سيطرة «فارسية» على مناهج التعليم والمشهد الثقافي في «الشام»

السياسة الإيرانية والأزمة السورية... هيمنة صلبة وناعمة
  • طهران تؤسس معاهد لتعليم اللغة الفارسية، وجامعات ومدارس في سوريا، وتنظم بعثات تعليمية للطلاب السوريين في إيران.
  • مجموعة مدارس «الرسول الأعظم» للمرحلتين الإعدادية والثانوية، أسست وفق منهج دراسي طائفي، وتتركز غالبية هذه المدارس في محافظتي اللاذقية وطرطوس.
  • التغلغل الإيراني داخل النسيج الوطني السوري يحاول خلق المزيد من التفتت والانقسام بين أبنائه بما يضمن لها مكاناً مستقراً ومستمراً على الأرض السورية.
  • أفرع جديدة لجامعات إيرانية في سوريا، كان آخرها فرع لجامعة «تربية مدرس» لتعد بذلك خامس جامعة وكلية تابعة للملالي في سوريا بعد أفرع جامعات: المصطفى والفارابي، وجامعة آزار الإسلامية الإيرانية، إضافة إلى كلية المذاهب الإسلامية.
  • الجامعات الإيرانية تُعد مدارس لتخريج الإرهابيين كما جاءت في دراسة أعدها الكاتب الأردني مروان العياصرة، بعنوان «جامعة المصطفى أخطر أكاديميات التطرف الإيرانية».
  • إعلان المركز الثقافي الإيراني في مدينة دير الزور شمال شرقي سوريا في يوليو 2018 عن بدء بعثات دراسية للطلاب السوريين إلى إيران على نفقه حكومتها، ليستكمل سلسلة الخطوات التي تسعى بها طهران لتغيير هوية المحافظة.
  • افتتحت ميليشيا «لواء القدس» الإيرانية مكتباً للانتساب لها في مدينة الميادين، وانضم لها عشرات الشبان السوريين نتيجة الأوضاع المادية والمعيشية المتردية.

الهيمنة والسيطرة اللتان تتبناهما طهران في سياستها الخارجية حيال كثير من دول المنطقة العربية لم تعد قاصرة على وجودها العسكري المباشر كما هو الحال في سوريا والعراق، أو وجودها عبر أذرعها كما هو الحال في لبنان واليمن، وإنما تسعى إلى حماية هذا الوجود مستقبلا عن طريق قوتها الناعمة في سعيها لبسط هيمنتها على القطاع التعليمي والثقافي في تلك البلدان، عن طريق: تأسيس معاهد لتعليم اللغة الفارسية، وافتتاح فروع للجامعات والمدارس، وتنظيم كثير من البعثات التعليمية للطلاب. وإذا كان خطر الوجود العسكري المباشر مصيره إلى الزوال في ظل صمود الشعوب العربية الواعية لمخاطر هذا الوجود، فإن هذا الخطر يصبح أكثر تأثيرا إذا ما تزامن مع وجود ثقافي وعلمي يهدف إلى خلق وعي مغاير للمواطنين، وتغيير هويتهم الثقافية والتعليمية، فنكون إزاء تماهٍ خطير بين هذا الشعب الذي فقد هويته ووعيه على غرار ما حدث مع الأتباع والأذرع المنتشرة لها في بعض الدول العربية وبين الفكر الشيعي الفارسي، الأمر الذي ينذر بمخاطر جمة تواجهه البلدان العربية التي تعيش مرحلة مخاض حقيقي للحفاظ على هويتها. ولعل ما يجري حاليا في سوريا يمثل نموذجا خطيرا للسياسات الإيرانية في محاولتها المستمرة لتغيير هويات مختلف المناطق السورية عبر أدواتها الناعمة المرتكزة على المدخل التعليمي في نشر التشيع وفقا لنظرية ولاية الفقيه.
ومن هذا المنطلق، يدق هذا التقرير جرس الإنذار للجميع للوقوف في وجه هذا التغلغل الإيراني داخل النسيج الوطني السوري والذي يحاول خلق المزيد من التفتت والانقسام بين أبنائه بما يضمن لها مكانا مستقرا ومستمرا على الأرض السورية، إذ يستعرض هذا التقرير أبرز الدلائل والمؤشرات الكاشفة عن السياسة الإيرانية الناعمة في بسط المزيد من الهيمنة على الشأن السوري، وذلك من خلال المحاور الآتية:
 
أولاً: إيران والتعليم ما قبل الجامعي
في إطار الحرص على ترسيخ مذهبها الديني ووجودها العسكري، حرصت طهران على أن تسيطر على عقول النشء من خلال إنشاء المدارس الإعدادية والثانوية التي تُدرّس المناهج الإيرانية، حيث أسست سلسلة مدارس باسم «الرسول الأعظم» تدرس المرحلتين؛ الإعدادية والثانوية، وذلك وفق منهج دراسي تطلق عليه إيران اسم «منهج آل البيت»، وتتركز غالبية هذه المدارس وفقاً لما هو منشور على موقعها الرسمي في محافظتي اللاذقية وطرطوس، ويرجع بداية تأسيسها إلى عام 2014. 
ولم يقتصر الأمر على هذه المناطق فحسب، بل فتحت طهران أيضًا ثلاث مدارس في مدينة البوكمال، ومدرسة واحدة في منطقة الميادين، والتحق بهم 250 طفلا، حيث يتم تدريس المنهج باللغة الفارسية، مع العمل على تشجيعهم لاستكمال الدراسة من خلال منحهم بعض الإغراءات المالية استغلالا لظروفهم المعيشية، حيث تمنح إدارة المدرسة كل طفل عشرة آلاف ليرة سورية كراتب شهري مقابل تعلم اللغة، كما خصصت مكافأة مالية لكل طفل يتقن اللغة الفارسية أسرع من غيره، بالإضافة إلى تأمين كافة مستلزماتهم الدراسية.


 
ثانيًاً: إيران والتعليم الجامعي
ضمن سياسة الهيمنة الشاملة على العملية التعليمية في سوريا، حظي التعليم الجامعي باهتمام كبير من جانب طهران، عبر سعيها إلى فتح أفرع لجامعاتها في سوريا، إذ تستكمل الحلقة الثالثة للهيمنة على الطالب السوري، إذ بعد أن يتم إعداده وفق الأجندة الإيرانية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، يتم نقله إلى المرحلة الجامعية التي تمتلك طاقات استيعابية لهؤلاء الطلاب الذين يعانون من تردي أوضاعهم المعيشية والمالية في ظل الحرب المشتعلة التي تديرها طهران على الأرض السورية، وفي سبيل ذلك استمرت سياستها في فتح أفرع لجامعاتها في سوريا، كان آخرها فرع لجامعة «تربية مدرس» والتي كشف وزير العلوم والتكنولوجيا الإيراني، منصور غلامي، عن هدفها بقوله إن «الهدف من إنشاء هذه الجامعة في سوريا هو إعداد وتخريج أساتذة الجامعات»، لتعد بذلك خامس جامعة وكلية تابعة لإيران في سوريا بعد أفرع جامعات: «المصطفى والفارابي، وجامعة آزار الإسلامية الإيرانية» والتي افتتحت في يناير (كانون الثاني) 2018. إضافة إلى كلية المذاهب الإسلامية التي افتتحت في مارس (آذار) 2018. ومن الجدير بالإشارة أن هذه الجامعات تُعد مدارس لتخريج الإرهابيين كما جاء في دراسة أعدها الكاتب الأردني مروان العياصرة، بعنوان «جامعة المصطفى أخطر أكاديميات التطرف الإيرانية»، وصف فيها هذه الجامعة بأنها «المؤسسة الرسمية الأكبر المعنية بتصدير التطرف وصناعة الإرهاب»، ويذكر أن هذه الجامعة بها ما يقارب نحو 1000 طالب من جنسيات مختلفة، ولها فروع في مختلف المدن السورية ومنها في مدينة دمشق. وفرع آخر في مدينة نبل حيث التحق بها ما يتراوح بين 100 و200 طالب. وتفيد المعلومات الواردة في تقرير للمجلس الوطني للمعارضة الإيرانية ومقره باريس، الصادر في أغسطس (آب) 2018 بأن جامعة المصطفى في سوريا تدفع رواتب لنحو 1000 طالب ومدرس تبدأ من 50 دولارا وتصل إلى 700 دولار.
الأمر ذاته يمتد ليشمل جامعة «الفارابي» التي تتخذ من اللاذقية مقرا رئيسيا لها، حيث تعمل وفق برنامج مشترك مع جامعة «تشرين» الحكومية، وتشرف عليها جامعة «تربية مدرس» الإيرانية، وهو ما يثير التساؤل حول ما إذا كانت هذه الجامعة «تربية مدرس» تشرف على جامعة الفارابي، فما هو السبب وراء فتح فرع لهذه الجامعة في سوريا إن لم يكن الهدف الرئيسي هو بسط المزيد من الهيمنة والسيطرة عبر صناعة أجيال مسيطر عليها عقائدياً وسياسياً بما يمهد الأرض السورية لإتمام مشاريع طهران التوسعية على حساب الشعوب العربية.


 
ثالثاً: إيران والبعثات التعليمية وتعليم اللغة الفارسية
لم يقتصر الأمر على مجرد فتح مدارس للطلاب في المراحل التعليمية ما قبل الجامعة، وكذلك لم يقتصر الأمر على فتح أفرع للجامعات الإيرانية في سوريا، وإنما كان للمؤسسات الثقافية الإيرانية دور كبير في تعزيز الوجود الإيراني بين أبناء الشعب السوري، وهو ما يمكن رصده في كثير من المؤشرات، أبرزها ما يأتي:

  1. أنشطة المستشارية الثقافية الإيرانية في العاصمة السورية (دمشق)، إذ إنه من خلال متابعة ما تقوم به هذه المؤسسة خلال الفترة الماضية، يمكن تسجيل كثير من الأنشطة، منها: تنظيم جلسات ودورات لتعلم اللغة الفارسية على أربع مراحل و8 مستويات، تنظيم مؤتمرات مشتركة مع بعض الجامعات السورية كان آخرها المؤتمر الذي عُقد بالمشاركة بين المستشارية ومركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية في جامعة حلب في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وكذلك دورها في إصدار كتب مترجمة عن الأدب والشعر الفارسي، فضلا عن إنشاء أقسام للغة الفارسية في الجامعات السورية كان آخرها افتتاح قسم اللغة الفارسية في المعهد العالي للغات بجامعة «تشرين» في أوائل نوفمبر 2018.

  2. إعلان المركز الثقافي الإيراني في مدينة دير الزور شمال شرقي سوريا في يوليو 2018 عن بدء بعثات دراسية للطلاب السوريين إلى إيران على نفقة حكومتها، ليستكمل سلسلة الخطوات التي تسعى بها طهران لتغيير هوية المحافظة. كما يذكر أن ميليشيا «لواء القدس» الإيرانية افتتحت مكتباً للانتساب لها في مدينة الميادين، وانضم لها عشرات الشبان نتيجة الأوضاع المادية والمعيشية المتردية.

  3. إقامة معارض الكتب الدينية الشيعية، فضلا عن ظهور بعض دور النشر الشيعية، على غرار مكتبة دار الحسين، لصاحبها محمد علي اليوسفي (إيراني الجنسية). 

  4. إعلان وزارة التعليم العالي السورية في سبتمبر (أيلول) 2018 عن منح ومقاعد دراسية للمرحلتين الجامعية الأولى والدراسات العليا «ماجستير ودكتوراه» في مختلف الاختصاصات المتوافرة في الجامعات الإيرانية للعام الدراسي 2018 - 2019. محددة عدداً من الشروط الواجب توافرها فيمن يحصل على هذه المنح الدراسية والتي تتحمل تكلفتها كاملة الحكومة الإيرانية. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل وقعت وزارتا التعليم العالي في البلدين كثيراً من مذكرات التفاهم في مجال إرسال البعثات العلمية للدراسة في الجامعات الإيرانية، كان آخرها ما وقعته وزارتا التعليم العالي في البلدين في يوليو 2018 بشأن إرسال بعثات للطلاب السوريين في المجال الطبي. ومن الجدير بالذكر أن هذه الاتفاقات لم تكن الأولى من نوعها، إذ سبق أن وقع البلدان اتفاقية في مايو (أيار) 2015 هدفت إلى تنظيم التبادل الجامعي للأعوام 2015 – 2017. قدم الجانب الإيراني بموجبها 40 منحة دراسية كاملة في مرحلة الدكتوراه، و60 في الماجستير، و100 في مرحلة الإجازة، و10 منح كحد أقصى (5 في الماجستير و5 في الدكتوراه) للعاملين الدبلوماسيين في السفارة السورية في إيران وعائلاتهم. بالإضافة إلى تخصيص 30 منحة لمرشحين من قبل السفارة الإيرانية بدمشق، وأن يُدفع للطلبة الذين يدرسون منحة كاملة، مساعدة مالية شهرية.

خلاصة القول إن التعليم هو الطريقة الرئيسية لبناء وتوجيه تفكير الأطفال، خصوصًا في المرحلة المبكرة من العمر، وللأفكار التي يتلقاها هؤلاء الأطفال تأثير على الأجيال الناشئة، وإدراكا من هذا الفهم الإيراني لدور التعليم في ترسيخ وجودها في سوريا، كانت سياستها القائمة على إنشاء كثير من المؤسسات التعليمية والثقافية وذلك ضمن مشروعها لإحكام السيطرة على العقل السوري عقائدياً وسياسياً وتكريس تبعيته للفكر الخميني الفارسي. ومما يزيد الطين بلة أن النظام السوري عبر موافقاته على إقامة مثل هذه المؤسسات التعليمية والثقافية يزيد من ترسيخ وتكريس تلك الهيمنة الإيرانية على العقول السورية في المناطق التي توجد بها هذه المؤسسات، ولعل الاقتراح الذي تقدم به رئيس لجنة الصداقة البرلمانية السورية الإيرانية، حسين راغب الحسين، بتأسيس «مركز دراسات» يجمع بين وزارة التعليم السورية ووزارة العلوم والتكنولوجيا الإيرانية، طبقا لما ذكرته وكالة «سانا» الناطقة باسم النظام السوري، على هامش لقائه مع رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني في طهران في الثالث عشر من نوفمبر، يؤكد على التبعية التي ينتهجها النظام السوري في إدارة الملف التعليمي والثقافي في علاقته مع طهران. وهو ما يستوجب الانتباه إلى مثل تلك المخاطر التي تهدد أمن واستقرار المجتمعات العربية، إذ آن الأوان للمؤسسات والمنظمات العربية المعنية بشؤون التعليم والثقافة، بضرورة تبني سياسات وخطط سريعة للوقوف في وجه هذه السياسة الإيرانية، وتقع المسؤولية في هذا المقام على عاتق كل من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألسكو)، وكذلك وزارات الثقافة في الدول العربية ومجامع اللغة العربية، بضرورة تبني استراتيجية عاجلة لمواجهة السياسة الإيرانية في سعيها لبسط سيطرتها الثقافية على عقول الأطفال في الدول العربية التي تتمدد فيها، بما يسهل مهمتها في تصدير ثورتها، وغرس فكرها الشيعي الفارسي.


اشترك في النقاش