«تمرُّ الآن» مجموعة قصصية تقف على ناصية الحلم والمغامرة

شيماء طلبة تجدل بين السياسي والجمالي في قصص رهيفة ومتماسكة بنائياً

* ثمة وحشة هنا وافتقاد للونس، الذي قد يصنعه رجل يجلس في شرفته البعيدة، الواقعة في الضفة الأخرى من البحر، في قارة أخرى ودولة أخرى.
 

القاهرة: تتعدد مستويات المرور وتتنوع في مجموعة«تمر الآن» للقاصة المصرية شيماء طلبة، والصادرة في القاهرة عن دار «ميريت»، فمن المرور بمعناه المادي، المتعين، حيث السير بخفة، أو تثاقل، إلى المرور بمعناه المجازي حيث العبور النفسي للعالم والأشياء.

وعبر أربع وعشرين قصة قصيرة يتشكل المتن السردي للمجموعة، التي تحمل قدرا من السمات المشتركة في عوالمها وأجوائها، وبناها الفنية، وقدرا من التمايز الكاشف عن مجموعة تعتمد في بنائها على صيغ سردية مختلفة، وإمكانات تقنية متعددة.

ومن التجريد واستعارة عوالم كنائية ورمزية، وحضور مجموعة من الجدليات، من أهمها جدل الغربة/  الانتماء، الرجل/ المرأة، الحب/ الكراهية، الونس/ الوحشة، إلى نصوص متماسكة بنائياً تستلهم المفهوم الكلاسيكي للقص.

في قصتها المركزية «تمر الآن» والتي تحمل المجموعة اسمها، ثمة دلالة نصية على العنوان، حيث نجد مذكورا نصاً ما يشير إلى جانب من دلالة العنوان: "لو اعتلت كعوب نعلها وهبطت على الدرج نحو شوارع المدينة فلن ترى سوى أيدي القبح تتغلغل في مساراتها، لذلك لم تعد تمر.. إلا في شوارع المدينة الخاوية منتصف الليل". (ص7)، فالقبح الذي ملأ الأمكنة لم يجعل المسرود عنها المركزية في القصة تمر كما اعتادت، وبدت تختار الليل رفيقا لخطواتها.

ثمة وحشة هنا وافتقاد للونس، الذي قد يصنعه رجل يجلس في شرفته البعيدة، الواقعة في الضفة الأخرى من البحر، في قارة أخرى ودولة أخرى، إن مشاعر الاغتراب المستحيل هنا تبدو عارمة، في نص يبدأ موظفا آلية السرد الإخباري الذي يقر بواقع شخوصه على لسان سارده الرئيسي: «كنا غرباء لا نعرف للأماكن حدوداً ونهايات"، ويبدو الاغتراب هنا اغترابا شاملا ينفصل فيه الفرد عن البنية الاجتماعية المحيطة به.. ثمة أنثى حاضرة دوما في المجموعة يتفاوت وجودها صخبا وسكونا، عاركتها الحياة، وأنهكتها، في ظل سياقات اجتماعية ضاغطة. ليلى انتفضت وهي في الثالثة عشرة من عمرها حين اكتمل عالمها وحشية أمامها، لم تعد الطفلة بعد، أصبح ثدياها لهما صخب لا يتقبله المارة، الإعلان عن هوية أنثى محال أن يمر في هذا العالم دون قيود».(ص.9)

ثمة أنثى متمردة، وراغبة في الوصال، تجد تجليا آخر لها في قصة «خلف الوجود»، تبدو موزعة مثل غادة في «كونشيرتو حياة»، تواقة للبراح في قصة «الـ لا براح»، أو حتى مثل فيولينة تائهة، لم تعانق الأوتار، وهكذا.

تجيد الكاتبة آلية الاستهلال القصصي كما نرى مثلا في قصتها الأخيرة «أسطورة الرفض»، أو في قصتها «كونشيرتو حياة» (لن أهدي الطريق خطوات أكثر)، وتبدو حالة التمزق والتوزع التي تصيب الشخصية المركزية في القصة (غادة) جلية، ومصنوعة بفنية تحوي ظلالا نفسية توظفها الكاتبة.

في «الـ لا براح»، يحضر مستوى جديد من المرور، هذه المفردة المركزية في العنوان، وتحضر معه رغبة في مساءلة الذات والعالم معا.

في المجموعة هناك دائما وردة، وعلي، وأحمد، ونور، وهي ثنائيات ممثلة لجدل خلاق بين الرجل والمرأة، ففي قصة «ورد بلدي» تحضر وردة، ويحضر علي، ومعهما الجامعة وظلال من جدل الاجتماعي والسياسي، خاصة في نهاية القصة.

 




المؤلفة شيماء طلبة


على الرغم من النزوع الآيديولوجي في «أرباب الفدادين» إلا أن هذا النزوع السياسي لم يهيمن على الجمالي في النص، بل بدا موظفا في إطاره، ولعبت اللغة المستخدمة أفعال الحركة تحديدا دورا في هذا السياق، حيث التدفق الحكائي والسرد المنتج: «لن نجالس المجانين مرة ثانية يا حبيبي، فخلف الميكروفون قرع جميل، كل أصوات المعارك حياة لنا، أنا وأنت لا نركع في أسواق الرقيق».(ص24).

في «حشاشتي»، ثمة حالة من الاستبطان للذات التي تصنع مراجعة مستمرة لعالمها، وفي «غجريتان»، سنجد مستويات دلالية جديدة لفكرة المرور، تأخذ طابعا مجازيا صرفا (يمر العالم بجانبها كشريط حياة). وتبدو المرأة هنا عفية ونابضة، قادرة على مقاومة الزيف الاجتماعي، وحركات السحق المستمرة لها، فالرجل ابن العليين لا يتفهم المتطلبات النفسية والجسدية للغجرية الفاتنة التي تبثها أمه كلاما مستمرا عن تنازله يوم ارتباطه بها، لكنها تأخذ ابنتها لتلفظا معا عالما مصطنعا لم تحبه كلتاهما.

تبدو الجمل المتناثرة في الحوارات القصصية الخاطفة وغير التقليدية حاملة طزاجة، كما في قصة «عهود لا تحيا»، أو في قصة «مروان». ويحضر المونولوج الداخلي بوصفة تقنية مركزية في المجموعة، نراها في قصتيها «ماما»، و«ليلة بدون ميشيل».

تبدو المعاني مكرورة في عدد من القصص، لكن آليات المعالجة الفنية بدت جيدة، وتوظف الكاتبة الدلالة الضدية للاسم في قصتها «عنان»، فالشخصية المركزية في النص تبدو موغلة في الجحيم الأرضي، على نقيض مدلول اسمها ومعناه.

تطول القصص أكثر  على مستوى المتن الكمي للسرد، في قصتي «أزقة تحت حصار»، و«عناق الفجر»، ففي «أزقة تحت حصار»، ثمة استدعاء لحالة مسرحية، إنها محاولة لمسرحة العالم، المليء بالممثلين الفشلة والمهرة والمزيفين والصناع والمخرجين.

وفي «عناق الفجر»، ثمة شخوص متنوعون: عناق، وهدير، وأسماء، وإسماعيل، وربيع، وأم أسماء، وغيرهم، في نص سردي يحوي جملة من العلائق الاجتماعية المتشابكة والدلالات السياسية والثقافية أيضا يمكن أن يكون نواة لعمل سردي مطول.

ثمة عالم من الوحشة والعتامة في قصة «الحزام الأسود في القسوة»، يفوت أصحابه دوما القطار الأخير مثلما نجد في قصة «لا يوجد قطار أخير».

وبعد... ثمة عالم متنوع هنا، يبدو أبطاله على شفا عالم قاس ومعتم، أنثاه تعاني لكنها واثقة، تقف على ناصية الحلم، تبدو الكتابة هنا مجلى لعالم مشغول بالداخل والخارج معا، تحتاج كاتبته لتوسيع أفق تأويل العالم أكثر فحسب، هنا ثمة كاتبة موهوبة بحق، تمسك بجوهر القص وآلياته على نحو لا تخطئه عين.
*الدكتور يسري عبد الله.. كاتب وناقد المصري 
القاهرة:تتعدد مستويات المرور وتتنوع في مجموعة«تمر الآن» للقاصة المصرية شيماء طلبة، والصادرة في القاهرة عن دار «ميريت»، فمن المرور بمعناه المادي، المتعين، حيث السير بخفة، أو تثاقل، إلى المرور بمعناه المجازي حيث العبور النفسي للعالم والأشياء.

وعبر أربع وعشرين قصة قصيرة يتشكل المتن السردي للمجموعة، التي تحمل قدرا من السمات المشتركة في عوالمها وأجوائها، وبناها الفنية، وقدرا من التمايز الكاشف عن مجموعة تعتمد في بنائها على صيغ سردية مختلفة، وإمكانات تقنية متعددة.

ومن التجريد واستعارة عوالم كنائية ورمزية، وحضور مجموعة من الجدليات، من أهمها جدل الغربة/  الانتماء، الرجل/ المرأة، الحب/ الكراهية، الونس/ الوحشة، إلى نصوص متماسكة بنائياً تستلهم المفهوم الكلاسيكي للقص.

في قصتها المركزية «تمر الآن» والتي تحمل المجموعة اسمها، ثمة دلالة نصية على العنوان، حيث نجد مذكورا نصاً ما يشير إلى جانب من دلالة العنوان: "لو اعتلت كعوب نعلها وهبطت على الدرج نحو شوارع المدينة فلن ترى سوى أيدي القبح تتغلغل في مساراتها، لذلك لم تعد تمر.. إلا في شوارع المدينة الخاوية منتصف الليل". (ص7)، فالقبح الذي ملأ الأمكنة لم يجعل المسرود عنها المركزية في القصة تمر كما اعتادت، وبدت تختار الليل رفيقا لخطواتها.

ثمة وحشة هنا وافتقاد للونس، الذي قد يصنعه رجل يجلس في شرفته البعيدة، الواقعة في الضفة الأخرى من البحر، في قارة أخرى ودولة أخرى، إن مشاعر الاغتراب المستحيل هنا تبدو عارمة، في نص يبدأ موظفا آلية السرد الإخباري الذي يقر بواقع شخوصه على لسان سارده الرئيسي: «كنا غرباء لا نعرف للأماكن حدوداً ونهايات"، ويبدو الاغتراب هنا اغترابا شاملا ينفصل فيه الفرد عن البنية الاجتماعية المحيطة به.. ثمة أنثى حاضرة دوما في المجموعة يتفاوت وجودها صخبا وسكونا، عاركتها الحياة، وأنهكتها، في ظل سياقات اجتماعية ضاغطة. ليلى انتفضت وهي في الثالثة عشرة من عمرها حين اكتمل عالمها وحشية أمامها، لم تعد الطفلة بعد، أصبح ثدياها لهما صخب لا يتقبله المارة، الإعلان عن هوية أنثى محال أن يمر في هذا العالم دون قيود».(ص9).

ثمة أنثى متمردة، وراغبة في الوصال، تجد تجليا آخر لها في قصة «خلف الوجود»، تبدو موزعة مثل غادة في «كونشيرتو حياة»، تواقة للبراح في قصة «الـ لا براح»، أو حتى مثل فيولينة تائهة، لم تعانق الأوتار، وهكذا.

تجيد الكاتبة آلية الاستهلال القصصي كما نرى مثلا في قصتها الأخيرة «أسطورة الرفض»، أو في قصتها «كونشيرتو حياة» (لن أهدي الطريق خطوات أكثر)، وتبدو حالة التمزق والتوزع التي تصيب الشخصية المركزية في القصة (غادة) جلية، ومصنوعة بفنية تحوي ظلالا نفسية توظفها الكاتبة.

في «الـ لا براح»، يحضر مستوى جديد من المرور، هذه المفردة المركزية في العنوان، وتحضر معه رغبة في مساءلة الذات والعالم معا.

في المجموعة هناك دائما وردة، وعلي، وأحمد، ونور، وهي ثنائيات ممثلة لجدل خلاق بين الرجل والمرأة، ففي قصة «ورد بلدي» تحضر وردة، ويحضر علي، ومعهما الجامعة وظلال من جدل الاجتماعي والسياسي، خاصة في نهاية القصة.

على الرغم من النزوع الآيديولوجي في «أرباب الفدادين» إلا أن هذا النزوع السياسي لم يهيمن على الجمالي في النص، بل بدا موظفا في إطاره، ولعبت اللغة المستخدمة أفعال الحركة تحديدا دورا في هذا السياق، حيث التدفق الحكائي والسرد المنتج: «لن نجالس المجانين مرة ثانية يا حبيبي، فخلف الميكروفون قرع جميل، كل أصوات المعارك حياة لنا، أنا وأنت لا نركع في أسواق الرقيق».(ص24).

في «حشاشتي»، ثمة حالة من الاستبطان للذات التي تصنع مراجعة مستمرة لعالمها، وفي «غجريتان»، سنجد مستويات دلالية جديدة لفكرة المرور، تأخذ طابعا مجازيا صرفا (يمر العالم بجانبها كشريط حياة). وتبدو المرأة هنا عفية ونابضة، قادرة على مقاومة الزيف الاجتماعي، وحركات السحق المستمرة لها، فالرجل ابن العليين لا يتفهم المتطلبات النفسية والجسدية للغجرية الفاتنة التي تبثها أمه كلاما مستمرا عن تنازله يوم ارتباطه بها، لكنها تأخذ ابنتها لتلفظا معا عالما مصطنعا لم تحبه كلتاهما.

تبدو الجمل المتناثرة في الحوارات القصصية الخاطفة وغير التقليدية حاملة طزاجة، كما في قصة «عهود لا تحيا»، أو في قصة «مروان». ويحضر المونولوج الداخلي بوصفة تقنية مركزية في المجموعة، نراها في قصتيها «ماما»، و«ليلة بدون ميشيل».

تبدو المعاني مكرورة في عدد من القصص، لكن آليات المعالجة الفنية بدت جيدة، وتوظف الكاتبة الدلالة الضدية للاسم في قصتها «عنان»، فالشخصية المركزية في النص تبدو موغلة في الجحيم الأرضي، على نقيض مدلول اسمها ومعناه.

تطول القصص أكثر  على مستوى المتن الكمي للسرد، في قصتي «أزقة تحت حصار»، و«عناق الفجر»، ففي «أزقة تحت حصار»، ثمة استدعاء لحالة مسرحية، إنها محاولة لمسرحة العالم، المليء بالممثلين الفشلة والمهرة والمزيفين والصناع والمخرجين.

وفي «عناق الفجر»، ثمة شخوص متنوعون: عناق، وهدير، وأسماء، وإسماعيل، وربيع، وأم أسماء، وغيرهم، في نص سردي يحوي جملة من العلائق الاجتماعية المتشابكة والدلالات السياسية والثقافية أيضا يمكن أن يكون نواة لعمل سردي مطول.

ثمة عالم من الوحشة والعتامة في قصة «الحزام الأسود في القسوة»، يفوت أصحابه دوما القطار الأخير مثلما نجد في قصة «لا يوجد قطار أخير».

وبعد... ثمة عالم متنوع هنا، يبدو أبطاله على شفا عالم قاس ومعتم، أنثاه تعاني لكنها واثقة، تقف على ناصية الحلم، تبدو الكتابة هنا مجلى لعالم مشغول بالداخل والخارج معا، تحتاج كاتبته لتوسيع أفق تأويل العالم أكثر فحسب، هنا ثمة كاتبة موهوبة بحق، تمسك بجوهر القص وآلياته على نحو لا تخطئه عين.
*الدكتور يسري عبد الله.. كاتب وناقد المصري 


اشترك في النقاش