مارك شناير: المسلمون واليهود يصارعون في الولايات المتحدة معاً ضد الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية

عضو المنتدى الاستشاري لمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات قال في حوار لـ «المجلة» : يجب أن تتطور الإنسانية من «حب القريب» إلى «حب الغريب»
* قامت مؤسستنا برعاية المسابقتين الرئيسيتين في «ميدان التايمز » ابتداءً من العام الماضي تحت عنوان «اليوم أنا مسلم أيضاً». وكانت هذه المرة الأولى التي تجمع فيها الحاخامات والوزراء المسيحيون الذين أعلنوا أنهم مسلمون، تضامناً مع الجالية المسلمة الأميركية.
* يصادف هذه الأسبوع العرض الأول لفيلم سينمائي أنتجته بعنوان «جين» و هو أول فيلم روائي طويل يعالج  تحديات التعامل مع الإسلاموفوبيا والتعصب ضد المسلمين.
* تمت استعادة تحالف الحقوق المدنية التاريخي بين الأميركيين الأفارقة واليهود الأميركيين.
* خلق التحدي المتمثل في سد الفجوة بين المسلمين والمسيحيين الإنجيليين حدوداً جديدة في العلاقات الدولية.
* رأيت تدفقاً إضافياً للتضامن والتعاطف بعد المذبحة التي أودت بحياة 11 مصلياً في الكنيس في بيتسبيرغ في أكتوبر الماضي، حينها جمع المسلمون الأميركيون في بيتسبيرغ مبلغا قدره 200 ألف دولار لدفع تكاليف دفن الضحايا اليهود.
 

لندن/واشنطن: مارك شناير الحبر المؤسس لكنيس هامبتون اليهودي الواقع في مدينة ويستهامبتون بيتش بولاية نيويورك ومؤسس ورئيس مؤسسة التفاهم العرقي. وهو أيضا عضو في المنتدى الاستشاري لمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات «كايسيد».

وسعى شناير على مدى 15 سنة مضت، وبناءً على عقدين من العمل لتقريب الجالية الأميركية الأفريقية والأميركية اليهودية وتقوية العلاقات بين اليهود والمسلمين، أولا داخل الولايات المتحدة، وبعد ذلك في أوروبا والشرق الأوسط. وقد زار عدة عواصم عربية أكثر من مرة،وقاد في وقتٍ سابق من هذا العام أول بعثة كنيس إلى دولة خليجية، وهي مملكة البحرين. وتم تعيينه رسميا مطلع هذا الأسبوع مستشارا في مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي.

أجرت مجلة «المجلة» مقابلة مع الحاخام شناير لمناقشة تجربته في التقريب بين اليهود والمسلمين وخططه للمستقبل.

 




الحاخام مارك شناير يلتقي مع الملك البحريني حمد بن عيسى آل خليفة.

 

* حدثنا عن برنامجك بشأن إصلاح العلاقات بين اليهود والمسلمين...

- إنها ليست مسألة إصلاح بقدر كونها بناء العلاقات بين مختلف الأديان والطوائف والمجتمعات العرقية. وأعتقد أن أحد الأمثلة العظيمة في الولايات المتحدة هي كيف أن المجتمع اليهودي الأميركي اليوم على الأرجح أكبر مدافع ومؤيد للطائفة المسلمة الأميركية. وهذا ليس كلامي: فإذا أجريت مقابلة مع قادة أميركيين مسلمين سيقولون لك إنه في ظل صراعاتهم الخاصة هنا في الولايات المتحدة في ضوء تشريعات معينة والتحيزات والهجمات على المؤسسات والأفراد المسلمين، لم يدافع عنهم أحدٌ أكثر من اليهود الأميركيين. ولا بد لي من القول إن النمو المتسارع للإسلاموفوبيا قد قرّب بين مجتمعاتنا.

ودعماً لهذه العملية، قامت مؤسستنا بتيسير ورعاية المسابقتين الرئيسيتين في ميدان التايمز وذلك ابتداءً من العام الماضي وتحت عنوان «اليوم أنا مسلم أيضاً». وكانت هذه المرة الأولى التي ينزل فيها المسلمون الأميركيون إلى الشوارع بدعمٍ من أشخاصٍ من أديان أخرى، وذلك لإظهار التزامهم تجاه الولايات المتحدة وتجاه عقيدتهم في نفس الوقت. وكان الوضع عاطفياً جداً إذ تجمع الحاخامات والوزراء المسيحيون الذين أعلنوا أنهم مسلمون هذا اليوم أيضاً، تضامناً مع الجالية المسلمة الأميركية. وقد تم ذلك في وقت عصيب بالنسبة للمسلمين الأميركيين، خاصًة بعد جلسات استماع بيتر كينغ وحظر السفر على المسلمين، وهلم جرا.

ويصادف هذه الأسبوع العرض الأول للفيلم الأول الذي أنتجته بعنوان «جين». ويتناول الفيلم قصة فتاة في الـ17 من عمرها وترعرعت في هذا البلد كمسلمة أميركية. وهذا أول فيلم روائي طويل عن هذا الموضوع وعن تحديات التعامل مع الإسلاموفوبيا والتعصب ضد المسلمين. سيتم عرض الفيلم في جميع دور العرض. ويحدث أن يكون أحد منتجي الفيلم حاخاماً.

 

* في رأيك ما الموضوع المشترك في برامجك للتقارب والتعايش؟

- أحد الدروس التي تعلمتها من مارتن لوثر كينغ أن «الأشخاص الذين يناضلون من أجل حقوقهم الخاصة شرفاء بقدر الأشخاص الذين يقاتلون من أجل حقوق جميع الناس»، فالأساس هو القتال من أجل الآخر ويتعلق بتطوير خيال متعاطف يمكنك من خلاله وضع نفسك مكان الشخص الآخر. لأنك تستطيع الحفاظ على الإنسانية داخل نفسك فقط إذا تطلعت إلى الآخر. وغالباً ما أشير إلى الإسلام واليهودية كدين مشترك ومصير مشترك وكيف أن مصيرنا الوحيد- خاصة بين المسلمين واليهود- تقوية أواصر اهتمامنا وتعاطفنا ورؤية بعضنا البعض كأبناء لله الذين يستحقون الكرامة والعدل والتعاطف الذي نطالب به لأنفسنا.

وهذا المبدأ الأساسي للدين وهو تقليد رائع هنا في الولايات المتحدة الأميركية. وقد رأيت تدفقاً إضافياً للتضامن والتعاطف بعد المذبحة التي أودت بحياة 11 مصلياً في الكنيس في بيتسبيرغ في أكتوبر (تشرين الأول)، حينها جمع المسلمون الأميركيون في بيتسبيرغ مبلغا قدره 200 ألف دولار لدفع تكاليف دفن الضحايا اليهود.

إذن نعيش هنا في الولايات المتحدة بعض الأوقات الرائعة بسبب منظور بناء الجسور والتعايش. فنحن نعلم أنه في نهاية المطاف، لن يميز المتعصبون والمتعصبون البيض بين المسلمين واليهود والأميركيين الأفارقة واللاتينيين. فهم سينفذون فعلتهم إن كان على غير البيض أو على الناس من المجتمعات الدينية الأخرى، ولذلك نحن بحاجة إلى الترابط معاً. وهذا التحدي لا يقتصر على الولايات المتحدة فحسب بل أصبح تحدياً عالمياً. انظر إلى الوضع في أوروبا اليوم، فقد نشرت وكالة «سي إن إن» دراسة هذا الأسبوع أشارت فيها إلى أن واحداً من بين كل خمسة أوروبيين معادٍ للسامية. وذلك بعد 75 سنة من الهولوكوست. من يستطيع تخيل ذلك؟ لا يمكن لليهود والمسلمين وإسرائيل وجيرانها تحمل أن يكونوا في حالة نزاع. لدينا الكثير من الأعداء الذين يتطلعون إلى رؤيتنا مقضيُّا علينا.

 

* من بين كثير من زياراتك العلنية للعواصم العربية، قمت بإحضار أول بعثة كنيس إلى الخليج. كيف تحقق ذلك؟

- قال لي جلالة الملك حمد: «يجب أن تحضر مجتمعك إلى البحرين وأود أن ألتقي بهم». وفي هذه الأثناء، أخبرتني رئيسة الكنيس كارول ليفين- المعروفة في الدوائر الخيرية اليهودية- أن الكثير من الناس طلبوا مني أن أرأس بعثة الجماعة إلى إسرائيل. وكان ردي وقتها، لماذا أحتاج إلى قيادة بعثة إلى إسرائيل، وكل شخص في هذه الجماعة يلعب دوراً قيادياً في منظمة يهودية كبرى وسافر جميعهم إلى إسرائيل 25 مرة. فردت كارول قائلة، لقد حان الوقت كي تدمج بين العالمين. قلت لها: حسناً، وصلتني دعوة لزيارة البحرين. وهذا ما حصل بالفعل. وكنت آمل أن ألهم التجمعات الأخرى لتحذو حذونا. اليوم، في المجتمع اليهودي، إذا أردت القيام بتجربة عربية فيمكنك الذهاب إلى المغرب وربما مصر والأردن. لم يذهب أحد في بعثة إلى الخليج من قبل. وآمل أن نتمكن في السنوات القادمة من توسيع هذا البرنامج.

 

* لماذا البحرين؟ وماذا فعلت بعثة الكنيس عندما وصلت إلى هناك؟

- ما يميز البحرين أنها الدولة الخليجية الوحيدة التي لديها جالية يهودية دائمة ومعترف بها رسمياً. أمضينا بعض الوقت مع أعضاء هذا المجتمع. وعقدنا بعض الاجتماعات الخاصة مع بعض المسؤولين ومع بعض الوزراء بما في ذلك وزراء الاقتصاد ووزير السياحة. والتقينا بالطبع مع سفير الولايات المتحدة في البحرين. وقمنا بزيارة كنيس ومسجد وكانت زيارة المسجد للكثيرين في المجموعة الأولى على الإطلاق. وشرحنا أوجه التشابه بين الإسلام واليهودية؛ على سبيل المثال، كيف يصلي المسلمون خمس مرات في اليوم بينما نصلي ثلاث مرات في اليوم بالإضافة إلى التشابه والاختلاف في المحرمات من الطعام وحقيقة أن المسلمين يصلون باتجاه مكة بينما اليهود باتجاه القدس.

وكما قلت سابقاً، ذهبنا إلى البحرين لاغتنام الفرصة لتحدي وإلهام التجمعات الأخرى لتحذو حذونا لأنني أؤمن إيماناً عميقاً بأنه كلما زاد التواصل بين المسلمين واليهود، خاصة في منطقة الخليج، زادت الفرص المتاحة لنا لنفهم بعضنا بصراحة وصدق.

 

*نعلم أن لديكم جهود كبيرة لتعزيز التفاهم بين المسلمين والمسيحيين الإنجيليين.. حدثنا عن ذلك...

- ظهرت مسألة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين الإنجيليين مؤخراً في أذربيجان. وبرز تحدٍّ في الولايات المتحدة في نزاع قديم- أو سوء فهم- بين المسيحيين الإنجيليين والمسلمين الأميركيين. فالجانب المسيحي الإنجيلي، على سبيل المثال، لا يفهم إطلاقاً ما هي الشريعة وما يعنيه الجهاد. ولكن هناك جهل من كلا الجانبين. ونحن على وشك البدء في دراسة- استطلاع رأي- لحالة العلاقات بين المسيحيين الإنجيليين والمسلمين الأميركيين. وترعى جمهورية أذربيجان هذه الدراسة، ولا سيما الرئيس إلهام علييف، وبحسب نتيجة الدراسة التي ستنتهي إن شاء الله في مارس (آذار) العام المقبل، سأقود وفداً يضم 40 راعياً إنجيلياً مسيحياً إلى أذربيجان للتعرف على بلدٍ مسلم ومنفتحٍ جداً وشامل للغاية وأكثر تسامحاً- خاصة عندما يتعلق الأمر بكيفية معاملته لمجتمعه اليهودي الأصلي الذي يزيد على 25 ألف شخص.

وفي الواقع، أثارت الجالية المسيحية الإنجيلية هنا في الولايات المتحدة- والتي تعد أساس قاعدة الرئيس ترامب- اهتمام الكثير من القادة في الشرق الأوسط. ولذلك، أرى أننا نتحرك في هذا الاتجاه أيضاً.

 

* هل يثير النهج الذي تتبعه الجدل داخل المجتمع اليهودي؟

- لقد تعرضت للهجوم من قبل زملائي وغيرهم، خاصة بعد أن تحوّلنا من العلاقات بين اليهود والسود إلى اليهود والمسلمين. أما بالنسبة للعلاقات بين اليهود والسود فقد عانى المجتمع اليهودي بعض الشيء بسبب الطريقة التي عاملته بها الجالية الأميركية الأفريقية، مع العلم بدورنا الفردي في الصراع على الحقوق المدنية. ولكن يمكنني القول إنه وبعد 15 إلى 16 سنة من العمل المحصور في هذا المجال، أعتقد أننا في المؤسسة وصفنا كأبطال. وحصل نفس الأمر في العلاقات بين المسلمين واليهود. فعندما دخلنا هذا المجال أول مرة، كان ينظر إلى العالم الإسلامي على أنه تهديد حقيقي، وتهديد وجودي، للشعب اليهودي. لذلك سألني بعض أعضاء المجتمع اليهودي، كيف يمكنك الجلوس مع المسلمين؟ كيف يمكنك التحاور معهم؟ وأصبحت اليوم العلاقات بين المسلمين واليهود «أنيقة للغاية». وأصبحت نوعاً من القضية الشهيرة. وأشعر بذلك بسبب الأشخاص الذين يتصلون بنا بحثاً عن إرشادات حول الحوار الإسلامي اليهودي والمواد المرجعية، وما إلى ذلك. لكن لم يكن الأمر سهلاً في البداية.

* ماذا يعني «موسم التوأمة» بين الأديان؟

- عقدت عام 2007 أول قمة في أميركا الشمالية للأئمة والحاخامين. وحضر نحو 40 إماماً وحاخاماً من المدن الكبرى عبر أميركا الشمالية- من لوس أنجليس وميامي وبوسطن وواشنطن ومونتريال وتورونتو- لمحاولة بدء هذه العملية. وأخذت صفحة من كتاب قواعد لعبة المؤتمر الوطني للمسيحيين واليهود الذين كان لديهم «أسبوع الإخوان». وقلت وقتها، لنفعل مثلهم ولكن بين المسلمين واليهود. وخرج «موسم التوأمة» من قمة دامت نصف يوم هنا في نيويورك: وكان الهدف الأصلي جمع 25 معبداً وجامعاً ولكن انتهى بنا الأمر بإطلاق 50 معبداً وجامعاً. وقد تتكون «التوأمة» من أي شيء سواءً من إمام يتحدث في كنيس أو حاخام يخطب في مسجد أو تبادل بين مدارس الطوائف المعنية. ويمكن أن يكون اجتماع الأخوات معاً أو برنامجاً مشتركاً لإطعام الجياع. ويمكن أن يكون لاهوتياً أو ثقافياً أكثر. وفي كل الحالات، التزم المشاركون بمواجهة الكراهية في مجتمعاتهم المحلية- سواء كان الإسلاموفوبيا داخل المجتمع اليهودي أو معاداة السامية داخل المجتمع المسلم.

وتزامنت عطلة نهاية الأسبوع الأولى من التوأمة- في 21 إلى 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2008- مع الزيارة التاريخية التي قام بها العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى نيويورك. ويمكن للمرء أن يقول إنها أتت حينها لحسن حظنا. وعندها حضر الملك إلى الأمم المتحدة لإلقاء خطابه الشهير حول مبادرته بين الأديان. وأقام الملك حفل استقبال لأكثر من 100 قائد ديني أميركي، وكان لي شرف أن أكون الوحيد الذي طلب مني إلقاء كلمة في تلك المناسبة. وقد ثبت أنها كانت بداية علاقة تنمو وتتطور للأفضل.




مارك شناير

* أنت الحاخام الثامن عشر من أصل مجموعة متواصلة من الحاخامات. من أين بدأت المجموعة؟ وكيف شقت طريقها إليك؟

- لدى عائلتي أجيال كثيرة من الحاخامات في روسيا، وكان لدينا عدد قليل في النمسا. وكان والدي ووالدته لاجئين من الاحتلال النازي للنمسا ودائماً ما أمزح بشأن فرار والدي بالخطأ إلى بودابست، المجر حيث عاش في الحي اليهودي، ثم جاء إلى الولايات المتحدة. ولكنها سلالة نفتخر بها.

أما بالنسبة لي، فقد تم ترسيمي حاخاماً عام 1983 في جامعة يشيفا. وكان هناك 43 طالباً في صفي، وأصبح معظمهم حاخامات. ومن بينهم جميعاً لم يبق سواي في الحاخامية اليوم. أعتقد أن بعضهم ذهب إلى التعليم اليهودي ومعظمهم إلى مهنٍ أخرى.

 

* لماذا اختار 42 شخصاً من أصل 43 العمل في مجالاتٍ أخرى؟

- الحاخامية مهنة صعبة للغاية. فالحاخام مجبرٌ على العمل مع مجموعته كائناً من كان فيها. وتُعد من المهن التي يكون فيها هذا الشرط أساسيا. إذ يمكن للمحامي اختيار عملائه، على سبيل المثال، ويمكن للكاتب اختيار مواضيعه. ولا يمكن للكثير من الناس تحمل هذا النوع من الديناميكية فالتحدي يكمن في أن تكون قادراً على التركيز على مدار اليوم وخلال أيام الأسبوع دون أي عطلة. فأنت تعمل كخطيب وموجه وقائد روحي ومعالج وعليك تحمل مسؤوليات مختلفة. وعلاوة على ذلك، نحن نعيش في عصر لم يعد الناس يختارون فيه الالتزام بمهنة واحدة طوال حياتهم.

وتكون عيون الناس عليك عندما تكون حاخاماً، وخاصة إذا كنت حاخاماً رفيع المستوى. ولكن لا يميل الذين يتطلع إليهم الناس إلى الالتزام بمهنهم مدى الحياة. فقد تظل عضواً في كونغرس لمدة ثماني أو عشر سنوات أو قد ترأس بلدية مدينة ما لفترتين متتاليتين ولكنني محظوظ لأنني حاخامٌ منذ أكثر من 35 سنة. وقد لا أعرف كيف أمتهن أي مهنة أخرى بشكلٍ أفضل ولكن ما أقوم به أمرٌ رائعٌ جداً.

                                                                                                             

* خلال فترة عملك ترأست مجموعة كنيس وشاركت في أعمالٍ اجتماعية منظمة. كم هو شائع أن يقوم الحاخامات بهذين العملين معاً؟

- من تقاليد عائلتي ممارسة الأعمال الروحية والعمل التنظيمي والاجتماعي. ولا يفعل كلا الأمرين الكثير من الحاخامات، ولكنه إرث عائلتي. ويوجد اختلاف بين هذا الجيل والجيل السابق خاصة في الحاخامية الأرثوذكسية. ففي الجيل السابق، كان يوجد الكثير من الحاخامات الذين كانوا أكثر وعياً بالعمل الاجتماعي. أما اليوم، فيميل حاخامات المنبر إلى التركيز على تجمعاتهم، ويميلون إلى تجنب أي نوع من المشاركة التنظيمية. وقد رأيت هذا التغيير بين الأجيال أكثر هنا في الولايات المتحدة. فعندما تنظر إلى بعض المنظمات اليهودية الرئيسية في الخمسينات والستينات والسبعينات تلاحظ أن رؤساءها كانوا حاخامات. أما اليوم، فلا تجد ذلك بنفس الدرجة تقريباً. وترى التشعب بين حاخامية الجماعة والقيادة التنظيمية اليهودية.

أعتقد أن الحاخامات الأرثوذكس اليوم أكثر محدودية وإقليمية. ويشتغل الكثير منهم في مناصب المسؤولين الافتراضيين لمجموعتهم ولا يعتمدون بالضرورة وجهة نظر عالمية. يمكن القول إن ثقافتهم تميل إلى الانعزالية أكثر.

 

* شمل إرث منتصف القرن العشرين الذي أشرت إليه مساهمة يهودية كبيرة لحركة الحقوق المدنية الأميركية...

- عندما تستعرض النضال الذي قاده الدكتور مارتن لوثر كنغ الابن للحصول على الحقوق المدنية، تلاحظ أنه لم يكن تقدم أي شريحة من المجتمع الأميركي دعماً ثابتاً ودقيقاً للدكتور كينغ وللمجتمع الأميركي الأفريقي كما فعل المجتمع اليهودي. وكان هذا التغيير الاجتماعي والسياسي العظيم في تاريخ بلادنا نتيجة لهذا التحالف التاريخي اليهودي الأسود. وكانت مشاركتنا على أرض الواقع كبيرة بشكل غير متناسب من حيث أعدادنا في عموم السكان. فقد شكلت نسبة اليهود المشاركين مع «فرسان الحرية» المشهورين الذين قدموا من الشمال، ما يقرب من 70 في المائة من الرجال والنساء على الرغم من أننا كنا أقل من واحد في المائة من عدد السكان الأكبر. ولكن ذلك جزءٌ من تقاليدنا: أهمية مساعدة من هم أقل حظاً وبناء التحالفات ومد جسور التعاون.

 

* كيف يعبر التقليد اليهودي عن تلك القيم؟

-  ذكر في التوراة مرة واحدة فقط  «أحب قريبك كنفسك»... وأي نوع من التحدي هو أن تحب جارك؟ فعندما تفكر في الأمر، قد يكون جارك من نفس عقيدتك. في المقابل، ذكرت آية «أَحِبُّوا الْغَرِيبَ» 36 مرة. والغريب هو شخص لا يشاركك معتقداتك الدينية ولا يقيم بالضرورة في منطقتك. وهذا هو التحدي الأعظم. ولذا فإنني كثيراً ما أتحدث عن أهمية التطور من حب قريبك إلى حب الغريب.

 

* لقد تم لاحقاً اختبار التحالف بين الأميركيين الأفارقة واليهود الذي تحدثت عنه...

- بعد اغتيال الدكتور كنغ، بدأ التحالف التاريخي في التراجع. وقد تكون أدنى نقطة وصل إليها هي أعمال الشغب في كراون هايتس، في بروكلين عام 1991. والتي حرضت السود على اليهود. وتدهورت العلاقات لمجموعة من الأسباب فشعر اليهود بالتهميش من المنظمات الأميركية الأفريقية وبدأ النضال من أجل الحقوق المدنية.

وخطب الدكتور كنغ ضد اللاسامية التي غزت الحركة السوداء الأكثر نزعة في نضال الحقوق المدنية. كما شارك الدكتور كنغ في محنة تحرير اليهود السوفيات. لذلك، بعد أن كان الدكتور مارتن لوثر كينغ الذي لم يناضل من أجل الحقوق المدنية للسود فحسب بل من أجل الحقوق المدنية لليهود أيضاً، فجأة لم تعد ترى نفس الالتزام. ثم ظهر زعيم «أمة الإسلام» لويس فاراخان، من حيث ملاحظاته الانتقادية الكثيرة حول اليهود وبعدها بدأ الجدال حول لقاء أندرو يونغ "السياسي الأميركي من أصل أفريقي" وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة. ولحق كل ذلك اتهامات ضد إسرائيل من جانب السود لعلاقتها مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. لذلك كان هناك خليط كامل من الأسباب التي جعلت التحالف ينتقل فعليّاً من حالة التعاون إلى حالة الصراع.




مؤسسة التفاهم العرقي في المملكة المتحدة تجمع عدد من الطلاب المنتسبين لمدارس في بريطانيا وألمانيا والدنمارك يمثلون الأديان الثلاثة.

* ما الذي دفعك إلى استعادة التحالف بين الأميركيين الأفارقة واليهود الأميركيين؟

- كنت شاباً وملتزماً بإرث عائلتي في خدمة الجماعة وتنظيم العمل الاجتماعي. وكنت أبحث في تنظيم العمل الاجتماعي عن مجال أستطيع المساهمة فيه. وبدأت أدرك أنه سيكون للتركيبة السكانية المتغيرة للولايات المتحدة - نمو المجتمعات الأميركية الأفريقية واللاتينية والآسيوية - تأثير كبير على المجتمع اليهودي الأميركي ودولة إسرائيل. وأحيا إد كوخ عمدة مدينة نيويورك في يوم مارتن لوثر كينغ في يناير (كانون الثاني) 1988 ذكراه في قاعة المدينة ودعاني إلى تقديم الدعاء. وحضر المراسم جوقة هارلم للبنين وغنوا مقطوعتين وكانت الأولى عن صراع الحقوق المدنية وعندما سمعت الثانية أصبت بحالة من الإدراك وشعرت أن الأنشودة قد أصابت وتراً حساساً بي أو في داخلي. وبدأت أبحث في تاريخ العلاقات بين اليهود والأميركيين الأفارقة والوضع الحالي لهذه العلاقات. وقد استلهمت ما تعلمته لإنشاء مؤسسة للتفاهم العرقي عام 1989.

 

* ماذا كان دور المؤسس المشارك للمؤسسة، الراحل جوزيف باب؟

- كان جوزيف باب أيقونة أميركية عظيمة وسيُذكر دائماً كمنتج في برودواي. فقد كان منتجاً لعددٍ من البرامج الرائعة. ولكن ما لا يتذكره الكثيرون عن باب هو أنه كان رائداً في «جمع الألوان».

أتذكر أنني كنت في مكتبه يوماً، وحينها كان برنامج «كوسبي شو» في ذروة شعبيته (وهو مسلسل تلفزيوني من بطولة الممثل الكوميدي الأميركي من أصل أفريقي بيل كوسبي). وقال لي باب يومها: «لماذا يجب أن يكون البرنامج التلفزيوني أسود بالكامل، مثل كوسبي شو، أو أبيض بالكامل، مثل All in the Family؟ لماذا لا يكون الفريق من اللونين؟»...وفي وقتٍ لاحق تحدثت مع ممثلين سود مثل مورغان فريمان وجيمس إيرل جونز، وقالوا لي إنه لولا باب لما أتيحت لهم الفرصة أبداً لتأدية أدوار شكسبيرية.

قدمت أنا وجو أفكاراً مختلفة إلى المؤسسة. فهو كان مع دمج الأعراق المختلفة معاً. واعتقدت أنه في مدينة مثل نيويورك، حيث يوجد أكثر من 200 جماعة عرقية، يستطيع الإنسان محاولة تحقيق كل شيء وقد لا ينتهي بتحقيق أي شيء. لذلك اقترحت عليه أن نركز على إعادة بناء العلاقات بين اليهود والأميركيين الأفارقة. وأعتقد أنه عند كتابة التاريخ، سيُنسب إلى المؤسسة دور قيادي في استعادة العلاقات بين اليهود والأميركيين الأفارقة لتكون على ما هي عليه اليوم.

 

* كيف تحسنت العلاقة بين المجتمعين؟

- باختصار، تمت استعادة تحالف الحقوق المدنية التاريخي، ويشارك الأميركيون الأفارقة واليهود بانتظام في برامج لاستكشاف القيم المشتركة. وأتذكر أننا وضعنا يوم مارتن لوثر كينغ إعلانات ضخمة في صحيفة «نيويورك أمستردام نيوز» (وهي صحيفة أميركية أفريقية بارزة) تسلط الضوء على جميع البرامج المشتركة في الاحتفال - وكان هناك الكثير من البرامج لدرجة أننا لم نتمكن حتى من إدراجها جميعاً. وقال ناشر الصحيفة إليوت تاتوم إن هناك برامج لمارتن لوثر كينغ في المجتمع اليهودي أكثر منها في المجتمع الأميركي الأفريقي.

كنت مسروراً لأنه بالإضافة إلى دور أنشطة المؤسسة في إحداث هذا التغيير، فقد كان لكتابي تحت عنوان «أحلام مشتركة»، الذي شاركني في كتابته مارتن لوثر كينغ الثالث، تأثيره الخاص أيضاً. وتناول الكتاب حياة الدكتور كينغ من حيث كيفية ارتباطه بالجالية اليهودية، وقدّم معلومات للكثير من متابعي مارتن لوثر كينغ.

 


اشترك في النقاش