«إعاقة» أم «احتياجات خاصة»؟

كيفية التعامل وآليات الدمج

* ينحو أفراد المجتمع إلى إظهار سلوك خاص تجاه ذوي الإعاقة، رغم أن أفضل طريقة للتعامل معهم هي البساطة والمساواة؛ دون الحديث معهم بأسلوب مختلف أو إشعارهم باختلافهم.
* دمج ذوي الإعاقة يشجع المجتمع على تبني نظرة إيجابية نحوهم. لأن عزل المعاقين يزيد من وجهات النظر والاتجاهات السلبية، مثل العزل والشعور بالذنب والقلق والخجل.
* لا بد من تعزيز وعي الجمهور بمواهب وقدرات ذوي الإعاقة لإبراز مدى قدرتهم على تجاوز التحديات. 

 
جدة: مع حلول اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة في 3 ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، والذي أطلقته الأمم المتحدة في عام 1992 بموجب قرار الجمعية العامة 3-47، يتجدد الجدل حول أولوية استخدام مصطلح «ذوي الاحتياجات الخاصة» مقابل «ذوي الإعاقة».
ويندرج استخدام مصطلح «ذوي الاحتياجات الخاصة» في إطار ما يطلق عليه العبارات التلطيفية (euphemisms) وهي التي تستخدم بغرض إضفاء معانٍ إيجابية على حالة صعبة أو مثيرة للجدل.
وقد درج استخدام مصطلح «ذوي الاحتياجات الخاصة» منقولاً بالعربية عن اللغة الإنجليزية منذ أواسط الثمانينات تقريبًا كمصطلح بديل للدلالة على الأشخاص الذين لديهم إعاقات أو صعوبات سمعية أو بصرية أو حركية أو عقلية.
ورغم أن وصف ذلك الجزء من المجتمع بمصطلح «ذوي الإعاقة» حقيقي ولا غبار عليه ولا يحمل أي مضامين سلبية أو تحقيرية، إلا أن ضعف التربية المنزلية والمدرسية لدى فئة لا يستهان بها في العالم العربي تجعل البعض يستخدم لفظ «معاق» لأشخاص لا يعانون من أي إعاقة حقيقية، وبالتالي جعل النظر إلى فئة ذوي الإعاقة الحقيقيين بشيء من الدونية أو الشفقة المفرطة أمرًا شائعًا. كما انتقل ذلك الشعور إلى الأطفال، مما جعلهم يسخرون من نظرائهم من ذوي الإعاقة وجعل دمجهم في المجتمع أمرًا تحول دونه مجموعة من العوائق والمتاعب. فما أبرز عوائق دمج الأطفال ذوي الإعاقة؟ وكيف يمكن تحسين ظروف معيشتهم وفتح آفاق المستقبل أمامهم؟ وما هو التعريف الصحيح للإعاقة؟
 




الدكتور محمد أنس


 
ماهي الإعاقة؟
يستعين خبير تأهيل الأطفال ذوي الإعاقة الدكتور محمد أنس حتاحت في حديثه إلى «المجلة» بتعريف منظمة الصحة العالمية للإعاقة بقوله إنه: «مصطلح يغطي العجز والقيود على النشاط ومقيدات المشاركة. والعجز مشكلة في وظيفة الجسم أو هيكله، والحد من النشاط هو الصعوبة التي يواجهها الفرد في تنفيذ مهمة أو عمل، في حين أن تقييد المشاركة هو المشكلة التي يعاني منها الفرد في المشاركة في مواقف الحياة، وبالتالي فالإعاقة ظاهرة معقدة، تعكس التفاعل بين ملامح جسم الشخص وملامح المجتمع الذي يعيش فيه».
كما يقدم تعريفًا إضافيًا للإعاقة، يحمل صيغة عملية، واصفًا إياها بأنها «حالة تحد من قدرة الفرد على القيام بوظيفة واحدة أو أكثر من الوظائف التي تعتبر أساسية في الحياة اليومية كالعناية بالذات أو ممارسة العلاقة الاجتماعية والنشاطات الاقتصادية، وذلك ضمن الحدود التي تعتبر طبيعية. ولذا، فهي تتركز حول عدم تمكن المرء من الحصول على الاكتفاء الذاتي وجعله في حاجة مستمرة إلى معونة الآخرين، وإلى تربية خاصة تساعده على التغلب على إعاقته».
 
أبرز حالات الإعاقة
يعرَف ذو الإعاقة علميًا بأنه «الشخص الذي انخفضت إمكانيات حصوله على عمل مناسب بدرجة كبيرة مما يحول دون احتفاظه به نتيجة لقصور بدني أو عقلي».
ويفصّل ذلك الدكتور حتاحت بالقول: «ذو الإعاقة هو الشخص الذي يختلف عن المستوى الشائع في المجتمع في صفة أو قدرة شخصية سواء كانت ظاهرة كالشلل وبتر الأطراف وكف البصر، أو غير ظاهرة مثل التخلف العقلي والصمم والإعاقات السلوكية والعاطفية، بحيث يستوجب تعديلاً في المتطلبات التعليمية والتربوية والحياتية بشكل يتفق مع قدرات وإمكانات الشخص المعاق مهما كانت محدودة؛ ليكون بالإمكان تنمية تلك القدرات إلى أقصى حد ممكن».
أما الإعاقات الأكثر شيوعًا لدى الأطفال، فتضم كلاً من صعوبات التعلم واضطراب النطق يليها الإعاقة العقلية والجسمية. أما التوحد والإعاقات البصرية والسمعية، فهي أقل انتشارًا، ولها أصول وراثية، وبخاصة إذا تزاوج الأقارب.
وتقدر نسبة الأفراد ذوي الإعاقة الذين تقدم لهم الخدمات اللازمة نحو 10 في المائة فقط.
 
إعاقة أم احتياجات خاصة؟
يوضح الدكتور حتاحت، وهو رئيس مؤسسة «حدودي السما» التنموية السورية، وحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة، أن وصف «ذوي الإعاقة» لا يعني وجود نقص في شخصية الإنسان أو قيمته، إنما يوجد ما يعيقه في تنفيذ مهامه وأعماله وأهدافه.
ويؤكد أن مصطلح «ذوي الإعاقة» هو المعتمد عالميًا وفي المحافل الدولية؛ حتى إنه مستخدم في الاتفاقيات الدولية المعنية بشؤونهم، ولا يوجد ذكر لمصطلح «احتياجات خاصة»، وهي لا تعبر تمامًا عن المعنى المقصود.
وفي سياق متصل، طلبت الجمعية النفسية الأميركية عام 2010 من الكتاب عدم استخدام مصطلح «احتياجات خاصة» أو «تحديات جسدية» لوصف «الإعاقة» لأنها تحمل نوعًا من التعالي، وذلك بحسب ما أوردته ورقة بحثية أميركية أصدرتها المكتبة الوطنية للصحة الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2016.
ويرى الدكتور حتاحت أنه «مهما كانت التسمية، فإن المشكلة ليست بالتسمية بقدر ما هي بالفعل والعمل وإعطاء حقوق لذلك الجزء من المجتمع ودمجه»، مضيفًا: «لا نريد الاختلاف على الشكل بإهمال المضمون».
 
تطبيع حياة ذوي الإعاقة
ينحو أفراد المجتمع، ولو بنسب مختلفة، إلى إظهار سلوك خاص تجاه ذوي الإعاقة، سواء كانوا أطفالاً أم كبارًا، ذكورًا أم إناثًا، رغم أن أفضل طريقة للتعامل معهم هي البساطة والمساواة في التعامل مع غيرهم؛ دون الحديث معهم بأسلوب مختلف أو إشعارهم باختلافهم عن الآخرين أو إظهار الشفقة والتعاطف بشكل مفرط.
ويركز الدكتور حتاحت على أهمية دمج ذوي الإعاقة، مقدمًا تعريفًا للدمج على أنه «تحقيق المساواة والمشاركة وإتاحة الفرص لذوي الإعاقة أسوة بأقرانهم في المجتمع، وإزالة أي مظهر من مظاهر التمييز تجاههم والابتعاد عن أشكال الخدمات المنعزلة تحت دعوى خصوصية هؤلاء الأفراد. كما أن الدمج يعترف بالصعوبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة، لكنه في الوقت ذاته يطالب بإعطائهم الفرص ومساواتهم في الحقوق وجعل الظروف المحيطة بهم عادية وعدم معاملتهم بأي شكل من الأشكال وكأنهم جزء خاص من المجتمع.
ويضيف أن أسلوب الدمج يعني «تقديم مختلف أنواع الخدمات والرعاية لذوي الإعاقة في بيئة الأشخاص العاديين، وهي نفس الخدمات التربوية والتعليمية المقدمة لهؤلاء الأشخاص العاديين، وبمعنى آخر فإن الدمج هو عدم عزل الأشخاص ذوي الإعاقة عن أقرانهم العاديين».
ولا يعتبر حتاحت أن سياسة الدمج لا تقتصر على المجال التربوي والتعليمي؛ رغم أنه يجذب مركز الانتباه الآن، مضيفًا أنه «يجب أن يتعدى إلى المجالات الاجتماعية والمهنية والترفيهية وغير ذلك من أوجه النشاط الإنساني».
 
فلسفة الدمج
مثل أي مشروع يحتاج إلى تضافر جهود كثير من أفراد المجتمع والهيئات الحكومية، يحتاج الدمج إلى فلسفة تحركه، تبدأ منذ فترة مبكرة لحدوث الإعاقة، وبالتحديد في فترة الطفولة، حيث يصنف الطفل بأنه من ذوي الإعاقة من قبل الطبيب المختص ثم يحول لاختصاصي التربية الخاصة لدراسة الحالة والتشخيص ووضع الخطة العلاجية المناسبة له ومتابعتها بشكل يومي وأسبوعي؛ لقياس نسب التطور القريب المدى والبعيد المدى للطفل وبالطبع يوجد هناك درجات للإعاقة، ويتم تحديدها من قبل الطبيب المختص والاختصاصي المتابع للحالة.
 
ويسرد حتاحت ملامح فلسفة الدمج في نقاط سريعة كما يلي:
• إزالة الوصمة المرتبطة ببعض فئات التربية الخاصة أي الأطفال ذوي الإعاقة؛ لتخفيف الآثار السلبية الاجتماعية.
• خلق فرص كافية لذوي الإعاقة لنمذجة أشكال السلوك الصادر عن أقرانهم العاديين.
• تعديل الاتجاهات نحو فئات الأطفال ذوي الإعاقة، من خلال برامج الدمج التي تعمل على تغيير وتعديل اتجاهات الأسر والعاملين في المدرسة والأقران من السلبية إلى الإيجابية، وخاصة تلك الاتجاهات المتعلقة بالرفض أو عدم التعاون.
• توفير خبرات التفاعل الاجتماعي بين ذوي الإعاقة وأقرانهم العاديين؛ مما يؤدي إلى زيادة فرص التقبل الاجتماعي لهم من قبل العاديين.
• توفير الفرص التربوية المناسبة للتعلم، بين الطلبة الأسوياء وذوي الإعاقة، المتمثلة في أساليب التدريس المختلفة، وأساليب التقويم لينمو الطالب صاحب الإعاقة نموًا أكاديميًا واجتماعيًا ونفسيًا سليمًا.
• توفير الفرص التربوية لأكبر عدد ممكن من فئات ذوي الإعاقة.
• توفير التكلفة الاقتصادية اللازمة لفتح مراكز أو مؤسسات التربية الخاصة التي تتضمن البناء المدرسي، والعاملين من اختصاصيين ومعلمين، ومواصلات... إلخ.
• تحقيق الذات عند الأطفال ذوي الإعاقة وزيادة دافعيتهم نحو التعليم، ونحو تكوين علاقات اجتماعية سليمة مع الغير.
 
مبررات دمج الأطفال ذوي الإعاقة
يسوق حتاحت مجموعة من مبررات دمج ذوي الإعاقة، قائلاً إن «الأدبيات التربوية الحديثة تزخر بالآراء المقنعة المؤيدة لدمج الأطفال ذوي الإعاقة مع الأطفال العاديين في البيئة التعليمية نفسها»، مفضلاً سردها بنقاط كما يلي:
 
المبررات الاجتماعية الأخلاقية
الدمج يشجع المجتمع على تبني نظرة إيجابية نحو الأشخاص المعاقين. وهذا الرأي يقوم على افتراض مفاده أن عزل الأشخاص المعاقين يشجع من حيث المبدأ تطور وجهات النظر والاتجاهات السلبية، مثل العزل والشعور بالذنب والقلق، والخجل. أما الدمج فهو يهيئ الفرص لتطور الإدراكات الاجتماعية الواقعية، والمتمثلة في الاعتراف بوجود الأطفال ذوي الإعاقة، والبحث عن حلول.
 
المبررات القانونية التشريعية
ظهور القوانين والأنظمة التشريعية في معظم دول العالم في الوقت الراهن التي تنص صراحة على حق الأطفال ذوي الإعاقة في تلقي الرعاية الصحية والتربوية والاجتماعية أسوة بأقرانهم من الأطفال، وفي أقل البيئات التربوية تقيدًا، أي أنه يتماشى مع حقوق الإنسان الأساسية في سياق التعليم للجميع مثل القانون الأميركي للعام 1975. وما صدر عن الأمم المتحدة عام 1975 من وجوب احترام الكرامة الإنسانية للأفراد ذوي الإعاقة، وحماية حقوقهم الأساسية أسوة بأقرانهم في المجتمع. ويضاف إلى ذلك ما ورد عن مؤتمر سلامنكا بإسبانيا 1994 الذي نص في توصياته على وجوب إتاحة الفرصة لذوي الاحتياجات الخاصة للالتحاق بالمدرسة العامة.
 
المبررات النفسية الاجتماعية
إن الأطفال بحاجة إلى التعامل مع الآخرين والتعامل مع ظروف الحياة اليومية. وإن حرمان الأطفال ذوي الإعاقة من فرص المشاركة في نظم التعليم المدرسي العادية، يترتب عليه حرمان الطفل ذي الإعاقة من حقه في الانتماء إلى المجتمع، وفي المساهمة في بنائه.
ويختتم: «إن مفهوم الدمج في جوهرة مفهوم اجتماعي أخلاقي نابع من حركة حقوق الإنسان ضد التصنيف والعزل لأي فرد بسبب إعاقته، إلى جانب تزايد الاتجاهات المجتمعية نحو رفض الوصمة الاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة».
 
تحديات ترهق الأطفال والأهالي
عند سؤاله عن التحديات التي تواجه الأطفال ذوي الإعاقة، يقول حتاحت: «إن من أبرز التحديات التي تواجه الأطفال ذوي الإعاقة معاناة الكثير من العائلات من ارتفاع أسعار بعض المراكز الخاصة التي تعمل في تعليم وتدريب ذوي الإعاقة، مما يمثل عائقًا كبيرًا أمام العائلات».
ويضيف: «فضلاً عن بعض التحديات الاجتماعية مثل خجل بعض العائلات من وجود ابن أو ابنة معاقة، تأتي الخدمات الترفيهية على رأس التحديات، وبخاصة صغار السن والأطفال، والتي يفتقر إليها ذوو الإعاقة، سواء في المجمعات التجارية أو الأماكن العامة، حيث اقتصرت الألعاب داخل المجمعات على الأصحاء فقط؛ دون مراعاة الأطفال ذوي الإعاقة، مما يؤثر نفسيًا عليهم... لذلك، لا بد من تعزيز وعي الجمهور بكافة شرائحه بمواهب وقدرات ذوي الإعاقة وإظهار النماذج الناجحة للجمهور والاستماع إلى رحلة صعودهم ونجاحهم»، كما يقول حتاحت. ويأتي ذلك، لإبراز مدى قدرتهم على تجاوز التحديات. فهل نساعدهم نحن ولو بمزيد من الوعي والتعاطف والتثقيف؟


اشترك في النقاش