الإعلام التركي... قلم «مقصوف» وسيف «مسنون»

يستغل من قبل الدولة لتعزيز السلطة السياسية والقضاء على خصومها
* أصدرت السلطات التركية آخر مراسيم حالة الطوارئ رقم 701 التي نصت على فصل 18.632 موظفاً حكومياً، وإغلاق 12 جمعية، و3 صحف، وقناة تلفزيونية، بجانب إبعاد 199 أكاديمياً.
* تعرضت حرية التعبير في تركيا إلى حصار وتضيق تزايدت وتيرته تدريجياً، سيما منذ قرار الحكومة «تأميم» مجموعتي «إيباك» و«فضاء» الإعلاميتين اللتين كانتا تضمّان عشرات القنوات التلفزيونية، والصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية.
* حاولت قطر، بدورها، من خلال علاقاتها مع السلطات التركية استخدام الأداة الإعلامية كأحد محركات توثيق العلاقات بين البلدين.
* لا يثير الإعلام المعارض أي قلق للسلطات التركية، التي توجه إلى كل وسائل الإعلام غير الموالية اتهامات متواصلة بـ«العمالة» وتبني أجندات أجنبية.
* تقارير للأمم المتحدة تؤكد انتشار استخدام العنف والتعذيب في سجون تركيا ضد نشطاء سياسيين... وقد واجه منذ محاولة الانقلاب ما يزيد على 203.518 شخصا تحقيقات جنائية، بينما سجن ما يزيد على 100.000 مواطن.
 

أنقرة:ثمة كثير من الأدوات التي توظفها الدولة التركية لخدمة سياساتها المحلية. يأتي على رأسها الأدوات الإعلامية التي لا تستهدف وحسب شرعنة سياسات الحكم وتوجهاته، وتعزيز فرص بقاء الحزب الحاكم في السلطة، وإنما يتم توظيف ذلك أيضًا لخدمة سياسات تركيا الخارجية، سواء تعلقت بالنطاق الجغرافي المحيط، حيث الكثير من دول الشرق الأوسط، أو ارتبط ذلك بالنطاق الدولي، حيث الكثير من القوى الرئيسية على الساحة العالمية. فالإعلام أداة أجاد توظيفها واستخدامها سياسيا الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، من أجل إحكام سيطرته على الدولة وتقليل مستوى نفوذ معارضيه. وخارجيا كان من أدوات تعظيم أدوار تركيا الخارجية.
وعلى الرغم من أن المجتمع الإعلامي والصحافي التركي طالما اعتبر مجتمعا نشطا وحيويا، غير أن عمليات الإقصاء التي تعرض لها الكثير من الوسائل الإعلامية المستقلة، عبر «تأميمها» فكريا و«تأطيرها» إداريا داخل نطاق سلطة الدولة وامتدادات نفوذها، جعل لها لونا واحدا، وباتت أصوات المعارضة أو الأدوات والوسائط الإعلامية التي تتخذ خطاً مغايرا للدولة، ليست أكثر من ديكور مكمل لصورة أتقن صانعها تفاصليها.
وعلى الرغم من الانتقادات التي يوجهها الرئيس التركي لأوضاع الكثير من الدول الأخرى واستخدام بعض القضايا المحلية للتدخل في شؤون دول عربية، فقد واجه الإعلاميون والصحافيون الأتراك الكثير من التحديات التي حالت دون القدرة على ممارسة أعمالهم. ففي الكثير من الحالات تم اعتقال الصحافيين الأتراك وإبعادهم عن مسؤولياتهم لاتباعهم نهجا سياسيا معارضا أو مستقلا عن توجهات الدولة وسياساتها. وقد نشرت السلطات التركية في الصحيفة الرسمية آخر مراسيم حالة الطوارئ رقم 701 التي نصت على فصل 18.632 موظفا حكوميا، وإغلاق 12 جمعية، و3 صحف، وقناة تلفزيونية، بجانب إبعاد 199 أكاديميا.
وتضمن المرسوم أيضا إغلاق 12 جمعية من بينها «وقف الفرقان»، وقناة «Antaj TV»، وصحف «نبض الشعب»، و«الديمقراطية الحرة»، و«ولات». وقد تمت مصادرة ممتلكات هذه الجمعيات والصحف والقنوات التلفزيونية ونقلت ملكيتها إلى الدولة. ورغم أن فرض حالة الطوارئ كان لفترة مؤقتة في البداية مدتها ثلاثة أشهر. بيد أنها جُددت سبع مرات متتالية، قبل أن تستبدلها الحكومة بإصدار قانون مكافحة الإرهاب في 24 يوليو (تموز) 2018. والذي لم يمثل، حسب تقارير غربية، أكثر من إعادة تجديد لحالة الطوارئ بصيغة مختلفة وبمضمون واحد.
وقد تعرضت حرية التعبير في تركيا إلى حصار وتضيق تزايدت وتيرته تدريجيا، سيما منذ قرار الحكومة «تأميم» مجموعتي «إيباك» و«فضاء» الإعلاميتين اللتين كانتا تضمّان عشرات القنوات التلفزيونية، والصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية. وتيرة هذه العمليات الممنهجة تزايدت بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016، حيث واجه أكاديميون، وصحافيون، وكتاب إحالات إلى التحقيق الجنائي، وملاحقات قضائية.
وقد تزامن ذلك مع إغلاق السلطات التركية نحو 189 وسيلة إعلامية، بما جعل البعض يصفون ما يحدث بأنه «موت الصحافة». ترتب على ذلك أن أضحت تركيا، وفقا للاتحاد الدولي للصحافيين (IFJ)، أكبر سجن في العالم للصحافيين، إذ يمثل الصحافيون المعتقلون في تركيا، نصف عدد الصحافيين المعتقلين على مستوى العالم. كما جاءت طبقا لمؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود (RSF) أبريل (نيسان) 2018، في الترتيب 157 (تراجعت نقطتين عن العام الماضي) من بين 180 دولة.

وعلى الرغم من ذلك، فثمة تضارب بشأن الإحصائيات المتعلقة بأعداد وأسماء المسجونين من الصحافيين. قد يرتبط ذلك بمحركات كثيرة من ضمنها امتناع السلطات عن الإدلاء بمعلومات عن حملات المداهمة التي قامت بها ضد المؤسسات الإعلامية. وقد أشار تقرير تركي صدر مؤخرا إلى أنه منذ يوليو 2016 تزايدت عمليات اعتقال الصحافيين، حيث يوجد نحو 319 صحافيا في السجون التركية، كما صدرت مذكرات اعتقال بحق 142 صحافيا آخرين استطاعوا الهروب إلى خارج البلاد، وخلال عام 2017 حُوكِم قضائيا 839 صحافيا على خلفية تقارير صحافية أصدروها أو شاركوا في إعدادها، طبقًا لما أوردته مؤسسة الصحافيين الأتراك.
ويوجد 44 صحافيا متهمون بانتمائهم لحزب العمال الكردستاني، و11 صحافيا يساريا من جريدة «جمهوريت»، كما تم اعتقال الصحافي أحمد شيك، بدعوى قيامه بالترويج للإرهاب من خلال حزب الثوريين الليبرالي، كما حكم بالسجن المؤبد على الصحافية ناظلي إلجاك، والصحافي أحمد التان، وأخيه الصحافي محمد التان، وثلاثة صحافيين آخرين في 16 فبراير (شباط) 2018، كما قضت المحكمة في 8 يونيو (حزيران) 2018 بالسجن المؤبد على الصحافي هدايت كاراجا، رئيس مجموعة «سما نيولو» الإعلامية.
ويأتي الصحافيون العاملون في «الصحف الوطنية» في مقدمة المعتقلين، حيث يبلغ عددهم 77 صحافيا، يعقبهم العاملون في قطاعات الراديو والتلفزيون التركي أو ما يسمى بقنوات «تي آر تي» وعددهم 45 صحافيا، ويبلغ عدد العاملين في وكالات الأنباء الإخبارية 30 صحافيا، وكذلك يوجد 12 صحافيا من الصحافيين العاملين في المجلات الدورية. ويوجد 15 صحافية معتقلة في السجون التركية. ومن بين 319 صحافيا معتقلا يوجد 20 من مديري الصحف أو وكالات الأنباء.
أما عن وسائل الإعلام التي أغلقت- حسب تقديرات تركية- فإن مجموعها نحو 189 وسيلة إعلامية، منها: 5 وكالات أنباء، 62 جريدة، 19 مجلة، 14 راديو، 29 قناة تلفزيونية، 29 دارا للنشر تابعة لحركة فتح الله غولن، هذا فضلا عن كثير من القنوات والإذاعات الكردية واليسارية والعلوية المستقلة، وبخلاف حجب 127.000 موقع إلكتروني، و94.000 مدونة.


 
سياسات السيطرة على المشهد الإعلامي
الكاتب الصحافي «نيلس ميلزر» المتخصص في إعداد تقارير للأمم المتحدة بشأن عمليات التعذيب، أعد تقريرا متعلقا بالتحقيق فيما حدث في تركيا في الفترة ما بين 7 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى 2 ديسمبر (كانون الأول) 2016، وجاء في تقريره ملاحظته انتشار استخدام العنف والتعذيب في تركيا. وقد تعرض عدنان كوماك، الصحافي بوكالة «أزاديا والت» الذي اعتقل في 27 سبتمبر (أيلول) 2016، للتعذيب من قبل الشرطة في مكان مهجور لمدة يومين. وحسب الصحافة التركية، فقد ظل إبراهيم كارايغين، المحرر السابق الذي اعتقل في 16 يوليو 2016، محتجزا في مكان مجهول لفترة طويلة، حتى اضطر زملاؤه إلى نشر رسالة في منصات التواصل الاجتماعي تتضمن قلقهم الشديد على سلامته، مما دفع السلطات في 25 أغسطس (آب) 2016 إلى التصريح بأن إبراهيم كارايغين معتقل في سجن سيليوري بمدينة إسطنبول.
وفي 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 قدم محامو قناة «فوكس» شكوى للمحكمة بأن موكلهم (مدير التحرير) متغيب منذ فترة ولم يعثروا عليه، وهم يطالبون السلطات بالبحث عنه، ثم تبين لاحقا أنه كان مقبوضا عليه بتهمة «التآمر على الدولة». وتشير التقديرات التركية إلى أن 85 في المائة من الصحافيين والإعلاميين القابعين في السجون التركية، تم اعتقالهم بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016، بتهم الانضمام لمنظمات إرهابية كجماعة «الخدمة» وحزب العمال الكردستاني. وصرحت محامية حقوق الإنسان، إرين كسكين، لمنظمة العفو الدولية قائلة: «لقد خيم جو من الخوف على المشهد الإعلامي، وأحاول التعبير عن آرائي بحرية، لكنني أدرك تماما أن علي التفكير مرتين قبل التحدث أو الكتابة». ونتيجة لذلك يضطر عدد كبير من الصحافيين في الداخل التركي أو خارجه، إلى كتابة مقالاتهم أو تقاريرهم بأسماء مستعارة خوفا على أنفسهم أو أقاربهم.
 
 

وقد واجه منذ محاولة الانقلاب ما يزيد على 203.518 شخصا تحقيقات جنائية، هذا بينما سجن ما يزيد على 100.000 شخص. وقد فرضت قيود أيضا فيما يتعلق باجتماع الصحافيين بمحامي الدفاع الخاص بهم. فالتواصل الخاص بين محامي الدفاع وموكله الذي يكفله القانون، تم إلغاؤه باشتراط حضور شُرطي أثناء اللقاء بين الجانبين، ويتم تسجيله بالصوت والصورة. ولقد صرح نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، بأن ما يتعرض له الصحافيون المسجونون لا يعد فقط انتهاكا لحقوقهم الأساسية، وإنما يمثل «تعذيبا نفسيا» ممنهجا يمارس عليهم، أضف إلى ذلك ما يعانيه الصحافيون ذوو الأمراض المزمنة من ضعف الإمكانات الصحية والتجهيزات الطبية داخل السجون.
فعلى سبيل المثال، تم اعتقال أحمد جوك، ممثل أنقرة لمجلة «الخبز والعدل» بتهمة عضويته في حزب «الشعب الثوري الليبرالي»، ولم يتم إطلاق سراحه رغم أنه قدم شهادة طبية معتمدة تفيد بإصابته بـ«متلازمة كورساكوف». في مقابل ذلك صرح وزير العدل بأن أحمد جوك لم يتم القبض عليه بتهمة متعلقة بالصحافة، بل لمشاركته في «أعمال إرهابية». وينص القانون المنظم لإجراءات السجون التركية، على الإخلاء الفوري لمن يقدم شهادة طبية متعلقة بهذا المرض المزمن. أما الصحافي «حسني محلي» الذي يعاني من «تصلب الشرايين المتعدد»، والذي تم اعتقاله في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2016 بتهمة إهانة الرئيس، وحكم عليه بالحبس لسبع سنوات، فقد ساءت حالته بشدة ونقل لمستشفى «جَرَاح باشا»، ثم أطلق سراحه في 20 يناير (كانون الثاني) 2017.
وتشير بعض التقارير التركية، إلى أن السلطات تقوم بنزع صفة «الصحافي» عن الصحافيين المعتقلين، وذلك بإبطال تراخيص عملهم في الإعلام، ثم تأمر بالقبض عليهم باعتبار أنهم غير صحافيين، وقد قامت السلطات التركية بإلغاء البطاقات الإعلامية لـ870 صحافيا، ووفقا لما تم استحداثه من إجراءات، فقد أصبح من حق الحكومة وحدها إصدار البطاقات الإعلامية، ولم يعد لأي من المنظمات المتخصصة الحق في ذلك.
وقد أعلنت الأحزاب المعارضة، أن محكمة الصلح الجزائية التي تم إنشاؤها مؤخرا ما هي إلا أداة تؤكد على عدم استقلالية القضاء، وتستخدمها الحكومة لتكميم أفواه المعارضين والتضييق عليهم، سيما أن القرارات المتعلقة بمعاقبة الصحافيين والتضييق عليهم، قد صدرت من تلك المحكمة.
وحسب إحدى التقديرات التركية، فلا تقل حالة الصحافيين الذين ما زالوا خارج السجون سوءا عن حالة نظرائهم داخلها، فقد وصل عدد المؤسسات الصحافية والإعلامية التي أغلقتها الحكومة إلى 189 مؤسسة. وقَد فقد أكثر من 30 في المائة من العاملين في مجال الصحافة والإعلام وظائفهم. بالإضافة إلى وضع أسمائهم في «القوائم السوداء» التي أعدتها الحكومة، وذلك من أجل حرمانهم من فرص العمل خارج مجال الصحافة والإعلام.
وأفادت الدراسة التي أجرتها مؤسسة «BBC» باتساع عمليات اعتقال فئات مختلفة من بينهم صحافيون وأكاديميون وسياسيون. وعقب رفع الحصانة عن النواب البرلمانيين تم اعتقال 12 من نواب حزب الشعوب الديمقراطي الكردي ومن بينهم رئيس الحزب، خلال الحملة الأمنية التي شنتها قوات الأمن في 4 نوفمبر 2016، ثم قضت المحكمة بحبس تسعة منهم. وخلال الأشهر اللاحقة ارتفع عدد نواب الحزب المعتقلين إلى 15 نائبا، وفي الوقت الذي اعتقل فيه أكثر من عشرة نواب للحزب في فترات مختلفة حُبِس كذلك العشرات من رؤساء البلديات.
وبحسب إحدى الإحصائيات بلغ عدد الذين تعرضوا للاستجواب خلال العامين الماضيين ما يقرب من 400.000 فرد. أما الذين فصلوا من وظائفهم فقد بلغوا 170.372. منهم 17.844 ضابط جيش تم عزلهم من المؤسسة العسكرية، و5.335 محافظا وإداريا تمت إقالتهم، و33.417 شرطيا تم فصلهم، و4.463 قاضيا ومدعيا عاما تم عزلهم، و16.409 طلاب عسكريين فصلوا من أكاديمياتهم العسكرية. بالإضافة إلى 8.573 أكاديميا في الجامعات المختلفة و55.288 مدرسا ومديرا إداريا في وزارة التعليم، و7.220 في وزارة العدل، و7.249 طبيبا وموظفا في وزارة الصحة، و3.330 إماما وواعظا في إدارة الشؤون الدينية.
وقد تم إغلاق 1.284 مدرسة خاصة، و800 مسكن طلابي، و15 جامعة خاصة و560 جمعية خيرية، و950 معهدا من معاهد التحضير الجامعي الأهلية، بالإضافة إلى 1.125 نقابة مهنية، و19 اتحادا من اتحادات رجال الأعمال الذي يضم كل واحد فيه آلاف الجمعيات المحلية.


 
أدوات السيطرة على الإعلام
إن تركيا، رغم كونها دولة تسعى إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، فقد شهدت خلال العشر سنوات الماضية تأخرا ملحوظا في قطاع الإعلام وحرية الصحافة، فعلى سبيل المثال لم تتجاوز نسبة تداول الصحف المؤيدة للحكومة عام 2007 سوى 17 في المائة من إجمالي نسبة مبيعات الصحافة المكتوبة في تركيا. «لقد وصلنا لما نحن عليه الآن بفضل تصدرنا للعناوين الرئيسية» هكذا ردد دائما الرئيس التركي، لتصل بعد ذلك نسبة تداول الصحف التابعة لنفوذ الحزب الحاكم إلى 90 في المائة من إجمالي نسبة تداول الصحف. أما فيما يخص الإعلام المرئي والمسموع، وبعيدا عن القنوات الإخبارية «Fox TV» و«Halk TV»، فإن إحكام القبضة عليه أصبح كاملاً، حيث تقوم أكثر من 37 قناة بإذاعة الخطابات الرئاسية في بث مباشر وبشكل متزامن.
وقد أفضت تحقيقات الفساد الشهيرة في 17 و25 ديسمبر (كانون الأول) إلى ضغوط حكومية متعددة شملت إغلاق الاتحاد التركي لرجال الأعمال والصناعيين الأتراك، ويعرف باسم «توسكن» (TUSKON)وهو مظلة مؤسسية تضم نحو 211 جمعية رجال أعمال في تركيا، بالإضافة لـ150 جمعية رجال أعمال حول العالم. كانت هذه المؤسسة تنظم فاعليات استثمارية وتجارية تحت رعاية الحكومة التركية، إلى أن تم إغلاقها بمرسوم الطوارئ رقم 667 في يوليو 2016. وهكذا أغلقت الحكومة التركية 1000 شركة في 2017 فقط، وصادرت رؤوس أموال شركات تُقدر بـ11 مليار دولار. كما جمدت أصول وممتلكات كل أعضاء مؤسسة توسكن.
الاتهام الذي وجه ضد «توسكن» يتمثل في أن رئيسها رضا نور ميرال، كان قد ألقى خطابا في الاجتماع العادي الخامس لأعضائها قال فيه: «على السياسيين المستهدفين للتربح من مناصبهم التخلي عن السياسة والتوجه للعمل التجاري»، ترتب على ذلك إغلاق المؤسسة التي كانت تضم نحو 40.000 عضوا من رجال الأعمال. كما كان إردوغان وبعض الوزراء، سيما وزير الاقتصاد يحضرون اجتماعات توسكن العامة.
وقد حاولت قطر، بدورها، من خلال علاقاتها مع السلطات التركية استخدام الأداة الإعلامية كأحد محركات توثيق العلاقات بين البلدين، عبر شراء الكثير من المؤسسات الإعلامية التركية وتوجيهها على نحو يلبي الاحتياجات القطرية في هذا الإطار وينسجم مع سياساتها سواء حيال تركيا أو إزاء الكثير من قضايا الإقليم، وتأتي في هذا السياق مجموعة «Digiturk» التابعة لمجموعة «جوكوروفا الإعلامية»، فقد تم بيع هذه المجموعة إلى رجل أعمال قطري مقرب من إردوغان، ومن دون إجراء مزايدة علنية، كما سُلِمت نوافذ إعلامية أخرى من مجموعة جوكوروفا الإعلامية لرجال أعمال منتسبين إلى حزب العدالة والتنمية، ونقلت ملكية صحيفتي «Aksam» و«Günes» إلى أدهم سانجاك، عضو المجلس التنفيذي للحزب الحاكم.
من ناحية أخرى قامت السلطات التركية بالتضييق على المؤسسات الإعلامية المعارضة والمستقلة، عبر مؤسسة «Türksat» التي تسيطر على قطاع البث الفضائي، وتزايدت وتيرة اعتقال الإعلاميين الأتراك، وقد حرم المفصولون من حقهم في الطعن على قرارات فصلهم، وقضت محكمة الاستئناف العليا بأن الموظفين الذين أُغلقت مؤسساتهم، لا يمتلكون الحق في التظلم أو رفع دعاوى تعويض أمام الجهات القضائية، أو المطالبة باستعادة مراكزهم الوظيفية، أو المطالبة بمكافأة نهاية الخدمة. جعل ذلك منظمة العفو الدولية تصف عمليات الفصل الجماعي لعمال القطاع العام في تركيا، بأنها «إبادة مهنية».
وقد أغلقت الحكومة مؤسسة «زمان» الصحافية بمرسوم رقم 668 في 27 يوليو 2016. وصدرت مذكرات اعتقال بحق الكتاب والصحافيين والإداريين العاملين بالجريدة بتهمة الانتماء لـ«جماعة غولن»، طال ذلك أيضا كثيرا من المؤسسات الصحافية الأخرى. ولم يسلم الصحافيون الأتراك في الخارج من ملاحقة السلطات التركية، حيث إشارات كثير من التقديرات الأمنية الغربية إلى أن السلطات التركية حاولت التجسس على كثير من الصحافيين الأتراك العاملين في الخارج، سيما في البلدان الأوروبية، كما تعرض بعضهم لمحاولات اغتيال واعتقال، فمن ذلك ما تعرض له الصحافي جان دوندار الذي صدر بحقه مذكرة اعتقال إجباري، خلال مشاركته في ندوة عقدت في زيوريخ بسويسرا. وكان دوندار قد تعرض لتهديدات كثيرة حتى من الرئيس إردوغان شخصيا، حين صرح الأخير موجها خطابه لـ«دوندار» قائلاً: «سوف تدفع ثمن التحقيقات الصحافية التي كتبتها غاليا، لن أتركك تفلت دون عقاب».
وفي سبتمبر 2016 نشرت جريدة «صباح» الموالية للسلطات التركية، تقريرا عن أماكن تواجد الصحافيين في الخارج مع التوثيق بالصور لحياتهم الخاصة، وعقب نشر ذلك التقرير تلقى هؤلاء الصحافيون تهديدات بالقتل، ومنهم الصحافي، آدم ياووز أرسلان، الذي صرح بأنه لم يصدر بشأنه مذكرة اعتقال، وأن مكان تواجده في أميركا تعرفه السفارة التركية منذ سنتين ونصف السنة، لكن هجوم جريدة «صباح» لم يتوقف سيما ضد الصحافي، أرسلان، فقد هاجمته الجريدة في مقال لها صدر في فبراير 2018.


 
«شخصنة» النشاط الإعلامي
تتجه تركيا في الوقت الراهن نحو «شخصنة» النشاط السياسي والإعلامي (أي اختزاله في أشخاص بعينهم)، والتي تعتمد بدورهـا على رؤية الرئيس والعلاقات التي يمتلكها مع من حوله. وفي ظل غياب قوانين منظمة مؤسسة، فإن الأنشطة العامة تعتمد على الشرعية الكارزمية لرئيس الدولة الذي يقوم بدوره بتنظيم شؤون كل المجالات العامة.
ومنذ بداية 2007. قررت السلطات التركية اتباع نظام أُطلق عليه «نظام الـPool» يتم من خلاله جمع تبرعات من رجال الأعمال تمكن الحكومة من إعادة شراء المؤسسات الإعلامية. هـذه العملية تمت عبر صندوق التأمين على ودائع الادخار (TMSF)، بحسبانها الجهة الإدارية المكلفة بالاضطلاع بنقل هـذه الأصول من رؤساء صحف «تركيا القديمة» إلى رؤساء صحف «تركيا الجديدة».
وتميزت الفترة الخالية ليس وحسب ببروز أدوار المؤسسات الإعلامية المؤيدة للحزب الحاكم، وإنما أيضا بتوقيع «العقوبات» على الإعلام المستقل. فعلى سبيل المثال، قامت هيئة الضرائب التركية بفرض غرامة باهظة الثمن– تقدر بـ3.5 مليار يورو– على مجموعة «Dosan» الإعلامية بحجة التهرب الضريبي أثناء بيع جزء من المجموعة إلى المؤسسة الإعلامية الألمانية «Axel Springer AG».
وإن ظلت بعض المنابر المعارضة مسموحا لها بالبقاء على الساحة الإعلامية، فهذا يرجع لكونهم الممثلين الرسميين المتبقين للتيار الكمالي أو اليساري المتشدد. هذا في وقت تراجعت فيه المساحة المخصصة لهم للتعبير عن الرأي تدريجيا مع الشروط المتعلقة ببعض القضايا الحساسة مثل القضية الكردية، وقضايا الفساد.

يضاف ذلك إلى أن وضعهم المالي في تدهور مستمر. لذلك لا يثير الإعلام المعارض أي قلق للسلطات التركية، التي توجًه إلى كل وسائل الإعلام غير الموالية اتهامات متواصلة بـ«العمالة» وتبني أجندات أجنبية. هذا على الرغم من أن الدستور التركي يكفل حرية التعبير؛ حيث تنص المادة 25 منه على أن: «كل شخص له كامل الحرية في التعبير عن آرائه واعتقاداته، ولا يجب على أحد أن يخفي آراءه لأي سبب كان، كما لا يصح أن يُلام الشخص أو يوجه له اتهام بسبب رأيه». ونص المادة 26 يأتي في نفس السياق أيضا، حيث تشير إلى أن: «لكل شخص الحرية الكاملة في التعبير عن فكره ورأيه سواء بالخطاب أو بالكتابة أو بالتصوير أو بأي وسيلة إعلام أخرى».
بيد أن ثمة انفصالا بين واقع الدستور وحال الممارسات الفعلية، ذلك أن قضايا الإعلام والصحافة تُستغل من قبل تركيا لتعزيز السلطة السياسية والقضاء على الخصوم، كما أنها إحدى أدوات دعم التحرك على الساحة الخارجية، ذلك أن تركيا تستضيف المئات من الصحافيين والمعارضين من دول أخرى، سيما مصر وتتيح لهم المجال لمهاجمة الدولة ومؤسساتها، وتعتبر أن استخدام هذا المدخل أحد محركات دعم نفوذها الإقليمي وتعزيز حضورها الخارجي، وتلعب قطر، بدورها، دورا رئيسيا في تعزيز هذا التوجه ليس لكون الدوحة تتبع ذات السياسات، وإنما أيضا بحسبانها توجه استثمارات ضخمة إلى المجال الإعلامي التركي، على نحو تسعى من ورائه إلى تعزيز أهدافها السياسية سواء مع تركيا، أو إزاء دول أخرى لا ترتبط قطر معها بعلاقات ودية.
 


اشترك في النقاش