوروبا، إذ وصل العدد إلى 60 ألف شخص فيما بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) عام 2018، مقارنة بنحو مليون شخص في عام 2015، وبنحو 350 ألفًا في عام 2016. بإيجاز، لا تتعلق الأزمة بالأعداد، ولكنها أزمة الثقة: تعتقد شعوب أوروبا أن الهجرة خارج السيطرة وأن قادتهم ليس لديهم خطة حقيقية للتعامل معها.
من بين الوافدين الجدد يوجد لاجئون ليس لديهم خيار سوى الهرب إلى أوروبا، في حين هناك لاجئون آخرون ربما لم يجدوا حماية بالقرب من ديارهم. ولكن هناك العديد من المهاجرين الطامحين الذين تركوا وراءهم بلدانا فقيرة ولكنها ليست خطيرة بالضرورة، مثل المغرب وتونس، سعيًا إلى وظائف وفرص أفضل في الاتحاد الأوروبي. إن مشكلة أوروبا هي أنها لا تملك في الوقت الحالي وسيلة فعالة للتفرقة بين هذه المجموعات أو لإجبار الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي على المشاركة في تحمل مسؤولية اللاجئين الشرعيين. وفي حال بعض البلدان مثل فرنسا وبريطانيا، التي ترفض أقل من نصف طالبي اللجوء، يجد المهاجرون الذين لا يملكون حقًا قويًا في اللجوء حافزًا لطلبه، علمًا بأنهم قد يستطيعون البقاء بغض النظر عن نتيجة الإجراءات البيروقراطية. يقوض غياب سيادة القانون في قبول المهاجرين، إلى جانب سياسات الاندماج الاعتباطية، ثقة الشعب، مما يؤدي بدوره إلى إثارة رد فعل شعبوي ذي عواقب مدمرة على كل من رخاء المهاجرين والديمقراطية الأوروبية. وبداية من البريكست إلى صعود حزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي، سممت الخلافات المتعلقة بالهجرة الحياة السياسية.
يبالغ الشعبويون على نحو جسيم ويشوهون التأثير الاجتماعي الاقتصادي لهجرة البشر، والتي أحيانًا ما تكون مفيدة. السبب الأساسي للقلق الشعبي هو التغيير الاقتصادي الهيكلي، وخاصة انهيار الصناعة المعتمدة على العمالة الكثيفة. بيد أنه حتى إن لم تكن الهجرة هي السبب الأصلي للاستياء، يجب أن تحظى سياسات الهجرة بشرعية ديمقراطية إذا كان مقررا لها الاستمرار.
ومع ذلك لا يملك الساسة الأوروبيون سياسات فعالة أو خطابا موحدا ضروريا لاستعادة ثقة الناخبين. والنظام الأوروبي المشترك للجوء في حالة يرثى لها. من المفترض بموجب هذا النظام أن تتبنى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي معايير مشتركة للاعتراف بطالبي اللجوء ومساعدتهم. ولكن هذا أصبح دربًا من خيال: ففي العام الماضي، قبلت فرنسا 86 في المائة من طلبات اللجوء التي تقدم بها عراقيون، في حين قبلت بريطانيا 19 في المائة فقط. كذلك أثبتت لائحة دبلن فشلها، وهو قانون في الاتحاد الأوروبي يشترط على المهاجرين تقديم طلب اللجوء إلى أول دولة دخلوها، حيث جعل الدول الواقعة في مقدمة أوروبا مثل إيطاليا واليونان تتحمل عبء تدفق أعداد هائلة من اللاجئين. ولا تزال الإجراءات المؤقتة التي وضعتها المفوضية الأوروبية، مثل خطة سبتمبر (أيلول) عام 2015 لإعادة توزيع 160 ألف لاجئ على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لم تنفذ. كذلك أثمرت آخر قمة طارئة للاتحاد، والتي عقدت يومي 28-29 يونيو (حزيران)، عن اتفاق رمزي بدرجة كبيرة، إذ لا تلائم مقترحاته الأساسية، التي تتضمن إنشاء تطوعيا لمراكز معالجة الإجراءات داخل أوروبا وفحص «منصات وصول إقليمية» خارج الاتحاد الأوروبي، مع مهمة الإصلاح.
هناك ضرورة ملحة لوجود رؤية بديلة من شأنها أن تقدم للأوروبيين إطارًا إنسانيًا سليما اقتصاديًا، ويحظى بشرعية ديمقراطية من أجل التعامل مع تحدي الهجرة. في 21 يونيو (حزيران)، دشن كاتبا التقرير بالتعاون مع الحكومة النرويجية وشبكة الهجرة الأوروبية إطار عمل للهجرة المستدامة في أوسلو، وهو مقترحنا لإصلاح سياسة اللجوء والهجرة في الاتحاد الأوروبي. ونقدم هنا ملخصًا للإطار الذي وضعناه ومضامينه لأوروبا.

الهجرة المستدامة
من أجل البدء في الإصلاح، يجب على ساسة وصناع السياسات في أوروبا الوصول إلى اتفاق على نقطة النهاية التي يرغبون في الوصول إليها. نقول إن خطابا جديدا عن «الهجرة المستدامة» يمكن أن يقدم لغة موحدة في النقاش. سوف تتطلب سياسة الهجرة المستدامة استيفاء ثلاثة شروط بسيطة: أن تفي بالتزامات أخلاقية مقبولة على نطاق واسع، وأن تتمتع بتأييد ديمقراطي واسع، وأن تتجنب القرارات التي سوف يندم عليها الأشخاص لاحقًا (سواء المهاجرون أو المجتمعات المستقبلة لهم أو المجتمعات التي خرجوا منها). وإذا انحرفت السياسة عن تلك المعايير، ستكون عرضة للفشل.
ومع هذا كانت سياسة الهجرة واللجوء في أوروبا منذ عام 2015 على نقيض الاستدامة؛ إذ كانت فوضوية ومؤقتة وتعتمد سياسة رد الفعل. وليس هناك مثال أوضح على ذلك من التحول الذي حدث في سياسة الهجرة في ألمانيا، فيما بين سبتمبر (أيلول) 2015، عندما فتحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أبواب أوروبا لاستقبال اللاجئين، ومارس (آذار) 2016، عندما قادت الضغط من أجل إبرام اتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا سعيًا لغلق الأبواب. نبع أغلب التأييد لسياسة ميركل الأولى من شعور واسع الانتشار بأن البلدان الغنية في أوروبا عليها التزام أخلاقي بقبول اللاجئين والمهاجرين الوافدين من البلدان الفقيرة، بغض النظر عن طريقة دخولهم أوروبا، أو عما إذا كان لهم حق مشروع في طلب اللجوء أم لا، أو عن شعور المواطنين الأوروبيين تجاه الأمر.
تتحمل أوروبا بالفعل التزامات أخلاقية تجاه بقية العالم. وفي الوقت ذاته، من المحتمل أن تسفر السياسات حسنة النية ولكنها سيئة الدراسة عن نتائج مثل تلك التي شاهدناها في أوروبا على مدار الأعوام الثلاثة الماضية: من تراجع ثقة الشعوب، ورد الفعل العكسي السياسي ضد الهجرة، والخلافات المريرة بين الدول الأعضاء في الاتحاد. وبالتالي يجب على سياسة الهجرة المستدامة أن تفرق بين الالتزامات الأخلاقية المتبادلة التي تتحملها أوروبا، والتي تنبع من علاقات تتعلق بمعاملات ذات مكاسب متبادلة، وبين الالتزامات غير المتبادلة التي يجب على الدول أن تؤديها بغض النظر عما إذا كانت ستكسب أي شيء في المقابل. تتحمل الدول الغنية واجبا أخلاقيا غير تبادلي بمساعدة المجتمعات الفقيرة على النمو ومساعدة اللاجئين الفارين من النزاعات والاضطهاد. وليس عليهم واجبات غير تبادلية – بخلاف المعاملة الإنسانية – للمهاجرين الطامحين.
 




لاجئون سوريون يدخلون مخيم الأزرق للاجئين السوريين في 30 أبريل عام 2015 في الأزرق، الأردن. (غيتي)

البقاء في الديار
أوضح التزام أخلاقي تتحمله أوروبا هو مساعدة اللاجئين الذين ربما يكونون معرضين لخطر وشيك بالتعرض للأذى. بالنسبة للبعض، اللجوء إلى أوروبا هو الوسيلة الوحيدة لضمان سلامتهم. بيد أن أغلب اللاجئين ليسوا في أوروبا ولا يسعون إلى القدوم إليها. يجد 85 في المائة من لاجئي العالم ملاذًا في بلدان ذات دخول منخفضة أو متوسطة. وفي الوقت الحالي يوجد ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ سوري في تركيا، وأكثر من مليون لاجئ في لبنان، وما يزيد على 650 ألفًا في الأردن مقارنة بمليون لاجئ في أوروبا كلها. واللاجئون ليسوا مهاجرين طبيعيين: فهم أشخاص اختاروا البقاء في ديارهم حتى شُردوا قسرًا بسبب الأزمة. ما يحتاجون إليه ليس هجرة دائمة في حد ذاتها، بل أمان وحياة طبيعية حتى يتمكنوا إما من العودة إلى ديارهم أو أن يصبحوا مقبولين كمواطنين منتجين في ملاذهم الإقليمي أو أي مكان آخر. إذا استطاع الاتحاد الأوروبي أن يقدم للاجئين مساعدة ملائمة وفرصًا للتنمية، فسوف يفي بالتزاماته الأخلاقية ويجعل أغلبهم غير محتاجين إلى الانتقال إلى أوروبا.
غير أن المساعدة وفرص التنمية لا يمكن أن تأتي في صورة مساعدات إنسانية لا نهاية لها، والتي تستنزف موارد البلدان الغنية ولا تساهم في تحقيق وضع مستدام يحظى فيه اللاجئون باكتفاء ذاتي. عوضًا عن ذلك يجب أن تساعد هذه الفرص اللاجئين على استعادة الشعور بالاستقلال والمجتمع والكرامة داخل الدول غير الأوروبية التي يقيم بها أغلبهم. يعني ذلك الحصول على وظائف في الدول المضيفة، وهي سياسة ذات فائدة مضافة تقدم للدول المضيفة حافزًا اقتصاديًا لاستمرار فتح حدودها. وهكذا تصبح أفضل وسيلة تفي من خلالها أوروبا بالتزاماتها تجاه أغلبية لاجئي العالم هي توفير فرص عمل لهم في البلدان المضيفة، والتي يستطيع كل من اللاجئين والمضيفين الاستفادة منها.
تكثر نماذج السياسات التقدمية التي تسعى إلى الاندماج الاقتصادي للاجئين في الدول النامية. في عام 2016، قدم الأردن، بدعم من امتيازات تجارية حصل عليها من الاتحاد الأوروبي وتمويل من البنك الدولي، للاجئين الحق في العمل. ومنذ استقلالها تقريبًا، منحت أوغندا للاجئين حرية حركة نسبية والحق في العمل. وفي عام 2016، فتحت كينيا مستوطنة كالوبيي، وهي أول مستوطنة تعتمد على السوق في العالم يقيم فيها كل من اللاجئين وسكان المجتمع المضيف جنبًا إلى جنب. وفي العام ذاته، التزمت إثيوبيا بالتحول من سياسة الإيواء إلى سياسة تمنح اللاجئين تدريجيًا الحق في العمل والانتقال. تنشئ هذه البلدان بدعم دولي نماذج مستدامة تعمل على حماية اللاجئين وفي الوقت ذاته تفيد المجتمعات المضيفة. على سبيل المثال، تقدم دراسات صدرت أخيرًا عن البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية دليلًا على أن المجتمعات المضيفة في كينيا استفادت من النهج المعتمد على السوق في مساعدة اللاجئين.
يجب أن تصبح خطط إعادة التوطين المنظمة، التي تسمح للاجئين بالمضي قدمًا إلى دولة ثالثة، متاحة عندما يعلق اللاجئون لفترات طويلة فلا يتمكنون من العودة إلى ديارهم أو الاندماج في المجتمع المضيف. ولكن يجب أن تضع هذه الخطط معايير واضحة وتتضمن تنسيقًا دوليًا أكبر من القائم حاليًا. يمكن أن تصبح إعادة التوطين المنظمة أكثر استدامة عن طريق تقديم خيارات رعاية خاصة. على سبيل المثال، تملك كندا نظامًا ناجحًا للرعاية الخاصة لإعادة توطين اللاجئين منذ السبعينات من القرن الماضي، مما سمح للمجتمعات ذات القيمة التقدمية أن تحمل تكاليف اندماج اللاجئين الأكثر احتياجًا لملاذ آمن في كندا. وعلى الرغم من أن هذا النظام لم يتم تطبيقه على نطاق واسع في أوروبا، فإن كلًا من ألمانيا وبريطانيا تدرسان تنفيذه في الوقت الحالي.

بدائل طموحة
أحد الالتزامات الأساسية غير التبادلية التي تتحملها أوروبا هي مساعدة الدول الفقيرة على النمو. يعد هذا جزءًا مهمًا من سياسة الهجرة المستدامة، حيث إن نسبة كبيرة من الأشخاص الوافدين إلى أوروبا ليسوا لاجئين ولكن مهاجرين طموحين. على سبيل المثال، العابرون للبحر المتوسط من ليبيا شباب متعلم على نحو غير متناسب، وأحيانًا ما تقودهم نظرة مثالية عن أوروبا. لا يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى قبول المهاجرين الطامحين كلاجئين – وهي الحالة التي يجب أن تكون محفوظة لمن يتعرضون لخطر حقيقي - ولكن لا يعني ذلك أن أوروبا ليس عليها أي واجب تجاههم على الإطلاق.
وتعد الأشكال التقليدية من المساعدات التنموية، مثل تقديم المساعدات إلى حكومات البلدان الفقيرة، غير كافية لإنجاز المهمة. علاوة على ذلك، لا يمكنها إيقاف الهجرة الطموحة: فالزيادات المتواضعة في الدخل تزيد احتمالات لجوء الناس إلى الهجرة في الحقيقة، حيث يصبحون أكثر قدرة على تحمل نفقاتها. المطلوب من أوروبا أكبر من ذلك، ويستدعي استيعابا دقيقا للعلاقة بين الهجرة والتنمية. يجب أن يدرك الشباب الأفارقة أن أفريقيا ذاتها سوف تقدم الفرصة والأمل، مثلما ينظر الشباب الصيني الآن بثقة إلى مستقبل بلادهم. في كل عام يدخل من 10 إلى 12 مليون أفريقي سوق العمل، ولكن لا يتم توفير سوى من مليون إلى مليوني فرصة عمل فقط. في الوقت الراهن الهجرة هي الحل الواقعي لهذه الفجوة في التوظيف.
أفريقيا في حاجة إلى فرص عمل، ولكنها تحتاج أيضا إلى تحويل الخطاب، ليتوقف عن تقديم أوروبا على أنها المتنفس الافتراضي لتطلعات الشباب. ومن أجل المساعدة على هذا التحويل، لا بد أن تدعم أوروبا تمكين الإنتاج بدلًا من الترويج لحق الاستهلاك بين شباب أفريقيا، لا سيما من خلال توفير فرص عمل وريادة أعمال حقيقية في القارة.
سوف يعني ذلك أيضًا مساعدة الحكومات الأفريقية على بث شعور بين مواطنيها بالانتماء المشترك بناءً على هدف مشترك، والذي يجب أن يتصل بدوره باستراتيجية اقتصادية ذات مصداقية. على سبيل المثال، جمعت رواندا في الأعوام الأخيرة بين بناء الأمة والحكم الرشيد وتوفير فرص العمل لمواطنيها الشباب. هنا تؤدي المؤسسات المالية الدولية، مثل بنك الاستثمار الأوروبي ومؤسسة التمويل الدولية (الذراع التجارية للبنك الدولي) ومؤسسة الاستثمار الخاص لما وراء البحار المنشأة حديثًا، دورًا محوريًا. تكمن الكفاءة الأساسية لتلك المؤسسات في إحضار الشركات العالمية إلى البلدان التي تعاني من حاجة ملحة لزيادة الوظائف، ولكنها نادرًا ما تكون معروفة داخل وزارات الداخلية الأوروبية، ويعكس ذلك عدم اتساق السياسات المؤسف بين التنمية والشؤون الداخلية.
كقاعدة عامة، سيكون الأمر أكثر منطقية إذا أحضرنا فرص العمل إلى الأفراد بدلًا من إحضار الأفراد إلى فرص العمل. وحتى مع ذلك، تحتاج العديد من القطاعات الاقتصادية في أوروبا إلى عمالة مهاجرة على الأقل على المدى القريب. وقد نجحت سياسات الهجرة الدائرية، التي يعمل فيها المهاجرون لفترة قصيرة قبل العودة إلى بلدانهم، في مجال العمالة الزراعية في كندا والولايات المتحدة، ويجب أن تبدأ أوروبا في دراستها كوسيلة لتقديم هجرة عمالة تعود بالفائدة على الطرفين.
 




وصول أشخاص يجرون حقائب إلى مكتب التسجيل المركزي لطالبي اللجوء التابع للمكتب الحكومي للخدمات الصحية والاجتماعية ببرلين، ممن يسعون إلى طلب اللجوء إلى ألمانيا، في 11 مارس (آذار) عام 2015 ببرلين، ألمانيا. (غيتي)

 

اللجوء في أوروبا؟
بمجرد أن تفي أوروبا بمسؤولياتها تجاه اللاجئين خارجها، يجب أن تصبح قضية اللجوء داخل أوروبا ثانوية. ولكنها ستظل في حاجة إلى معالجة. إذا كان الاتحاد الأوروبي سيضع نظامًا يعتمد على القواعد، فسوف يعني ذلك الحفاظ على تمييز واضح بين اللاجئين والمهاجرين الطموحين. ونظرًا لأن أوروبا بمثابة وجهة جاذبة للفقراء، سوف تحتاج سياسة اللجوء الأوروبية المستدامة إلى التفرقة بين هؤلاء اللاجئين الذين يمكن أن يجدوا السلامة في مكان أقرب إلى ديارهم، ومن يحتاجون قطعًا إلى الانتقال إلى أوروبا. ومن أجل تحقيق شرط الاستدامة، ستتطلب سياسة اللجوء في الاتحاد الأوروبي تناول خمسة أسئلة أساسية.
أولا، كيف يجب أن تُتخذ قرارات اللجوء؟ يجب أن تكون سياسة الاتحاد الأوروبي للتفرقة بين اللاجئين والمهاجرين الطامحين متسقة عبر الزمان والمكان. إن التضارب وعدم القدرة على التوقع يقوضان ثقة العامة، ويشجعان المهاجرين على الانجذاب إلى الدول التي تطبق معايير لجوء أقل صرامة، ويساهمان في حدوث نتائج تعسفية وغير عادلة للاجئين. وعلى الرغم من أن التوافق الجغرافي كان الهدف الرئيسي للنظام الأوروبي المشترك للجوء، فإنه أسيء تفسيره بأنه يشير فحسب إلى المعيار العام لمنح اللجوء في المحاكم الأوروبية. يغفل ذلك جانبًا أكثر أهمية في التوافق الجغرافي، وهو أن نتيجة قرار اللجوء (أو أي تأشيرة هجرة أخرى) يجب أن تكون متماثلة، بغض النظر عما إذا كان طالب اللجوء تقدم بالطلب داخل دولته الأصلية أو ملاذه الإقليمي أو دولة مرور أو إحدى دول الاتحاد الأوروبي. في الوقت الراهن، الأمر لا يُطبق بهذه الطريقة. وسوف تستمر عمليات تهريب البشر في الازدياد طالما ظل الوصول إلى الأراضي الأوروبية يعزز من فرص المرء في الاستقرار في أوروبا.
ثانيا، أين يجب اتخاذ قرارات اللجوء؟ يجب أن تظل عمليات اتخاذ القرار بشأن حالات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، وفي الواقع يجب أن يتم تبسيط العملية وتسريع إنجازها بدرجة كبيرة. ولكن من المنطقي أن تتم أغلب إجراءات اللجوء والهجرة خارج أوروبا، وبذلك نحد من الحاجة إلى شروع الناس في رحلات خطيرة. يجب تمكين شبكة القنصليات والسفارات الأوروبية منقطعة النظير من العمل تحت سلطة الاختصاص القضائي الأوروبي في كل من دول الملاذ ودول المهاجرين الأصلية. بيد أنه لا يجب أن تتركز تلك القرارات في البلدان التي تُستخدم للمرور في الوقت الحالي، مثل ليبيا. وذلك لأن ليبيا ليست دولة ملاذ، ويجب أن لا يتم تشجيع الناس على الذهاب إلى هناك. سوف تؤدي إقامة مراكز إجراءات هناك، كما اقترحت بعض دول الاتحاد الأوروبي، إلى المخاطرة بوقوع نتائج غير إنسانية وجذب المزيد من المهاجرين.
ثالثًا، كيف تجب المشاركة في المسؤولية؟ سوف تحتاج أوروبا أيضًا إلى إصلاح نظامها لتوزيع اللاجئين داخل الاتحاد الأوروبي. ومن الواضح أن لائحة دبلن ليست عادلة. يتطلب النظام المستدام فصلًا واضحًا بين مسؤولية تقييم الطلب – الذي يمكن أن تنجزه أي سفارة أو قنصلية يختار طالب اللجوء الذهاب إليها (أو في أول أرض أوروبية يصل إليها الشخص) – وبين مسؤولية توطين واندماج اللاجئين الذين يتم قبول طلباتهم. يجب أن يتم توزيع اللاجئين في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بناء على معايير تحظى باتفاق متبادل.
تملك كل من دول أوروبا تاريخًا وديموغرافية ودرجات تنوع مختلفة مما قد يجعل من الصعب الوصول إلى اتفاق. غير أن الحل ليس مستحيلًا طالما احترمت معايير التوزيع تفضيلات المواطن. على سبيل المثال، يمكن استخدام نظام تطابق التفضيلات للربط بين الوجهات التي يفضلها اللاجئون وبين الدول والمجتمعات التي ترغب في الترحيب بهم. يمكن أن يساهم هذا النهج في الاستدامة نظرًا لأنه يحترم تفضيلات كل من المواطن واللاجئ مع التوجه نحو توزيع عادل لما يجب أن يكون عددًا ضئيلًا من اللاجئين. بيد أنه بمجرد أن يتم التطابق، يجب أن يبقى اللاجئون في الدولة التي خصصت لهم. وتجدر الإشارة إلى أن المقصود من اتفاقية شنغن، التي ألغت إلى حد كبير الحدود الداخلية في أوروبا، هو منح حقوق تبادلية في حركة دون عائق لمواطني أوروبا، وليس للاجئين أو المهاجرين بصفة مؤقتة. ولا يتطلب تنفيذ هذا البند ضوابط حدودية طالما طُبقت قيود فعالة على الحصول على وظائف وإعانات وخدمات عامة.
أما بالنسبة للمهاجرين الذين يعيشون بالفعل في أوروبا ولكنهم لم يحصلوا حتى الآن على قرار اللجوء، فيجب تقييم الطلبات في الدول التي يقيمون بها في الوقت الحالي؛ فطالما أن هناك معيارا واحدا لاتخاذ قرار بشأن الطلبات، لا داعي لأن يتنقل المهاجرون بين الدول. ويجب أن يصحب ذلك مساعدة مالية من الاتحاد الأوروبي إلى الدول الواقعة على الخطوط الأمامية مثل اليونان وإيطاليا، حيث تعيش أعداد غير متناسبة من طالبي اللجوء الذين لم يبت في طلباتهم بعد.
رابعًا، كيف يجب أن تتعامل أوروبا مع القوارب التي لا تزال تحاول عبور البحر المتوسط؟ بالطبع يجب على الاتحاد الأوروبي الالتزام بالحفاظ على حياة البشر في البحر. ولكن إلى جانب ذلك يجب أن يضع تدابير واضحة للإنزال بعد اعتراض قوارب المهاجرين أو بعد إنقاذ المهاجرين في البحر. يجب أن تقع نقاط الإنزال – وهي الأماكن التي يمكن أن تضم المهاجرين حتى يتم البت في طلباتهم للجوء – بالقرب من أوروبا، ولكن لا يجب أن تكون هي ذاتها الوجهات المحتملة. إحدى المناطق التي تنطبق عليها هذه المعايير هي مالطة، على الرغم من أن هناك العديد من الجزر الأخرى الصالحة في البحر المتوسط.
وكما هو الحال مع دول الخطوط الأمامية، يجب أن يتم تعويض مالطة والجزر الأخرى ماديًا عن استخدامها كنقاط إنزال. ومن أجل التعاون سوف تحتاج إلى الحصول على ضمانات من الاتحاد الأوروبي بأن الطلبات سيتم اتخاذ قرارات بشأنها سريعًا، وأنه ستتم إعادة طالبي اللجوء المرفوضين. في البداية قد يكون من الضروري دعم هذه الضمانات بإجراء افتراضي، مثل التحويل إلى دولة ملاذ آمن بديلة بالنسبة للحالات التي لم يتم اتخاذ قرار بشأنها بعد فترة مقررة.
خامسًا، كيف يمكن أن تجعل أوروبا عمليات الإعادة ناجحة؟ تحتاج أوروبا أيضًا إلى تطوير آلية فعالة وإنسانية لإعادة طالبي اللجوء المرفوضين سواء إلى دولة ملاذ إقليمية (بالنسبة لمن يمكنهم الحصول على حماية فعالة هناك) أو إلى دولتهم الأصلية (بالنسبة لمن تقرر أنهم مهاجرون طموحون). في الوقت الحالي، معدل ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين متدنٍ، ومن الأسهل كثيرًا على طالب اللجوء المرفوض أن يختفي في الاقتصاد غير الرسمي. وهذا النظام، الذي يتجاهل قرارات اللجوء الرسمية بحكم الأمر الواقع، غير مستدام وغير شرعي ويعد تخريبًا لسيادة القانون. ومن أجل إصلاح ذلك، سيكون على أوروبا الحد من حالات الاختفاء. غير أنها لا يجب أن تفعل ذلك عبر سياسات اعتقال متشددة. بل يمكن أن تساعد بطاقات الهوية ومعلومات الاستدلال البيولوجي، التي ينظمها أصحاب العمل وهيئات الرعاية، على التعرف على هوية المهاجرين غير الشرعيين. وسوف تحتاج الدول التي يسهُل فيها الاختفاء حاليًا مثل إيطاليا إلى رفع مستوى معايير الشفافية وإنفاذ القانون لديها.
ومع ذلك قد تكون هناك بدائل مبتكرة. في الحالات الصعبة التي لا تتوفر فيها اتفاقيات مع دولة ثالثة أو ضمانات دبلوماسية أو أنظمة تحديد الجنسية، قد توجد إمكانية لتحديد مجموعة من الدول الثالثة المستعدة للمشاركة في مجموعة مسارات هجرة عمالة بديلة. أما الدول التي تحتاج إلى هجرة عمالة، ربما يكون لطالبي اللجوء خيار التفضيل بين دول الوجهة البديلة المشاركة، في حين قد ترتب هذه الدول المشاركة كذلك تفضيلاتها بشأن بيانات المهاجرين المحتملين.

حتى تنجح الهجرة
سوف تشكل سياسة الهجرة مستقبل أوروبا. وقد خسر قادة القارة ثقة مواطنيهم، ولن تتم استعادة هذه الثقة عبر الخلافات الحادة حول إصلاحات سريعة وهمية، وهو ما تقدمه بروكسل إلى حد كبير حتى الآن. توجد ضرورة ملحة لأن يغير الاتحاد الأوروبي نهجه. والأولوية القصوى في ذلك يجب أن تكون لطمأنة المواطنين بتبني سياسة لاجئين وهجرة تحظى بتأييد واسع، وتفي بالتزامات أوروبا الأخلاقية، وتتمتع بحذرٍ كافٍ حتى لا تترك وراءها إرثًا من الندم. يمكن أن تقدم الهجرة المستدامة لغة مشتركة وموحدة يستطيع من خلالها السياسيون إعادة التواصل مع المواطنين. كما أنها ستقدم سياسات قائمة على المبادئ ولكنها برغماتية بما يكفي لتتحمل تحديات الهجرة التي سوف تواجهها حتمًا في المستقبل.
 


اشترك في النقاش