رغم «مصافحات» أمراء الحرب..«درب الظلام» يخيّم على لبنان!

 يستمرّ اللبنانيون في طي صفحات الماضي الأليم الملطخ بالدم والدمار بمصالحات «هشّة» تبرق الأمل لأيام حتى نستفيق مجددا على الواقع المرير الذي يعيشه لبنان.
آخر المصالحات التي أنهت 4 عقود من العداء كانت بين حزب القوات اللبنانية وتيار المردة، برعاية رأس الكنيسة المارونية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي. مصالحة بين حزبين مسيحيين أساسيين على الساحة السياسية حاليًا وعلى ساحة الحرب الأهلية سابقًا، فالحزبان يجمعهما تاريخ من العداء والمعارك أودت بحياة كثير من اللبنانيين.
وقبل المصالحة بأيام عودة جديدة إلى ذاكرة الحرب الأهلية عندما أقرّ البرلمان اللبناني قانون المفقودين والمخفيين قسرًا في الحرب الأهلية بعد أكثر من ربع قرن على نهايتها. فرحة أهالي آلاف المفقودين بإقرار القانون الذي من المفترض أن يكشف مصير أبنائهم لا تنهي الشكوك بنوايا بعض السياسيين على إبقاء هذا الملف في الأدراج لارتباطه بشكل مباشر بسجون النظام السوري التي يمتلك الأهالي أدلة على وجود المئات من أبنائهم فيها.
لا شكّ أنّ لكلا الحدثين أهمية في الشارع اللبناني، فهما بقعتا النور الوحيدتان في درب الظلام الذي خيّم على لبنان في الأيام الماضية. درب الظلام الذي اختار أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله إدخال اللبنانيين فيه مجددا، فاعتلى منبره من خلف شاشة عملاقة ليزف إلى جمهوره خبر قراره تعطيل تشكيل الحكومة!
الحكومة التي ينتظرها آلاف اللبنانيين علّها تضع حدا للأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة، وتنعش الجمود المالي عبر الاستفادة من مليارات «سيدر» المجمدة إلى أجل غير مسمى!
خطاب نصر الله الذي وصف بالأعنف منذ سنوات، ذكّر اللبنانيين بما جهدوا لنسيانه، وكسر الصورة التي حاول أن يرسمها لنفسه في خطاباته قبل الانتخابات النيابية الأخيرة وبعدها، عندما خلع عباءته الحقيقية وتحدث بعباءة سياسي لبناني يعي هموم رعيته ويحرص على تحسين أوضاعهم المعيشية والاقتصادية، فتحدث عن محاربة الفساد والفاسدين وعن أزمة النفايات والكهرباء... هذه الخطابات التي تلقاها اللبنانيون باستهجان رافقها ترحيب من المعارضين والمؤيدين معًا، فمن اعتادوا عليه يعتلي المنابر لكي يهدّد الدول الشقيقة والعدوة، ويفرض آراءه بقوة السلاح، ويشيّع القتلى ويعلن «الانتصارات» والأيام «المجيدة»، ويوقظ الفتن بين أبناء البلد الواحد، ويبشّر بخوضه الحروب خارج الحدود غير آبه بمصالح اللبنانيين في الداخل والخارج، قرّر أخيرًا الالتفات إلى هموم المواطن اللبناني والتعاطي بإيجابية مع شركائه في الوطن. ولكن يبدو أن وهج الانتخابات النيابية قد خفت نهائيا، حيث إن نصر الله ارتدى عباءته الحقيقية مجددا، إنه «جندي في ولاية الفقيه» كما يفتخر دائما.
 
جندي إيراني بعقل ميليشياوي يرأس حزبا شريكا بالسلطة في لبنان. بأمر إيراني، صدر القرار بشلّ الداخل اللبناني، فاختلق «العقدة» وبدأ الخطاب: تهديد ووعيد لأصحاب الحق والعمائم، تذكير بماضيه الأسود في شوارع بيروت، وترهيب بقتل كل الآمال المتعلقة على الحكومة المنتظرة. النبرة نفسها، نبرة الاستعلاء والقوة المكتسبة من سلاح غير شرعي قُتل به آلاف الضحايا في لبنان وسوريا واليمن والعراق..
انتهى خطاب الكراهية، والنتيجة إما أن توزروا من أفرضهم من الطائفة «السنية» أو لا حكومة، لا بعد شهر ولا سنة ولا سنتين. ومصالح اللبنانيين، والملفات المعيشية العالقة، ومؤتمر «سيدر» الذي يعوّل عليه اللبنانيون لعودة الاستثمار والنمو إلى البلد، لا يهم، بل تذهب هباءً، فالولاء لولاية الفقيه أكبر من لبنان وشعبه وحكومته ومصالحه واقتصاده ونموه.
قساوة الخطاب أعادت اللبنانيين بالذاكرة إلى تاريخ مكلّل بالطائفية والكراهية وحروب عشوائية أنتجت دمارًا وآلاف الضحايا، فتبدّد أي تفاؤل بتشكيل الحكومة، وخيّم المشهد السوداوي على آمال اللبنانيين، واشتدت الأنظار مترقبة ردّ بيت الوسط.
بالحكمة والروية أتى الردّ في مؤتمر صحافي عقده رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري من بيت الوسط، قطع الطريق على «أصحاب الفتن»، غلّب المصلحة الوطنية على الانفعالات، ولم ينجرّ «كعادته» لخطاب الكراهية والعدائية تجاه شركائه في الوطن. سمّى الأمور بأسمائها، أعلن الحقائق ودحض الأكاذيب، رسم الخطوط الحمراء، وأخذ القرار بعدم الاعتذار محملاً «حزب الله» مسؤولية التعطيل، رمى كرة التأليف بملعب رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي: «فالتشكيلة جاهزة، وليتفضل الجميع بتحمل مسؤولياته لكي تسير الأمور في البلد» كما قال.
أصداء خطاب الرئيس الحريري أعادت شيئا من الأمل، فالخطاب الوطني حمل هموم المواطن ولم يجره إلى فتن تعيده إلى أتون حرب هزم فيها لبنان وشعبه وضحاياه فقط، و«انتصر» فيها كلّ أمراء الحرب الذين تصالحوا وتصافحوا بعد سنوات.
فما كان يخطط له نصر الله بخطابه، بدده الحريري بهدوئه، لم يسلمهم البلد كما أرادوا بجرّه إلى الاعتذار، ولم يسلمهم قرار السلم الأهلي بالانجرار إلى الخطاب المذهبي والتحريضي.
ولكن على الرغم من أن ردّ بيت الوسط أراح اللبنانيين أنّ باب الفتنة مقفول، يبقى كابوس «حزب الله» مسيطراً على المشهد اللبناني، فمن يتفاخر بانتمائه لبلد غير بلده، ويقدّم الدماء بحروب غير حروبه، ويلوّح بالسلاح بوجه شركائه بالوطن والأرض والهوية، ويختلق الأزمات ويشلّ الاقتصاد، كيف سيبني الوطن بوجوده؟
 


اشترك في النقاش