مليونا زائر في المعرض الدولي للكتاب بالجزائر

استقطب أكثر من ألف دار نشر عربية وأجنبية... والصين ضيف شرف
الحدث الأبرز خلال هذا العام هو مشاركة الروائي الصيني مو يان الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2012... وأويحيى يمنحه وسام الاستحقاق الوطني.
* رغم أن المعرض في يومه الأول شهد إقبالا محتشما للزوار لم يتجاوز 45 ألفا، فإن العدد ارتفع بعد ذلك ليصل إلى أكثر من 600 ألف زائر.
* الواقع اليومي لمعظم الجزائريين يؤكد أن القراءة لا تشكل هما وجوديا في حياتهم، وغيابها يطال حتى شريحة المتعلمين والجامعيين والمثقفين المتقاعدين والكثير من الصحافيين.

 
 
الجزائر: في طبعة لافتة، صنع فيها بعض الكتّاب من الجيل الجديد الحدث، اختتمت بقصر المعارض بالجزائر العاصمة في العاشر من الشهر الجاري فعاليات الطبعة الثالثة والعشرين للكتاب، وهي الطبعة التي كانت فيها الصين ضيفة شرف، واستقطبت أكثر من ألف دار نشر عربية وأجنبية وجزائرية.
ومنذ البداية، كان رهان القائمين على هذا الحدث الثقافي الأبرز سنويا بالجزائر تجاوز رقم 1.7 مليون زائر، وهو الرقم الذي حققه المعرض في طبعته السابقة، بيد أن الذي تحقق كان أكبر من ذلك، حينما بلغ عدد الزوار أكثر من 2.2 مليون زائر.
وشاركت الصين (ضيف شرف المعرض) بـ40 دار نشر من بين 1015 دار نشر تمثل 47 دولة، طرحت أكثر من 300 ألف عنوان في مختلف صنوف العلوم والفنون الآداب، وشارك الوفد الصيني بشخصيات رفيعة المستوى تقدمهم نائب وزير الثقافة والإعلام ليانغ يانشون برفقة ستة أدباء قدموا ندوات أدبية خلال فعاليات المعرض.
ومن بين الدول المشاركة مصر ولبنان وتونس والكويت والسعودية وسلطنة عمان وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وسويسرا وإسبانيا والسويد والنمسا والهند والكاميرون وكوبا. وقد شهد حفل الافتتاح حضور الوزير الأول الجزائري (رئيس الحكومة) أحمد أويحيى، ووزير الثقافة عز الدين ميهوبي، وعدد من السؤولين والسفراء والدبلوماسيين.
وكان الحدث الأبرز خلال هذا العام هو مشاركة الروائي الصيني مو يان الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2012، وتم تكريمه من طرف الوزير الأول أحمد أويحيى بوسام الاستحقاق الوطني.

وقال أويحيى في الافتتاح إن «تكريم مو يان لحظة لامعة تضاف لكل ما تقرر تنظيمه هذه السنة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، إحياء لستين سنة من مسار مشترك، مسار بدأ بدعم ثمين من الصين للجزائر المكافحة، مسار استمر بكل الإنجازات الدبلوماسية والسياسية في مجالات التعاون وأمور أخرى».
من جهته، قال وزير الثقافة عز الدين ميهوبي إن «الحضور الصيني الرفيع المستوى في المعرض يعبر عن تقدير الصين للجزائر من جهة، ويعبر من جهة أخرى على مدى الارتباط القوي بين الجمهوريتين». وأضاف ميهوبي على هامش جلسة الاحتفاء بـ«مون ميان» أنه «تم تسطير برنامج لدعم التعاون بين الصين والجزائر ثقافيا من خلال المشاريع المشتركة في البحث والنشر والترجمة».
مو يان عبّر هو الآخر عن سعادته بنزوله ضيفا لأول مرة على بلد عربي، وقال إن «هذا الوسام يكتسي أهمية كبرى لديه، لأنه يعبر عن قوة الروابط بين الجزائر والصين»، مؤكدا أنه «لم يكن يتخيل على الإطلاق أن يحل ضيفا على بلد عربي، وكان يرى هذا البلد بعيدا جدا ونائيا وكان يتمثل العالم العربي من التمر الذي حاول أن يغرسه في بلده، لكن التجربة لم تنجح، ومنذ ذلك الوقت بقي العالم العربي في ذهنه قرينا بطعم التمر»، وأضاف أديب نوبل لعام 2012 أن «الثقافة جزء مهم في التبادل بين الشعوب، وهو يرمي من خلال ما كتبه عن بيئته في انتقالها من الحكمة القديمة إلى التطور يقدم صورة للآخرين عن حقيقة عمق الصين».
يوصف مو بأنه واحد من أشهر الأدباء الصينيين، وبأن أعماله من أكثر الأعمال التي تمنع السلطات الصينية نشرها. ولد في 17 فبراير (شباط) 1955، في بلدة غاومي في إقليم شاندونغ شمال غربي الصين لأسرة من المزارعين. وترك مو المدرسة في الثورة الثقافية للعمل في مصنع لإنتاج النفط.
انضم لجيش التحرير الشعبي، الجناح العسكري للحزب الشيوعي الصيني، وبدأ الكتابة عام 1981 وهو ما زال جنديا في الجيش. وبعد ذلك بثلاثة أعوام، بدأ التدريس في قسم الأدب في الأكاديمية الثقافية التابعة للجيش.
ويذكر أن مو يان هو اسم مستعار يستخدمه مو لنشر أعمال تحته، وكلمتا مو يان تعنيان بالصينية «لا تتحدث»، واسم مو الحقيقي هو غوان موي. وفي كلمة ألقاها في الجامعة المفتوحة في هونغ كونغ، قال مو إنه اختار هذا الاسم عندما كتب روايته الأولى. وأضاف أنه «يعلم أن الحديث العلني الصريح غير مرغوب به في الصين، ولهذا اختار هذا الاسم حتى لا يتحدث كثيرا».
وتعد معظم أعمال مو يان تعليقا على ما يجري في المجتمع وهو متأثر في أسلوبه بالواقعية السحرية للأديب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل غابرييل غارثيا ماركيز. ويعد من الكتاب غزيري الإنتاج، حيث كتب إحدى رواياته واسمه «الحياة والموت أضنياني» في 43 يوما فقط.
ورغم أن المعرض في يومه الأول شهد إقبالا محتشما للزوار لم يتجاوز الـ45 ألفا، بيد أن العدد ارتفع بعد ذلك ليصل إلى أكثر من 600 ألف زائر، خلال يوم واحد فقط، حسب ما كشفه محافظ المعرض حميدو مسعودي.

 

ومنذ يومه الأول، بدا واضحا تراجع الزوار عن اقتناء الكتب، بسبب غلاء الأسعار، واكتفى كثير من الجزائريين بإشباع فضولهم، فقط بما طرحته مختلف دور النشر خاصة الأجنبية، لكن دون القدرة على اقتناء تلك الكتب لقلة ذات اليد، والسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي نجم عنها ارتفاع الدولار مقابل العملات الأخرى، وخاصة الدينار المحلي الذي تهاوى أمام العملات الأجنبية لمستويات تاريخية وغير مسبوقة.
ويؤكد حمودي الخير أحد العاملين بدار نشر جزائرية في حديثه لـ«المجلة» أن «حجم المبيعات تراجع بشكل لافت»، وتجاوزت في تقديره نسبته الـ20 في المائة مقارنة بالسنوات التي خلت، وبينما اعترف أن «سبب غلاء الأسعار هو ارتفاع تكاليف النشر وتراجع قيمة العملة المحلية»، إلا أنه أبرز أن «مكانة الكتاب بشكل عام تراجعت في المجتمع الجزائري لعدة أسباب منها العامل التكنولوجي حيث تحولت اهتمامات القارئ من الوسائل المطبوعة بمختلف أشكالها من كتب وصحف إلى الوسائل الإلكترونية التي تقدم خدمات أسرع وأقل كلفة»، وهذا الأمر يعتبره حمودي «رهانا حقيقيا يهدد سوق الكتاب الذي يعاني أصلا جملة معوقات متعددة ومركبة تؤدي بالنهاية إلى صعوبة وصوله إلى أيدي القارئ».
الأزمة الاقتصادية لم ترهن سوق الكتب فقط بل طالت حتى ميزانية المعرض والتي تراجعت بنحو 25 في المائة حسب ما كشفه محافظ المعرض حميدو مسعودي.
وفي خطوة غير مسبوقة قامت إدارة الصالون يوم الأربعاء 31 أكتوبر (تشرين الأول) جناح الناشر الإيراني «المجمع العالمي لآل البيت» بسبب مخالفته القانون الداخلي للمعرض، وقال جمال فوغالي رئيس لجنة القراءة والمتابعة لدى وزار الثقافة أن «هذا الغلق جاء عقب الوقوف على عرض عناوين تم التحفظ عليها سابقا من طرف مصالح الجمارك»، بحسب وكالة الأنباء الجزائرية.

وتدخلت المصالح المختصة لسحب جميع الكتب الموجودة في الجناح الإيراني الذي يحتوي على أكثر من 1800 كتاب، أغلبها كتب شيعية. ومن بين الكتب التي تمت مصادرتها، كتاب حمل عنوان «عدالة الصحابة بين الحداثة والواقع»، فيه كلام جارح عن الصحابة والرسول عليه الصلاة والسلام، وعناوين فيها إساءات لزوجات الرسول الكريم خاصة السيدة عائشة رضي الله عنها.
وكشف محافظ المعرض حميدو مسعودي، في وقت سابق، أنه «تم التحفظ على ما لا يقل عن 60 عنوانًا، مقارنة بالسنة الماضية التي سجلت حجز 130 كتابًا»، ونبه إلى أن «الكتب الممنوعة من النشر هي التي تخدش الحياء وبعض الكتب الدينية». وأوضح المسؤول، أن «الصالون يمنع دخول أي كتب تدعو للتطرف وتجمد الإرهاب والعنصرية، وتخدش الحياء».
وباعتباره مديرا لدائرة الكتاب والمطالعة العمومية بوزارة الثقافة يعتقد جمال فوغالي أن «الذي يميز معرض كتاب الجزائر الدولي الذي أقيم تحت شعار الكتاب يجمعنا هو التئام الأسر الجزائرية وتوافدها بقوة من كل ولايات الجزائر حتى البعيدة منها»، واللافت برأيه هو «وجود دور النشر التي تقدم كتبا متخصصة للأطفال في مختلف صنوف المعرفة من علوم وأدب وثقافة».
وعن رده بخصوص معضلة الأسعار التي ألقت بظلالها على الجزائريين، قال فوغالي لـ«المجلة»: «السعر لا يمكن الحديث عنه في هذا المقام، فالكتاب هو أغلى ما نقتنيه، لذلك لا ينبغي أن ننزعج من غلائه أو صعوبة الحصول عليه بالنظر إلى فخامته وجودة محتواه وشكله، ورغم تباين الأسعار من دار نشر إلى أخرى فإنه ينبغي أن نحتفي بالكتاب باعتباره عصارة الفكر البشري، وحتى إن كان غاليا فهو الأبقى والأدوم في ذاكرتنا الفردية والجماعية».
المعرض من جانب آخر كان فرصة للمبدعين وللناشرين لتشريح واقع الكتاب بالجزائر، وللحديث عن أهم المعوقات التي تحول دون انتشاره، وانتقد كثيرون غياب استراتيجية واضحة لنشر الكتاب ودعمه، وفي صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» تحدث الأكاديمي الجزائري عمار كساب عن علاقة الكاتب بكتابه بالجزائر، وتحت عنوان «كيف جعلت السلطة من الكاتب الجزائري بقالا في معرض الكتاب» تساءل كساب عن «أسباب انفراد واستمرار السلطة بتنظيم وتمويل هذا الحدث الثقافي، تختار من يحضر وتشطب أسماء كتّاب غير مرغوب فيهم، وكذا الكتب التي يمكن عرضها والكتب الممنوعة باسم حماية الهوية الوطنية». واعتبر أن «قيام رئيس الحكومة بتدشين الصالون يأتي لتكريس هيمنة السّلطة على الكتاب وعلى الفعل الثقافي ككل».


صالون أو معرض للكتاب برأي كساب «حدث هام في عدة دول عبر العالم موجّه بصورة خاصة للمهنيين، يسمح للناشرين من كل ربوع العالم بعرض أكبر عدد من الكتب بغرض تسويقها بصورة أساسية بالجملة للمكتبات العامّة والخاصة والمؤسسات والمعاهد والجامعات، التي تقوم بدورها بعرضها أو منحها أو بيعها للقراء».
أما في الجزائر، فصالون الكتاب برأيه «مناسبة لدور النشر لبيع الكتب تقريبا بصورة حصرية بالتجزئة للمواطنين. وبذلك أصبح المعرض عبارة عن مكتبة خاصة كبيرة، ترعاها السلطة لبضعة أيام حتى تراقب ما يحدث بداخلها، وبالمقابل، تصرّ السلطة على عدم خلق سوق للكتاب، تكون فيها المكتبات الخاصة المسوّق الأهم في سلسلة الكتاب الاقتصادية. ولذلك اختارت السلطة أن تموّل الكتاب، لأنها تستطيع التحكم في مضمونه عبر عدّة ميكانيزمات رقابية يسمح بها قانون الكتاب، وترفض تمويل المكتبات التي تعلم أنها صعبة المراقبة».
وتتجلى هذه الاستراتيجية، ميدانيًا، برأيه «عبر عدد دور النشر في الجزائر الذي يتعدى الألف (1000)، في حين أن عدد المكتبات عبر الوطن لا يتعدى أربعين (40) مكتبة، معظمها في العاصمة».
وبذلك أصبح صالون الكتاب بالجزائر على حد تعبيره «يُشبه الشجرة التي تغطي الغابة»، ودفع غياب سوق للكتاب في الجزائر دور النشر حسب كساب إلى «التنافس في بيع أكبر عدد ممكن من الكتب بالتجزئة خلال المعرض الدولي للكتاب، فأصبحت كل الوسائل مسموح بها للوصول إلى هذا الهدف، حتى وإن استلزم الأمر تجنيد الكتّاب شخصيا، وتحويلهم إلى شبه بقالين، يسوّقون لمنتوجاتهم خلف طاولات العرض، من الصباح إلى الليل، تحت غطاء ما يسمى البيع بالإهداء – الذي هدفه في الأصل التعريف بكِتاب جديد وليس هدفه بيع الكتاب بالتجزئة ومدة الإهداء لا تتعدى الساعة – فراح الكتّاب يستجدون القراء لشراء كتبهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، متعهدين بأنهم سيكونون في انتظارهم في هذا الجناح أو ذاك من المعرض للتوقيع على كتبهم».
صور الكُتّاب خلف طاولات العرض، في انتظار «الزبائن»، المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اعتبرها كساب «إهانة لهم، وستنتهي هذه الإهانة بخلق سوق كتاب تسمح للكاتب بنشر وعرض وبيع كتبه والعيش الكريم منها، سوق لا يكون الكاتب فيها مجبرا على الجلوس ساعات طويلة وراء طاولة حزينة والتوقيع حتى يبيع بعض النّسخ مما كتب».
فوغالي رد على كساب بقوله إن «عدد المكتبات الحكومية في الجزائر يتجاوز 1451 مكتبة بلدية، ونحو 42 مكتبة للمطالعة العمومية بملحقاتها التي تبلغ 630 ملحقة»، هذا العدد الكبير برأيه «يجعل من الكتاب في خدمة القارئ حينما كان في القرى والمداشر أو المدن الكبرى».
وعن مكتبات البيع قال فوغالي لـ«المجلة» إن «انتشار مثل هذه المكتبات أمر مرتبط بنشاط وجهد الناشرين الذين تقع على عاتقهم مسؤولية إيجاد نقاط لبيع وترويج منتجاتهم في مختلف المدن الجزائرية»، وأوضح أن «قانون سوق الكتاب يمنح لهؤلاء القدرة على أن يجعلوا من الكتاب مرجعا وقبلة لبناتنا وأبنائنا في كل مدن الجزائر، وعلينا وعلى الناشرين أن نكثف ممثل نقاط البيع، ومنها نقضي على غلاء الكتاب ونسهل وصول الكتاب إلى كل الفئات دون استثناء».
وبينما يتحدث الكثير من المثقفين عن أزمة مقروئية بالجزائر، وأن نسبة الإقبال على المعرض لا تعكس حجم وواقع المقروئية، حيث إن الواقع اليومي لمعظم الجزائريين يؤكد أن القراءة لا تشكل هما وجوديا في حياتهم، وغيابها يطال حتى شريحة المتعلمين والجامعيين والمثقفين المتقاعدين والكثير من الصحافيين غير القادرين على شراء كتب في ظل غلاء المعيشة، إلا أن جمال فوغالي يرفض الاعتراف بوجود أزمة قراءة في الجزائر، وعلى العكس يؤكد أن «المقروئية بخير» معتبرا أن حالة القراءة في الجزائر استثنائية، الجزائري فيها لا يتباهى بفعل القراءة، فهو يقرأ في البيت، ويقرأ خلسة، ويقرأ دون أن يثير الانتباه، عكس ما يقوم به الغرب حينما نشاهدهم يحملون الكتاب في وسائل النقل العمومي».


اشترك في النقاش