زاهي حواس: أفلام المومياء كلها تخاريف

تحدث في حوار مع «المجلة» عن سرقة الآثار العربية وفترة عمله كوزير للآثار بمصر
* الربيع العربي دمر الآثار في المنطقة... والإرهابيون يسرقون الآثار ليشتروا بأموالها السلاح. والآثار الموجودة في العراق وسوريا واليمن وليبيا تباع الآن في جميع أنحاء العالم.
* ليس الهدف من سرقة الآثار سرقة تراث البلد.. ولكن بشكل عملي الإرهابيون يسرقون الآثار لكي يقوموا ببيعها مقابل أموال يشترون بها السلاح ليقتلوا الناس.
* السعودية تشهد نهضة أثرية وسياحية لم تحدث من قبل. وقامت باستعادة الآثار المسروقة سواء من المواطنين أو من الخارج وأنشأت متاحف على أعلى مستوى.

 
القاهرة:قال عالم الآثار المصري، الدكتور زاهي حواس، الملقب بالفرعون الصغير، إن أفلام المومياء «كلها تخاريف»، وأضاف في حوار مع «المجلة» إنه ليس لهذه الأفلام علاقة بالحقيقة لكنها أدت رسالة جيدة للفراعنة.
وتطرق الدكتور حواس إلى ما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي»، قائلا إنها دمرت الآثار في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن الإرهابيين يقومون بسرقة الآثار ليشتروا بأموالها السلاح. وأوضح أن آثارا من العراق وسوريا واليمن وليبيا، تباع الآن في جميع أنحاء العالم.
ويعكف الدكتور حواس في الوقت الراهن على تأليف كتاب جديد عن الآثار المصرية باللغة الإنجليزية. وتحدث عن زيارات المشاهير للأهرامات وغيرها من الآثار الفرعونية، وتطرق أيضا إلى النهضة التي تشهدها المملكة العربية السعودية في قطاع الآثار... 
وإلى أهم ما جاء في الحوار...
 
* ماذا عن الكتاب الذي تعكف على كتابته الآن؟
- الكتاب بعنوان «زاهي حواس والآثار المصرية»، ويمثل دليلا لكل آثار مصر؛ إسلامي وقبطي ويهودي وروماني، وجميع المتاحف المصرية. يحتوي الكتاب على رسالة هامة، خاصة لزائري مصر من الخارج، حيث يستطيعون زيارتها مرات ومرات، ولن ينتهوا من جميع الأماكن الأثرية الموجودة فيها، وبالتالي هي تشجيع لكل من زار مصر من قبل، أن يعود ويزورها مرة أخرى. وكذلك يوجد في الكتاب دليل لكل المطاعم والأماكن التي أحبها في مصر وأريد أن يزورها الناس. والكتاب باللغة الإنجليزية، ولا يوجد نسخة عربية بسبب عدم وجود ناشر، فتكلفته عالية، خاصة مع وجود الصور، ولكي يبيعه هناك صعوبات في توزيعه وبيعه، وأيضا أقوم بالتجهيز مع موسيقار إيطالي لأوبرا تسمى «أوبرا توت عنخ آمون»، ونتمنى أن تكون هذه جاهزة مع افتتاح المتحف الكبير عام 2022 تزامنا مع الذكرى المئوية لاكتشاف مقبره الملك توت عنخ آمون.
 
* في الآونة الأخيرة كانت هناك قضية بشأن آثار مصرية تم تهريبها لإيطاليا، ثم تم ضبطها في مدينة نابولي؟ كيف تنظر لقضية تهريب الآثار؟
- هذه الآثار التي تم ضبطها تعود واقعتها إلى مايو (أيار) 2017. ولم تقم السلطات الإيطالية بإخطار مصر بشأنها إلا منذ شهور قليلة. وشاهدت هذه الآثار.. لم أجد بها أي أثار «مهمة»، بمعني لا يوجد بها أي قطع لها قيمة كبيرة فهي مجموعة من الآثار عبارة عن الفخار وأقنعة من العصر الروماني. ولدينا مشكلة هنا، فمصر الحديثة مبنية فوق مصر القديمة، لذلك يقوم الكثير من المواطنين بالحفر في ديارهم، خاصة في بعض المناطق بمدينه أسوان، والمطرية، وهي مشكلة كبيرة. وسرقة الآثار موجودة في كل بلدان العالم، فمثلاً في «فيينا» القطع الأثرية النادرة في العالم تم سرقتها من المتحف هناك، والمشكلة بدأت لدينا منذ ثورة يناير عام 2011. حيث خرجت الكثير من قطع الآثار إلى الخارج أثناء الثورة.


 
* من هي أكثر الدول العربية التي تعرضت آثارها للسرقة؟
- أثناء قيامي بتولي مهام وزارة الآثار بمصر، كان الأمن الوطني الأميركي متعاونا معي في إعادة الآثار المسروقة، لكنني وجدت لديهم مبنى كاملا يضم مئات الآثار، سواء المصرية أو السورية أو العراقية وغيرها، ومما لا شك فيه أن الربيع العربي هذا دمر جميع الآثار في المنطقة العربية خاصة في عامي 2011 و2012.
 
* ما الهدف من سرقة آثار أي دولة؟
- ليس الهدف من سرقة الآثار سرقة تراث البلد، ولكن بشكل عملي الإرهابيون يسرقون الآثار لكي يقوموا ببيعها مقابل أموال يشترون بها السلاح ليقتلوا الناس، وبالتالي كل الآثار الموجودة في العراق وسوريا واليمن وليبيا تباع الآن في كل مكان في العالم بشكل غير طبيعي، والحمد لله أن مصر تم السيطرة عليها، وأصبح هناك أمان في البلد وبالتالي تم الحفاظ على الآثار وهناك نية لعودة السياحة بسبب وجود هذه الآثار في مصر العظيمة.
 
* لماذا هناك تركيز على سرقة الآثار الإسلامية تحديدا؟
- السبب الأساسي أن الآثار الإسلامية تكون متداخلة بين (وزارتي) الآثار والأوقاف، حيث يشتركون في العمل عليها، فنحن نرمم الجامع ونعطيه للأوقاف، فأصبح هناك عدم سيطرة على هذه الآثار فمن الممكن أن الحارس على الجامع هو الذي يسرق الآثار، والآثار الإسلامية داخل المواطنين، لذلك يسهل سرقتها. وهناك عصابات دولية تعرف ما تريد. لذلك أرى أنه يجب بالاشتراك بين الآثار والأوقاف عمل شركة أمن كاملة لحراسة كل الآثار التابعة للأوقاف مع الآثار. قبل ثورة يناير عملنا بالفعل على هذه الفكرة ولكن لم تكتمل لكن أتمنى أن يتم الرجوع إلى هذه الفكرة.
 
* كم تمثل نسبة الآثار المسروقة بالنسبة لجميع آثار مصر؟
- لا نستطيع أن نحدد بالضبط النسبة، لأن أغلب الآثار التي تم تهريبها آثار غير مسجلة حيث خرجت في الخفاء خلسة، لذلك لا نستطيع معرفة كمية الآثار المسروقة أو نسبتها ولكن الثورة التي قمت بها من أجل عودة الآثار وأثناء وجودي مع علماء آثار أجانب يثمنون الآثار، وهذا السبب بأنني في 2006 جعلوني في القمة من أجل أنني عملت حالة من الخوف بين الناس من سرقة الآثار.
 
* رغم كل النجاحات التي حققتها، إلا أنك واجهت من البعض هجوما وانتقادات واتهامات، منها سرقة آثار خاصة بعد ثورة 25 يناير؟
- المشكلة في مصر تتمثل في أعداء النجاح، وأي شخص ينجح نجد هناك سهاما بتكسيره وخاصة من الفاشلين، حيث يوجد لديهم حقد.. هذا موجود في كل المجالات بلا استثناء، لذلك أثناء الهجوم علي في ثورة 25 يناير كنت لا أبالي بشيء ولا أرد على أحد، فالكتب التي كتبتها في ذلك الوقت أكثر من الكتب التي كتبتها من قبل، وكذلك السفريات التي قمت بها في ذلك الوقت، لأنني أثق في نفسي ونزاهتي، ولا أخشى من أي مساءلة فكل «مليم» تقاضيته له إيصال، سواء من كتاب أو محاضرة، ولدي حقائب مليئة بالإيصالات وقدمتها للإدارات المختصة، فكل الأشياء التي عملتها خيرًا لهذا البلد موجودة، فمثلاً قد قمت بعمل معرض لتوت غنخ آمون كانت حصيلته 120 مليون دولار، وقالوا إنني سرقت الآثار والأموال فتم عمل لجنة للتحقيق في هذا الأمر واستمر عمل اللجنة لمده عامين وأكثر، ولم يصلوا إلى أي إدانة ضدي، فالحمد لله لم يتم تحويل أي بلاغ ضدي إلى قضية، فالموضوع ينتهي أثناء التحقيق والتحريات تثبت «نظافة يدي» في كل شيء.
 
* معنى كلامك أن الهجوم ضدك كان مدبرا؟
- بالتأكيد. الشيء الآخر الذي أحزنني أنني خدمت بلدي بمنتهى الحب والأمانة، وفي النهاية أقابل بكل هذا الهجوم، بسبب أشخاص فاشلين من دون ذكر أسمائهم، منهم من يعمل في المتحف المصري.. لقد روجوا ضدي شائعات بأنني «حرامي» آثار، وغيرها من الاتهامات الكاذبة. وهم بالتأكيد مأجورون. ولكنني أعلم أنها ضريبة كل مسؤول مشهور في هذا البلد، فأعداء النجاح كثيرون، وقد كان لدي مثل مهم جدًا. فالكتب التي كتبتها لو تم جمعها لكانت أطول مني شخصيًا، فهذا هو التراث الذي أمتلكه وأفتخر به.
 
* ما سر ارتباط اسم «زاهي حواس» بالآثار المصرية؟
- الشخص الذي يعمل عمله بعشق بعيدا عن الروتين يترك بصمة، عندما كنت وزيرا لم أرتد ملابس رسمية أو رابطة عنق. وكنت دائما أتحرك دون حراسة كبيرة، أقوم بعملي كما بدأت موظفا، لذلك لم أكن أبحث عن مناصب ولكن المناصب هي التي كانت تبحث عني، ولكن الشباب الآن متعجل ويريد الحصول على المناصب بسرعة ومن دون جهد، هذا خطأ، فالإنسان يجب أن يفعل أشياء ترتبط به فبالتالي سوف يبدع فيها ويكون مؤثرًا ويتذكره ويعرفه الجميع في العالم.
 
* ماذا عن تقييمك لفترة توليك وزارة الآثار المصرية؟
- كانت أهم فترات عملي في الآثار عندما كنت أمينا عاما (للآثار)، ومن الصعب أن تتكرر، وكان بها الكثير من الإنجازات التي حدثت، ولكن الفترة التي كنت فيها وزيرا لم تكن جيدة وقبلت الوزارة «غصبا عني». لم أتمن أن أكون وزيرا في حياتي وآخر همي هو «المناصب» وهذه الفترة قمت بإزالتها من حياتي، لكن أهم فترة في حياتي هي فترة التسع سنوات التي قضيتها في عملي في الآثار التي قمت فيها ببناء أكثر من 22 متحفا في كل مكان وكذلك المتحف الكبير أو المشروع الثقافي للقرن الحادي والعشرين، وكذلك متحف الحضارة الذي يعتبر أهم من المتحف الكبير، وكذلك متحف سوهاج، ومتحف شرم الشيخ، حيث قمنا بعمل متحف في كل مكان، وعملنا إدارة للمواقع الأثرية. كما قمنا ببناء 60 مخزنا للآثار في كل مصر، وهو الذي أنقذ الآثار بعد الثورة وقمنا بتعيين حراس مؤهلين. وأيضا قمنا بتغيير بعض المواد من قانون الآثار ولكننا لم نستطع تغييره بالكامل، وقمنا بعمل قاعدة بيانات لحفظ آثار مصر، واسترجعنا ستة آلاف قطعة أثرية. وكذلك (نشر) الوعي الأثري عن طريق برنامج قمت بإنتاجه وتقديمه عن الآثار وأهميتها وكذلك تدريب الشباب وهذه الأشياء مسجلة وقد قمت بتوثيقها في كتاب.
 
* هل ثمة فرق بين الحضارة الفرعونية والحضارة والنوبية كما يردد البعض؟
- الاثنتان حضارة واحدة، وامتداد واحد. والنوبة جزء من مصر من البداية للنهاية، بالتالي الآثار النوبية لها طابع خاص مثل آثار الواحات، وكذلك الدلتا والصعيد، لكن الذي يحاول أن يعمل هذه «الزعزعة» هم بعض العلماء الأجانب.
 
* ماذا عن المحاضرات التي تقوم بها داخل الجامعات المصرية؟
- لقد قمت بالاتفاق مع وزارة التعليم العالي وبعض الجهات المنسقة بإلقاء مجموعة من المحاضرات داخل الجامعات لكي يتعرف الشباب على تاريخه وحضارته، بدأنا الموسم الماضي ببعض الجامعات أبرزها جامعة القاهرة وحلوان والمنوفية وجامعة سوهاج، وأيضا جامعات خاصة، وحققت المحاضرات تفاعلا ونجاحا كبيرا مع الطلبة لذلك سأكمل المشروع في الموسم الجديد وسأكمل باقي الجامعات.


 
* في السابق كانت لك إشارة إلى «نهضة أثرية» في المملكة العربية السعودية. ما الذي لفت نظرك إليها؟
- السعودية حدثت بها نهضة أثرية وسياحية لم تحدث من قبل. وسبب هذه النهضة هو الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز. هذا الرجل عمل تغييرا شاملا وكان له دور في عودة الآثار المسروقة سواء من المواطنين أو من الخارج، كما قام بإنشاء متاحف على أعلى مستوى، وعمل على أعمال ترميم بجدة التاريخية، والدرعية، وله إنجازات واضحة للجميع في السعودية في قطاع الآثار، وقد كتبت في جريدة «الشرق الأوسط» أكثر من خمسين أسبوعا عن انطباعاتي التي أراها عن الآثار السعودية. مثلا المعرض الذي أقيم باسم «روائع المملكة».. هذا أعتبره معرضا متميزا وغير تقليدي لأنه زار كل العالم، وجعله يعرف تاريخ وأهمية السعودية. ما أريد قوله إن هناك تقصيرا من الإعلام العربي تجاه ما يحدث في السعودية، فلم تعطها حقها في هذا التطور، لأن هناك تغييرا شاملا في كل شيء ونهضة لم أر مثلها في أي مكان في العالم العربي حتى الآن.
 
* ما رأيك في الأعمال الفنية التي تتطرق لوقائع تاريخية؟
- أرى أنها ما هي إلا دراما الفن من إبداع المؤلف، فالشخص يبدع فلا يجوز أن نحاكمه لأنه من وحيه، وليس وقائع تاريخية أو حقائق، فهذه دراما من الممكن أن تكتب أي شيء، لكن المهم أن تكتب في البداية أن هذا العمل ليس له صلة بالتاريخ أو الآثار، وكما فعل المخرج شريف عرفة في فيلم «الكنز» وهذا شيء يحترم منه، لأننا لا نستطيع أن نمنع شخصا يريد أن يكتب قصة فرعونية ويبدع بها، ويكتب ما يريد في إطار أفلام أو مسلسلات وليس أفلامًا توثيقية. لذلك عندما كان يعرض علي مسلسل أو فيلم خاص بالآثار «فأقول اكتبوا ما شئتم» لأنها دراما... أي إنها فن فيه إبداع مؤلفه، ولكن يجب كما قلت كتابة أن هذا الموضوع ليس له صلة بالتاريخ أو الآثار، وأن يلتزموا بالملابس الفرعونية وكذلك البيئة القديمة. الأعمال الفنية توصل الرسالة بسهولة وتساعد على معرفة الناس بشكل سلس، ولكن عندما نقوم بعمل دراما كأفلام المومياء ونقول عنها إنها حقيقة، أعتبر ذلك تخاريف وليس له علاقة بالحقيقة، فهي مجرد دراما وفن وإبداع صاحبه ولكنها أدت رسالة جيدة للفراعنة.

 


اشترك في النقاش