الشرق الأوسط... إلى الاقتصاد الرقمي

تهيئة اقتصاد يقوده القطاع الخاص وتحكمه لوائح تنظيمية تشجع على الابتكار
·     إعادة توجيه أنظمة التعليم نحو العلم والتكنولوجيا وإنشاء أنظمة حديثة للاتصالات والمدفوعات.
·    300 مليون شاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعتبرون مصدراً للابتكار والتحوُل الاقتصادي.
·    النمو الإقليمي سيواصل التحسن بشكل متواضع ليصل إلى 2.8 في المائة بحلول نهاية 2020.
·   الخطوة الأساسية أن تصبح بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «مجتمعات تعلُّم».
·    ثقافة «القيمة مقابل المال» في الإدارة العامة يساعد في بناء الثقة مع المواطنين.

القاهرة:توقع تقرير جديد للبنك الدولي ارتفاع معدل النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 2 في المائة في المتوسط العام الحالي. مرتفعًا من 1.4 في المائة عام 2017. وأرجع الارتفاع المتواضع في النمو في معظمه إلى ارتفاع أسعار النفط مؤخرا، الذي استفاد منه مصدّرو النفط في المنطقة، في حين خلق ضغوطا على موازنات مستوردي النفط.
ويعكس التعافي الأخير تأثير الإصلاحات المتواضعة وجهود تحقيق الاستقرار في بعض بلدان المنطقة. ومع ذلك، لن تسفر وتيرة النمو البطيئة عن توفير فرص عمل كافية لعدد سكان المنطقة الضخم من الشباب.
ويعرض تقرير المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والصادر بعنوان «اقتصاد جديد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، خطة عمل لإطلاق العنان للإمكانات الهائلة التي يتمتع بها الكثير من شباب المنطقة المتعلمين تعليما جيدا، من خلال تبني الاقتصاد الرقمي الجديد.
ويشير التقرير إلى ضرورة تطبيق إصلاحات أوسع نطاقا وأكثر جرأة لتحقيق هذا الهدف، إلى جانب الاستثمارات الحيوية في البنية التحتية الرقمية. وسيتطلب ذلك إعادة توجيه أنظمة التعليم نحو العلم والتكنولوجيا، وإنشاء أنظمة حديثة للاتصالات والمدفوعات، وتهيئة اقتصاد يقوده القطاع الخاص وتحكمه لوائح تنظيمية تشجع على الابتكار بدلاً من أن تخنقه.
وقال فريد بلحاج، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: «إن الكثير من شباب وشابات المنطقة عاطلون عن العمل. وسيستمر هذا التحدي في النمو ما لم يتحول إلى فرصة، مشيرا إلى أن زخم النمو الحالي هو فرصة لزيادة سرعة الإصلاحات وسقف طموحاتها. ويجب أن ينصب التركيز على بناء اقتصاد حديث يستفيد من التكنولوجيا الجديدة وتقوده طاقة الشباب وابتكارهم».
يشير التقرير إلى أن الأسس قائمة بالفعل للتحول نحو الاقتصاد الرقمي. فهناك اعتماد واسع النطاق على التكنولوجيات الرقمية والمحمولة الجديدة بين شباب المنطقة. ولكن بسبب مجموعة من العقبات التنظيمية وعدم وجود بنية تحتية أساسية، فإن الأجهزة المحمولة والمنتشرة تُستخدم في الغالب للوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من بدء مشاريع جديدة.
 
بوادر التعافي
كما يشير التقرير إلى مجموعة من «البوادر على التعافي» فيما يتعلق بالاقتصاد الرقمي الجديد، من بينها تطبيق «كريم» للنقل الذي نما من شركة مبتدئة إلى شركة قيمتها مليار دولار وخلق الآلاف من فرص العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها. كما تربط المنصات الرقمية الجديدة بين الباحثين عن العمل وأصحاب العمل، وتوفر التدريب المهني، واستضافة حاضنات للشركات الناشئة. يتمثل التحدي الآن في تهيئة الظروف لنمو هذه البوادر وتكاثرها.
وأضاف رباح أرزقي، كبير الاقتصاديين في البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والمؤلف الرئيسي للتقرير: «تمتلك بلدان المنطقة كل ما تحتاج إليه من مكونات للانتقال إلى المستقبل الرقمي. إن الأساس هو التأكد من تعليم الشباب المهارات اللازمة للاقتصاد الجديد، والوصول إلى أدوات مثل المدفوعات الرقمية، وإزالة العقبات التي تحول دون الابتكار. وسيتطلب الأمر من الحكومات أن تعمل على الكثير من الجبهات، وتستخدم الكثير من أدوات السياسات، لكن المكاسب في النمو والوظائف ستكون أكثر قيمة».
ومن شأن هذا الجهد أن يحول بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويساعد على ضمان عثور الملايين من شباب المنطقة على وظائف جيدة والذي سيساعد حتما في نمو المنطقة. ويفيد التقرير في توقعاته الاقتصادية بأن النمو الإقليمي سيواصل التحسن بشكل متواضع ليصل إلى 2.8 في المائة بحلول نهاية عام 2020.
وهناك مخاطر مستمرة من أن يؤدي عدم الاستقرار بالمنطقة إلى إضعاف النمو وتثبيطه، ولكن من المتوقع أن يستفيد مصدرو النفط في المنطقة من أسعار النفط والطلب الذي سيظل مرتفعًا.
وستسهم الإصلاحات المحلية الرامية إلى زيادة الإيرادات واحتواء الإنفاق العام، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية، في رفع معدل النمو بالبلدان المصدرة للنفط.
ومن المتوقع أن يستفيد مستوردو النفط في المنطقة من الإصلاحات في إدارة النفقات العامة، وارتفاع منسوب التجارة مع أوروبا والصين، والتدفقات المالية من البلدان المصدرة للنفط في المنطقة.


 
300 مليون شاب
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يقل عمر اثنين من كل ثلاثة أشخاص عن 24 عامًا، وهو ما يعني أن تعداد الشباب يبلغ نحو 300 مليون شاب. وقد تكون هذه الشريحة الكبيرة من الشباب مصدرًا للابتكار والتحوُل الاقتصادي، لكن يلزم بذل جهود جريئة وطموحة لإزالة العراقيل التي تراكمت وتقف عثرة في طريق النهوض. وفي معظم المناطق، يُتيح التعليم سبيلاً للارتقاء على سلم التقدم الاجتماعي والاقتصادي. ولكن في العالم العربي يشعر خريجو الجامعات بخيبة الأمل؛ فاحتمال أن ينضموا إلى صفوف العاطلين عن العمل يفوق بكثير من هم أقل تعليمًا. وفي مصر، على سبيل المثال، يعاني نحو 30 في المائة من الشباب الذين يحملون شهادة جامعية من البطالة، ويقترب هذا الرقم في تونس من 40 في المائة.
ورغم هذا كله، فإن القدرة على تسخير إمكانات الشباب البالغ عددهم نحو 300 مليون في العالم العربي تكمن في أطراف أصابعهم؛ أي في هواتفهم الذكية. فبمقدور الشباب في البلدان الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الحصول على الخدمات والسلع عبْر الإنترنت، ويمكنهم بسهولة تحويل الأموال عبر الإنترنت.
 
خارج المسار
إن معظم الشباب العربي يجدون أنفسهم خارج المسار متخلفين عن الركب بسبب كثرة اللوائح التنظيمية لأنظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية التي لا تجاري التغيُر السريع الذي يجتاح المعمورة.
ويعاني الشباب العربي اليوم من محدودية خدمات النطاق العريض لكل مشترك، التي تعد الأقل في العالم، وتتفوق بلدان في شرق أفريقيا على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في استخدام الهاتف المحمول في الخدمات المالية. وعلى الرغم من الدراية الوثيقة للشباب العربي بموقعي التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«إنستغرام»، فإنهم بعيدون كل البعد عن نظام «باي بال» للدفع وتحويل الأموال.
ويتمتع الشباب في المنطقة بالمهارة في استخدام التقنيات الرقمية، ويتسمون بالنشاط المفرط في وسائل التواصل الاجتماعي، ويمتلكون من أجهزة الهاتف المحمول أكثر مما لدى الشباب في مكان آخر. لا شك أن هذا التضارب المتزايد بين مستودع هائل من الإمكانيات الرقمية وضعف سبل الحصول على خدمات إنترنت ذات جودة وخدمات الأموال الرقمية يحرم العالم العربي وشبابه من فرص هائلة لتعزيز النمو الاقتصادي، وفتح منشآت أعمال جديدة، وخلق فرص العمل والتوظيف.
 
انطلاقة كبري
يحث التقرير بلدان المنطقة على أن تلزم نفسها بتحقيق «انطلاقة كبرى» من أجل إطلاق العنان لإمكانيات المستقبل الرقمي لملايين من شبابها البارعين في وسائل التكنولوجيا. ومثلما حدد الرئيس الأميركي جون كنيدي هدفًا طموحا في عام 1961 بأن ينزل إنسان على القمر بنهاية العقد، يجب على حكومات العالم العربي أن تلزم نفسها بتحقيق انطلاقة كبرى وأهداف طموحة.
إن انطلاقة المنطقة على مسار طموح سوف تتركز على هدفين ملموسين قابلين للتحقيق بحلول عام 2020. الأول، أنه يجب على بلدان المنطقة إنشاء شبكة حديثة لخدمات الإنترنت ذات النطاق العريض تُغطِّي كل المناطق وخصوصًا تلك التي تخلفت اقتصاديا.
وفي تلك المناطق المتأخرة، يمكن اتباع نموذج الهند الذي يتاح فيه الوصول إلى خدمات الإنترنت مجانًا لفترة من الزمن لتقوية آثاره المفيدة في تعزيز الاقتصاد وخلق فرص العمل. والثاني، أنه يجب على البلدان أن تُنشِئ بنية تحتية وأجهزة تنظيمية تساند التحويلات المالية الرقمية من خلال الأجهزة المحمولة وشبكة الإنترنت. ويُمكِن أن تضطلع شركات الاتصالات، والبنوك، وغيرها من المُشغِّلين بمهمة توفير البنية التحتية اللازمة لخدمات تحويل الأموال.
 

العصر الرقمي
لقد آن الأوان لبلدان المنطقة لكي تلحق بالعصر الرقمي، وتتيح لشبابها اغتنام الفرص المتاحة في الاقتصاد الجديد. لا شك أن تعزيز إمكانية الحصول على خدمات الإنترنت وتيسير نظام المدفوعات عبر الهاتف المحمول لن يحل كل مشاكل العالم العربي أو يُحقِّق تطلعات شبابه وأمالهم بشكل كامل. ولكن تحقيق انطلاقة كبرى في المنطقة قد يُوحِّد جهود السلطات والشباب خلف هدف مشترك، ويساعد على تحقيق تحوُل في الطريقة التي تمارس بها الحكومات والشركات ومنظمات المجتمع المدني ورواد الأعمال من الشباب أنشطة أعمالهم.
وأصبحت القدرة على زيادة فرص العمل وتوسيع النمو في المنطقة في متناول ملايين من الشباب الذين يتعاملون بالرسائل النصية عبر خدمات «واتساب» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«تويتر» كل يوم. لقد آن الأوان أن تتاح للشباب العربي فرصة عادلة لتحقيق النجاح عبر الإنترنت ولحكومات المنطقة أن تنطلق نحو آفاق المستقبل.
 
مقومات متوافرة
وتمتلك بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كل المقومات اللازمة لتخطِّي العقبات وتحقيق قفزة كبيرة نحو المستقبل الرقمي. فهي تحظى بشريحة كبيرة من شباب حاصلين على تعليم جيد، ويتبنون التقنيات الرقمية الجديدة والهواتف المحمولة على نطاق واسع، فضلاً عن أن شريحة الإناث الحاصلات على تعليم عال من شأنها تحريك النمو وخلق وظائف في المستقبل.
لكن الإنفاق العام، وهو محرك التنمية في المنطقة على مر التاريخ، قد بلغ أقصى حدوده، ولم يعد بمقدور القطاع العام استيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الجامعات، ومن ثم يواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الوقت الراهن واحدًا من أعلى معدلات البطالة بين الشباب في العالم. ولأسباب متنوعة – كثير منها ثقافي – تبقى النساء الحاصلات على تعليم عال بالمنازل، مما يجعل معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة من بين الأدنى على مستوى العالم.
ويُبشِّر الاقتصاد الرقمي بفتح طريق جديد للتقدُّم والمضي قدمًا، لكنه لا يزال في مراحله الأولى، ولا يزال الشباب يواجهون عقبات في طريق استخدام التكنولوجيا استخدامًا منتجًا. وعلى الرغم من الانتشار الواسع للإنترنت والأجهزة المحمولة باليد بالمنطقة، فإنها تُستخدم حاليًا في الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي لا في إطلاق مشروعات أعمال جديدة.
 
خطوة أساسية
الخطوة الأساسية الأولى على هذا الطريق هي أن تصبح بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «مجتمعات تعلُّم»، وهو تعبير صاغه عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، جوزيف استيغليتز، لوصف البلدان التي يؤدِّي فيها تبادل المعارف إلى تعزيز روح الابتكار. ويساعد هذا بدوره في النهوض بالتنمية، وفي المنطقة قد يُؤدِّي إلى نشأة اقتصاد للخدمات الرقمية مفعم بالحيوية والنشاط. ولبلوغ هذه الغاية، يجب أن تتغيَّر النُظُم التعليمية. فبالنسبة للشباب في المنطقة، أصبحت المناهج مصدرًا للإحباط وخيبة الأمل في أغلب الأحيان وليس سبيلاً إلى التقدُّم والرقي. ووفقًا لمفهوم «علاوة المهارات»، أو الفرق في الأجور بين كل من العمال المهرة وغير والمهرة، ينبغي أن تؤدي زيادة مستوى التحصيل العلمي إلى الحصول على أجر أعلى ووظيفة أكثر أمانًا. ولكن الذي يحدث في المنطقة على النقيض من ذلك، فاحتمالات انضمام خريجي الجامعات إلى صفوف العاطلين عن العمل أكبر بكثير مقارنة بالعمال الحاصلين على تعليم أساسي فحسب.
 
توجيه التعليم
وثمة أمران يضران الشباب في المنطقة. أولاً، لا تزال المدارس تستهدف توجيه الخريجين إلى القطاع العام الضخم، وهو ما يؤدي إلى إيلائها اهتمامًا أقل لمجالات كالرياضيات والعلوم. ثانيًا، يزاحم القطاع العام المتضخم القطاع الخاص، ولولا ذلك لكان الأخير أكبر جهة توفر الوظائف ذات المهارات العالية والأجور المرتفعة.
ونظرًا لحاجة اقتصاد المستقبل إلى عاملين أكفاء من الناحية التكنولوجية، ينبغي إعادة توجيه المناهج الدراسية نحو مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وبعيدًا عن الدراسات الاجتماعية التي طالما حظيت باحتفاء القائمين على العمل في القطاع العام.
وعلاوة على ذلك، يجب أن تهتم النظم التعليمية بتشجيع المزيد من الانفتاح على الابتكار والمخاطرة – ما يعني تحولاً كبيرًا عن المواقف التي نشأت في ظل نظام المحسوبية في القطاع العام. وعلى وجه التحديد، سيتطلب الانتقال نحو «مجتمع تعلم» مبتكر من الطلاب صقل مهاراتهم في التفكير النقدي والمهارات الإدارية في إطار أنظمة العمل التعاوني.


 
بنية تحتية
يحتاج الاقتصاد الرقمي كذلك، علاوة على المهارات، إلى بنية تحتية تقنية. حيث تعد إمكانية الاتصال شرطًا أساسيا لتقديم خدمات الهاتف المحمول والخدمات الرقمية الجديدة في التجارة الإلكترونية، والتدريب المهني، والرعاية الصحية، والتمويل، والتي من شأنها جميعًا أن تعزز الرفاهة إلى حد كبير. وبالتالي، يتعين على بلدان المنطقة التركيز على توسيع نطاق اتصال الإنترنت بتقنية النطاق العريض.
وستكون البنية التحتية للتعليم والإنترنت الموجهة نحو الاستخدام الإنتاجي بمثابة الأساس لاقتصاد جديد. ويمكن للمنطقة أيضًا أن تستعين بالتكنولوجيا الرقمية في تحسين إنتاجها الزراعي، وسوف يتطلب ضمان النمو المستدام في المنطقة تحسين أنظمتها المالية أيضًا. فالاقتصاد الرقمي لا يعتمد على أنظمة الدفع سهلة الاستخدام والمتاحة على نطاق واسع فحسب، لكن ينبغي أن تكون تلك الأنظمة موثوقة أيضًا. وسيكون من الضروري إنشاء أنظمة مدفوعات فعالة من النظير إلى النظير على غرار نظام إم – بيزا، الذي يتطلب وسيطًا ماليًا كالبنوك – لضمان ازدهار المنصات الرقمية لمشاركة الركوب، وأداء المهام عند الطلب، وغيرها من الخدمات.
وتعد جودة الخدمات المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الوقت الراهن متأخرة عن سائر بلدان العالم، باستثناء بلدان مجلس التعاون الخليجي، التي تتوفر بها أنظمة دفع متقدمة نسبيًا. وما لم تجر تحسينات على النظام المالي، وعلى القطاع المصرفي على وجه الخصوص، فلن تتحقق إمكانات رأس المال البشري الهائل في المنطقة.
 
نعمة ونقمة
وترى البلدان النامية أن الارتقاء إلى مصاف البلدان متوسطة الدخل يشكل نعمة ونقمة في آن واحد. ففي حين تمكن بعضها من التغلُّب على الفقر المدقع والحرمان، فإن تراجع النمو الاقتصادي الذي يعقب ذلك في العادة جعل مواصلة التقدم نحو مصاف البلدان مرتفعة الدخل، كما كشفت تجارب الماضي، أمرًا نادرًا للغاية. لا شك أن هذا هو حال البلدان متوسطة الدخل في معظمها بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
على مدار الخمسين عامًا الماضية، شهدت بلدان المنطقة تراجع وتيرة النمو بل ركودا اقتصاديا. ومع أن اقتصاد الكثير من هذه البلدان، لا سيما تلك التي تعتمد على صادرات النفط والغاز، قد سجلت فترات من زيادة النمو، فإنها لم تواصل السعي حثيثا للحاق بالركب.
ويشير انتشار شرك البلدان متوسطة الدخل فيما بين بلدان المنطقة إلى وجود اختلالات هيكلية شائعة تعوق النمو. وعلى وجه التحديد، تفتقر هذه البلدان جميعا إلى حيوية القطاع الخاص بسبب نقص الإرادة أو القدرة على اعتماد أحدث مبتكرات التكنولوجيا. وقد حال هذا دون تواصل نمو الإنتاجية، وهو ما يستحيل من دونه الحفاظ على تحسُّن مستويات المعيشة بوجه عام.
إن السبب في تراخي القطاع الخاص يكمن في عقد اجتماعي مضى عليه أكثر من 50 عامًا، تكفل الدولة بموجبه إتاحة وظائف في القطاع العام وتقديم دعم شامل في مقابل الحصول على الهدوء السياسي وغياب المساءلة. وبتخليص المواطنين من مخاطر الحياة الاقتصادية، يؤدي هذا العقد الاجتماعي إلى خنق روح ريادة الأعمال والابتكار، كما يضعف مستوى الخدمات العامة، ويذكي انعدام الثقة في الحكومة.
 
العقد الاجتماعي
إن حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحت اليوم عاجزة بشكل متزايد عن المحافظة على التزاماتها في هذا العقد. فتصاعد مستوى المديونية يجبرها بالفعل على خفض الإنفاق العام، الذي كان في العادة هو المُحرِك الرئيسي للنمو الاقتصادي في المنطقة، وعلى بدء إلغاء الدعم الشامل للسلع والخدمات. ومع انحسار أنشطة السياحة والاستثمارات الأجنبية بسبب التوترات الجيوسياسية، تتزايد حالة عدم اليقين.
علاوة على ذلك، لم يعد القطاع العام في المنطقة قادرا على استيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الجامعات. ومع أنه تثور مخاوف جدية بشأن جودة التعليم وإمكانية الحصول عليه، فإن الحقيقة هي أن من يدخلون سوق العمل تتزايد مستويات تعليمهم، لكنهم غير مؤهلين للعمل.
بعبارة أخرى، لم تسفر هذه التطورات في رأس المال البشري عن تسريع وتيرة النمو الاقتصادي. بل على العكس، تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعضا من أعلى معدلات البطالة في صفوف الشباب في العالم، وهو ما يؤدي إلى أكبر معدل لاستنزاف العقول في العالم، مع هجرة الشباب المتعلم بحثا عن فرص في الخارج. وأحد الأسباب الرئيسية هو تقاعس حكومات المنطقة عن التشجيع على الابتكار، بل إنها في الواقع تُثبِط الهمم في بعض الحالات عن الابتكار. ومع أن بعض البلدان تخشى أن يؤدي التشغيل الآلي (الأتمتة) إلى فقدان الوظائف، فإن عجز المنطقة عن اعتماد التكنولوجيا الجديدة يعوق خلق الوظائف وفرص العمل.
وتكمن المشكلة في أن حكومات بلدان المنطقة - في سعيها إلى حماية المستفيدين الحاليين لا سيما في قطاعات كالبنوك والاتصالات السلكية واللاسلكية - تفرض لوائح تنظيمية مفرطة عفى عليها الزمن، تمنع المنافسين الجدد من دخول السوق. ويعوق هذا الاختلال في منظومة المنافسة انتشار تكنولوجيا الأغراض العامة، ويُقوِّض ذلك النوع من التكيُّف والتطوُّر الذي يحتاج إليه القطاع الخاص ليصبح مفعما بالنشاط. لكن الحال ليس كذلك في آسيا، مثلا، وهي منطقة تبنت التكنولوجيا الجديدة لتصبح مركزا صناعيا عالميا. والحقيقة أنه بفضل الأتمتة ستحتفظ آسيا على الأرجح بتفوقها الصناعي حتى بعد زيادة الأجور عن المستويات التقليدية للبلدان كثيفة الإنتاج الصناعي. 
وفي ظل هذه الظروف، ليس بمقدور بلدان المنطقة متابعة مسار التنمية التقليدي الذي يعتمد على صادرات الصناعات التحويلية. بل يجب عليها، بدلا من ذلك، العمل على إنشاء اقتصاد رقمي أكثر تطوُّرًا يستفيد مما يتمتع به من الأيدي العاملة من الشباب المتعلمين. وسيتطلَّب هذا، أولا وقبل كل شيء، اعتماد تكنولوجيا جديدة، وحتى توفير «المنافع العامة الرقمية» مثل خدمات الإنترنت عريضة النطاق السريعة والمنتظمة وحلول الدفع الرقمية.
 
أدنى معدلات
ورغم أن وسائل الربط من خلال شبكة الإنترنت والأجهزة الرقمية أصبحت واسعة الانتشار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنها تُستخدم في الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي لا في إطلاق مشروعات أعمال جديدة أو خلق فرص عمل. وهذا مرجعه على الأرجح أن المنطقة سجَّلت أدنى المعدلات في العالم من حيث نسبة المشتركين في خدمات الإنترنت ذات النطاق العريض. ومن حيث الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، مثلا، تتفوق بلدان شرق أفريقيا على نظرائها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
إن بلدان المنطقة في حاجة ماسة إلى عقد اجتماعي جديد يُركِّز على استخدام التكنولوجيا لتمكين مئات الملايين من الشباب الذين يتوقع أن ينضموا إلى سوق العمل في العقود القادمة. ولا يتطلب هذا توفير المنافع العامة الرقمية فحسب، وإنما أيضا إصلاح البيئة التنظيمية، وفي هذا الصدد تُقدِّم كينيا نموذجا يُحتذى، فقد ساعد اتباعها نهجا تنظيميا مُبسَّطا في تسهيل النمو السريع.
إن التكنولوجيا قادرة على انتشال بلدان المنطقة من شرك البلدان متوسطة الدخل، ولكن على حكوماتها أن تخطو الخطوة الأولى وتأخذ بزمام المبادرة. وإلا فإنها ستبقى متأخرة عن الركب، وسيظل أبناؤها يسعون إلى تحسين حظوظهم في الحياة في أماكن أخرى.
 
نهج لانطلاقة كبرى
هناك حاجة لواقع اقتصادي جديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويجب أن يتشكل هذا الواقع الجديد قريبا. ففي منطقة تتهاوى فيها العقود الاجتماعية القديمة، ويخفق الاقتصاد الجامد في توظيف أكثر أفراد القوى العاملة تعليما وإنتاجية، فإن النهج التدريجي للتغيير لا يكون قابلا للتطبيق.
وبدلاً من ذلك، تحتاج المنطقة إلى جهد شامل، شبيه بما قامت به الولايات المتحدة بعد أن قررت في أوائل الستينات أنها تريد أن تهبط برجل على سطح القمر. ويمكن لمثل هذه «الانطلاقة الكبرى» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تُوحِد الناس خلف هدف مشترك، وتساعد على تحقيق تحوُّل في الطريقة التي تمارس بها الحكومات والشركات والمؤسسات المالية الدولية ومنظمات المجتمع المدني أعمالها. وستحدث تحولا في اقتصاد بلدان المنطقة وتساعد على ضمان أن يجد الملايين من شبابها الوظائف الجيدة التي يستحقونها.
خلال العقود القليلة الماضية، توافد الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الجامعات، لكن لم تكن هناك زيادة متناسبة في الطلب على مهاراتهم. فكانت النتيجة أن خريجي الجامعات أصبحوا أكثر عرضة للبطالة من أولئك الأقل تعليما. ويزيد هذا من بواعث القلق الاجتماعي ويعوق الاقتصاد بإخفاقه في توظيف أكثر أفراد القوى العاملة تعليما وأكثرهم قدرة على الإنتاج.
ولتغيير هذه الأوضاع، يجب على المنطقة أن تخلق على وجه السرعة واقعا اقتصاديا جديدا يمكن أن يتيح الفرص لجميع شبابها. لقد بلغ النموذج الاقتصادي القديم الذي تقوده الدولة، والذي لا يزال متجذرا في الكثير من بلدان المنطقة، أقصى مداه ولم يعد قادرا على توفير الوظائف الضرورية، ناهيك عن توفير وظائف عالية الجودة.
ولا يمكن لنموذج النمو القائم على الصناعات الخفيفة كثيفة العمالة، مثل الذي تتبعه بلدان شرق آسيا، أن يحل مشكلة خريجي الجامعات العاطلين. علاوة على ذلك، قد لا يصلح مسار النمو هذا لأن التكنولوجيا الجديدة تغير سريعا من طبيعة التصنيع.
 
التكنولوجيا... الحل
إن أكثر نهج واعد يناسب بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو اعتماد نموذج اقتصادي يقوم على التكنولوجيا ويشجع الابتكار والإبداع والإقبال على المخاطرة. ويمكن لمثل هذا النموذج أن يوفر فرصا للحاصلين على تعليم جيد. وفضلا عن ذلك، يمكن للتطبيقات التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، مثل منصات التوظيف، أن تساعد العمال الأقل تعليما في العثور على وظائف. وسيتطلب هذا إنشاء نظام اتصالات حديث يساعد في وجود اقتصاد رقمي شامل وبنية تحتية مالية لدعم هذا الاقتصاد.
ولتحقيق هذا البرنامج الطموح، يجب على هذه البلدان أن تعكف على حشد المساندة السياسية وإثارة خيال الجماهير. ولا يمكنها أن تفعل ذلك إذا واصلت النهج التدريجي التقليدي في التغيير. ومن دون بذل جُهد كامل، سيُحكم على جيل من شباب المنطقة بالبطالة أو العمالة منخفضة الإنتاجية ذات الأجر المنخفض. وسوف تستمر الفجوة التكنولوجية بين بلدان المنطقة وبقية العالم في الاتساع.
ومن أجل الإعداد للانطلاقة المطلوبة، يجب على السلطات في المنطقة أن تضع هدفين شجاعين وتخطط لإنجازهما على وجه السرعة، ولنقل في غضون أربع سنوات: إنشاء شبكة حديثة لخدمات الإنترنت ذات النطاق العريض تغطي جميع البلدان، بما في ذلك المتأخرة اقتصاديا منها. وإنشاء بنية تحتية تساند التحويلات المالية الرقمية من خلال الأجهزة المحمولة والإنترنت.
ولتسهيل خدمات الإنترنت ذات النطاق العريض وأنظمة الدفع الحديثة تواجه الجهات التنظيمية تحديين مزدوجين. فيجب عليها تشجيع الوافدين الجدد وتعزيز المنافسة، ويجب عليها بناء الثقة في نزاهة وأمن التمويل الرقمي في سوق خاصة بمنطقة تهيمن عليها البنوك العامة.


 
دور الدولة
يتفق خبراء الاقتصاد بشكل عام على المبادئ العريضة لكيف ومتي ينبغي أن تلعب الدولة دورا في الاقتصاد، لكنهم غالبا ما يختلفون حول التفاصيل. على سبيل المثال، ثبت أن النقاش بين الاقتصاديين حول تزايد أشكال التفاوت والحاجة إلى إعادة التوزيع لضمان التماسك الاجتماعي مثار خلاف. فالأفراد في الكثير من البلدان يختلفون في قناعاتهم وتوقعاتهم حول شكل دور الدولة. ونحن نرى أن البلدان العربية يجب أن تحاول غرس ثقافة «القيمة مقابل المال» وتشجيع ظهور جهات تنظيمية مستقلة، وإن كانت تخضع للمساءلة، تعتمد بدرجة أقل على الدولة لتجديد وإنعاش اقتصادها والحد من عدم المساواة.
على الرغم من أن تقاليد الأجداد في المنطقة متجذرة في التجارة، فقد تبنت البلدان العربية منذ استقلالها نماذج التنمية التي تقودها الدولة والتي أدت إلى اعتماد الاقتصاد اعتمادا مفرطا على السلطة المركزية. لقد صمد هذا النموذج الاقتصادي على الرغم من الانتكاسات الكبيرة التي حدثت في التسعينات والتي دفعت إلى محاولات كثيرة لإجراء إصلاحات هيكلية. إن الاستمرارية منبعها مجموعة من الترتيبات التي توفر من خلالها الدولة وظائف في القطاع العام وأنظمة دعم شامل تخفف من المخاطر التي يتعرض لها المواطنون في حياتهم الاقتصادية. لكن هذه الترتيبات تعرقل ريادة الأعمال والابتكار كما تضعف الخدمات العامة، وفي الوقت نفسه تذكي مشاعر عدم الثقة في الحكومات. ويجب أن يتغير هذا، لكن مثل هذا التغيير يتيح للسلطات إمكانية ابتكار نهج جديد للحماية الاجتماعية.
 
القطاع الخاص والتكنولوجيا
تحتاج البلدان العربية إلى تبني نهج يركز على استخدام التكنولوجيا لتمكين شبابها اقتصاديا. في الواقع، يبدو القطاع العام غير قادر على استيعاب مئات الملايين من الشباب الذين سيدخلون أسواق العمل العربية في العقود القادمة. إن إنشاء قطاع خاص مفعم بالنشاط والحيوية ينتج الابتكارات التكنولوجية هو أحد الطرق الواعدة التي يمكن أن تحقق من خلالها الاقتصادات العربية نموا دائما وشاملا.
ويتسق هذا النهج مع ما يتطلبه تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها جميع البلدان العربية، إلى جانب بقية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والتي تتماشى بالكامل مع التركيز على دور القطاع الخاص والعلم، والتكنولوجيا والابتكار.
 
ثقافة «القيمة مقابل المال»
المساءلة أمر حاسم لدولة تؤدي وظائفها أداء جيدا، هو خلق ثقافة «القيمة مقابل المال» في الإدارة العامة يساعد في بناء الثقة مع المواطنين. وهي تبدأ بالبيانات والقياس والإفصاح لوضع دراسات تشخيصات قوية تتسم بالشفافية. وحالما تقطع السلطات التزاما واعيا، فمن شأن آليات مثل حلقات استقاء المعلومات التقييمية أن تسمح للإدارات العامة أن تحدد بسرعة قضايا الجودة.
وإحدى الوسائل المعقولة للمساعدة في بناء الثقة هي استخدام نهج إضفاء - مع تعزيز التحسينات واستدامتها - الطابع المحلي على التنمية الذي طبق في بلدان مثل كولومبيا وإندونيسيا وكينيا، ولكن تم تجاهله عادة في الكثير من البلدان العربية عندما تنظر في تصميم الموازنة وتعبئة الموارد المحلية والإنفاق الموجه الفعال. وإذا تمكنت البلدان العربية من تحسين قدرة حكوماتها المحلية على التخطيط والتمويل والخدمات الأساسية فيمكنها أن تقطع خطوات كبيرة نحو بناء الثقة مع مواطنيها، وصوب إحراز أهداف التنمية المستدامة الطموحة.
ورغم أن معظم البلدان العربية تنفق قدرًا كبيرًا من الموارد مقارنة بمستويات دخلها، فإنها تحقق نتائج ضعيفة نسبيا، خاصة في مجالي الصحة والتعليم. ولأن الاستثمار في رأس المال البشري هو أهم إجراء طويل الأجل يمكن أن تقوم به أي حكومة، فإن مبادرة مجموعة البنك الدولي التي تسمى مشروع رأس المال البشري، تهدف إلى توثيق السبب وراء افتقار استثمارات رأس المال البشري في كثير من الأحيان إلى الكفاءة وإلى مساعدة البلدان في تحقيق أقصى «استفادة» من هذه الاستثمارات.
كما أن البلدان العربية من بين أقل بلدان العالم كفاءة في جمع الضرائب. ويرجع ذلك، في جزء كبير منه، إلى الإيرادات الوفيرة من قطاع الطاقة، ومصادر أخرى، مما يحدّ من الدوافع لتعبئة الإيرادات الضريبية. لكن خواء الخزائن الحكومية سريعا يتطلب إصلاحًا ضريبيًا جادا. ومن شأن الالتزام المتجدد بتقديم خدمات عالية الجودة أن يزيد الثقة بين المواطنين والدولة ويمكن أن يسهل تعبئة الإيرادات الضريبية بشكل أفضل.

 


اشترك في النقاش