الحكومة الأولى لإيران في لبنان

واشنطن تهدد بقطع المساعدات الأميركية للوزارات المخصصة لـ«حزب الله»
 يحاول سعد الحريري منذ السادس من مايو الماضي تشكيل حكومة حكومة وحدة وطنية، إلّا أنه كلما حل مشكلة تظهر أخرى.
* يحتاج «حزب الله» إلى دولة لبنان وسيستخدم مؤسساتها لتغطية التحديات المالية والعسكرية التي يواجهها.
*  لن تجذب حكومة جديدة مرتبطة بـ«حزب الله» استثمارات أو مساعدات مالية من شأنها أن تخفف من الأزمة الاقتصادية التي تلوح في أفق لبنان.

 

واشنطن: يحاول رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري منذ السادس من مايو (أيار)- تاريخ الانتخابات البرلمانية الأخيرة في لبنان- تشكيل حكومة من المفترض أن تكون حكومة وحدة وطنية، مع تمثيل عادل من قبل جميع الأطراف التي تشكل المشهد السياسي اللبناني. إلّا أنه كلما حل مشكلة تظهر أخرى، ويبدو الآن أن «حزب الله» وحلفاءه يريدون فقط حكومة أغلبية، بحيث يتم اتخاذ جميع القرارات السياسية والأمنية والعسكرية المتعلقة بلبنان في طهران.

سلسلة من الشروط غير الملائمة

في البداية، تم تناقل أنباء بأن القضية الرئيسية كانت مشكلة بين التيارات المسيحية، وبأنه يوجد خلاف حول بعض الحقائب الوزارية بين التيار الوطني الحر (العونيون) والقوات اللبنانية. وأصر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على أن الحقائب الوزارية التي عرضت على حزبه كانت "ظلماً كبيراًبالمقارنة مع حجم الكتلة البرلمانية الموسع والوزارات المقدمة للأحزاب الأخرى. ومع ذلك قرر حزب القوات اللبنانية المشاركة في الحكومة، في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع.
ولكن ظهر تعقيد آخر، مباشرةً بعد هذا القرار، مما أعاد العملية إلى نقطة الصفر.
وطرح «حزب الله» شرطًا جديدًا: فهو يريد أن يتم تعيين أحد حلفائه السُنة كوزير في الحكومة الجديدة. وقد قاوم الحريري هذا الطلب حتى الآن إلا أن الحزب يصر على أن الحريري فقد أكثر من ثلث مقاعده في الانتخابات لصالح حلفاء «حزب الله» السنة.
بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يسيطر «حزب الله» على وزارة الصحة ويزيد عدد الوزراء إلى ثلاثة بدل الوزيرين في الحكومة المنتهية ولايتها.
وتتطلب وزارة الصحة بعد وزارات الدفاع والتعليم والداخلية أعلى رابع ميزانية في لبنان بقيمة 338 مليون دولار سنوياً. وفي حين يتم تخصيص معظم الأموال في أعلى ثلاث وزارات لدفع مرتبات الموظفين، تُعطى معظم أموال وزارة الصحة مباشرةً إلى الناس.
ووفقًا لتقارير محلية عديدة، بالكاد تستطيع الخدمات الصحية التي يقدمها «حزب الله» - والتي تشمل خمسة مستشفيات ومئات المراكز الطبية والمستوصفات وعيادات طب الأسنان ومقدمي خدمات الصحة العقلية - تلبية احتياجات الجنود الجرحى وعائلاتهم. واستنادًا إلى متوسط نسبة القتلى والجرحى في المعارك الحديثة، قد يكون لدى الحزب ما يزيد على 9 آلاف ضحية للاعتناء بهم. ويشعر «حزب الله» بالقلق من فقدان بعض موارده المالية من إيران- بسبب العقوبات الأميركية المتزايدة وتقليص ميزانيات خدماتها، خاصةً الخدمات الصحية- وبالتالي يعتقد الحزب أنه باستطاعة وزارة الصحة التعويض عن هذه الخسائر المحتملة.
ومع ذلك، لا يعترض الحريري على حصول «حزب الله» على هذه الوزارة، على الرغم من التحذيرات العديدة التي تطلقها السفارة الأميركية في لبنان والمانحين الدوليين الآخرين. وورد أن السفارة الأميركية في بيروت هددت بقطع أي مساعدة أميركية أو دولية للوزارات المخصصة لـ«حزب الله». وعلى الرغم من أن واشنطن لا تقدم مساعدات مباشرة لوزارة الصحة، فإنها طرف رئيسي في البنك الدولي والمنظمات الأخرى التي تقدم هذا النوع من المساعدات.
سيحصل «حزب الله» في النهاية على وزارة الصحة ومعظم الوزارات السيادية من خلال حلفائه- حركة أمل والتيار الوطني الحر. والآن بعد أن تم حل التعقيد بين المسيحيين، يبدو الحزب أكثر إصرارًا من أي وقت مضى على تعيين حليف سني في الحكومة المقبلة.

المشكلة ليست في التفاصيل

في جميع الأحوال إذا تم تعيين هذا الوزير السني الموالي لـ«حزب الله» لحصة الحريري أو الرئيس فالنتيجة تتعدى هذه التفاصيل. يريد «حزب الله» حكومة أغلبية تحمل عنوان الوحدة الوطنية. وبصفتهم ذراع إيران في لبنان، فهم يفضلون عدم لفت انتباه المجتمع الدولي قبل بدء العقوبات في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني). ويحتاجون بقاء الحريري للبقاء كرئيس للوزراء في حكومة يتم الترويج لها على أنها حكومة وحدة وطنية، بينما هم في الواقع يسيطرون على جميع القرارات.
وبوجود حلفاء الحزب في وزارات الاقتصاد والمالية والعدل سيمتلك الحقائب الوزارية الضرورية لإدارة العقوبات التي ستستهدف مؤسساتهم ومؤسسات الدولة. ويمكن لـ«حزب الله» أيضًا استغلال وزارة العدل لتفادي الحكم القادم من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتي تحقق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري .
وقدم الادعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، المرافعة الختامية التي تضمنت كشفين مهمين:
الأول، يوجد أدلة وافرة تثبت العلاقة بين قيادة «حزب الله» ومرتكبي الجريمة، بما في ذلك تفاصيل تحركاتهم واتصالاتهم قبل الهجوم.
والثاني، كان النظام السوري أيضاً في قلب المؤامرة.
وعلى الرغم من أنه لا يُتوقّع صدور الحكم النهائي قبل خمسة أو ستة أشهر من الآن، فإنه لا يجب الاستخفاف بالآراء الواردة في مرافعات المدعي العام الختامية. فإذا أدانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان «حزب الله» بتهمة قتل رئيس الوزراء السابق ستعتبره دول العالم منظمة إجرامية. وتشمل الدول الحكومات الأوروبية، التي ستجد صعوبة أكبر في التعامل مع «الجناح السياسي» لـ«حزب الله» إذا قررت محكمة دولية رسمياً أن المنظمة الأم هي التي نفذت عملية الاغتيال. وكذلك ستسبب إقامة علاقات دولية مع مؤسسات الدولة اللبنانية مشاكل كبيرة إذا ظل الحزب جزءا من الحكومة.
وبغض النظر عن هذه التحذيرات، لا يبدو أن «حزب الله»- أو الحريري نفسه- على وعي بعواقب تشكيل حكومة مرتبطة جداً بـ«حزب الله» وحلفائه. ولم يعد حلفاء «حزب الله» في واشنطن يعتبرون مجموعات يمكن الاقتراب منها، إذ أصبح ينظر إليهم على أنهم عناصر مساعدة لـ«حزب الله». وسيكون لذلك عواقب على أحزابهم والوزارات التي سيترأسونها ويديرونها.
ويتصارع لبنان مع ثالث أكبر نسبة من الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم ونمو الركود وما قاله صندوق النقد الدولي (IMF)عن تزايد نقاط الضعف في نظامه المالي. ولن تجذب حكومة جديدة مرتبطة بـ«حزب الله» استثمارات أو مساعدات مالية من شأنها أن تخفف من الأزمة الاقتصادية التي تلوح في أفق لبنان.
أضف إلى ذلك، الأزمة الأخرى التي من المحتمل جداً أن تضرب لبنان وأمنه الضعيف للغاية وهي الصراع المحتمل مع إسرائيل. ويبدو أن أولوية إيران/ «حزب الله» في هذه المرحلة هي الاستمرار في تحويل صواريخهم العادية إلى أخرى دقيقة. وبما أنه لم يعد آمنًا الاستمرار بهذه العملية في سوريا (لأن إسرائيل تقصف مواقع هذه الصواريخ باستمرار) بدأ الحزب بنقل هذه الصواريخ إلى لبنان، معتقدًا أن إسرائيل ستتردد قبل نقل ضرباتها ضد إيران/ «حزب الله» إلى لبنان.
وهذا صحيح بالطبع لأن إسرائيل تفضل عدم شن حرب ضد «حزب الله» في لبنان في هذه المرحلة- لأسباب عديدة. ومع ذلك، تعتبر هذه المرافق خطًا أحمر لإسرائيل. وفي مرحلة ما، عندما يبدأ «حزب الله» بإنتاج كميات من هذه الصواريخ أو عندما يقترب من مرحلة تحويلها إلى صواريخ دقيقة، لن تجلس إسرائيل وتراقبه يطور أسلحة دقيقة تستهدف أمنها وأراضيها.
وبالنظر إلى الأزمة الاقتصادية والصراع المحتمل مع إسرائيل، يحتاج لبنان اليوم إلى حكومة تنأى بنفسها عن «حزب الله» قدر الإمكان لتجنب كل من العقوبات والصراع الذي من شأنه تدمير لبنان.
ولكن يحتاج الحزب إلى حماية نفسه لأنه يعلم التحديات القادمة أكثر من أي جهة أخرى في لبنان. ويبدو أن أفضل طريقة لحماية نفسه الاختباء داخل الحكومة ومؤسسات الدولة. يحتاج «حزب الله» إلى دولة لبنان وسيستخدم مؤسساتها لتغطية التحديات المالية والعسكرية التي يواجهها.
ويعرف «حزب الله» كيف يلعب اللعبة على المدى الطويل ويعرف متى يستخدم أو يحجب مؤسسات الدولة. فمنذ تأسيسه عام 1982، استغل الحزب وقيادته الدولة وأساءا استخدامها لصالحه. والسؤال المطروح هو: لماذا يلعب الحريري وسياسيون لبنانيون آخرون لعبة الحزب؟ وهل يستحق الحصول على مقعد في الحكومة يعمل فقط كغطاء لـ«حزب الله» كل هذا العناء؟
ويعتقد الكثير من اللبنانيين أن فكرة الانضمام إلى الحكومة أفضل من البقاء خارجًا لأن ذلك سيوفر فرصة لإنقاذ لبنان من الوقوع في الهاوية. لقد نجح ذلك في الماضي، ولكن احتمال حصول هذا الأمر قليل جدًا هذه المرة. هذه أول حكومة لإيران في لبنان، وستعتبر بمثابة شريك متواطئ بدل المنقذ.

حنين غدار: زميلة زائرة في زمالة فريدمان الافتتاحية في معهد واشنطن.

 


اشترك في النقاش