المجازات الخشنة وإنتاج المعنى

«هذا الراقص»... جدل الصورة الشعرية والدلالة

* منذ الاستهلال الشعري لقصيدته المركزية «المجد محض عاهرة»، نرى الذات الشاعرة تمارس لعباً مراوغاً.


 

القاهرة: تلجأ قصيدة الشاعر المصري عبد الله راغب إلى المجازات الخشنة في ديوانه الجديد «هذا الراقص»، والصادر عن دار (الأدهم) في القاهرة، فمنذ الاستهلال الشعري لقصيدته المركزية «المجد محض عاهرة»، نرى الذات الشاعرة تمارس لعبا مراوغا، فلا تسوق وعيا مألوفا، ولا حكمة سيّارة، وإنما تصنع حالا من التأمل لهذا الفعل المغوي (المجد)، وهو الدال المركزي الذي يربط بين أول الديوان وآخره، فالمجد الذي صار محض عاهرة في القصيدة الأولى من الديوان، ليس أكثر من سقوط للمعنى في القصيدة الأخيرة «سقوط»، والتي يختتم بها الديوان.
تتواتر الصور الشعرية في «المجد محض عاهرة»، وتصبح القصيدة ابنة للتداعي والاجترار، وتدخل الغائية بوصفها معطى جماليّاً في قصيدة تبدأ وتنتهي بالفكرة ذاتها، ففي الاستهلال نرى (المجد محض عاهرة)، وفي الختام (رحلوا وتركوا لي عاهرة سميتها المجد)، والجامع بين الاستهلال والختام الشعريين منطق جمالي خاص تنزع إليه القصيدة، وتبني نفسها عبره في وعي كاتبها ومتلقيها في الآن نفسه.
في قصيدة «لوركا» ومنذ الاستدعاء تحضر صورة الشاعر الإسباني المناضل، وتحضر مشاهد الحضور والغياب، الحياة والموت، هاتان التيمتان اللتان تتجادلان في القصيدة مثل حركتي الداخل والخارج، ومع لوركا هناك أيضا خوان خريس، الرسام الإسباني الشهير، وتتعاضد الصلات الفكرية والمشتركات الجمالية بينهما في نص مبني على الاستدعاء والإحالة إلى وقائع وشخوص بعينهم، ويعتمد التخييل فيه على المساحات البينية بين «لوركا» الحقيقي، و«لوركا» المتخيل، حيث يصبح الشاعر الإسباني محض تأويل مستمر في النص والتلقي معا: «لوركا يبتاع صحيفة يومية- يخرج منها بغتة- فريق طبي- يحاول أن يستأصل- أشبيلية من قلبه- لكنها الطفلة- التي- لن تكبر». (ص18(.
في «جدار زجاجي» تبدو الذات الشاعرة وحيدة في مواجهة العالم، يفصلها جدار زجاجي وبعض خيبات، لتواجه عريها الخاص بالرقص، غير أن هذا الراقص لم يجن سوى الحسرة أيضا، فكل الأشياء قبض ريح، والنهايات مشغولة بالنهايات، ومختتم القصائد هنا يصبح في حيز القراءة المتوقعة، مثلما نرى في القصيدة التي يحمل الديوان اسمها «هذا الراقص»: «تتهشمون إلى حروف لا تملك- أن تلملم بعضها- فقط- يلملم الراقص رقصته- ويطير- فوق الملهى» (ص31).
ومثلما نرى أيضا في قصيدة «باب الماء» التي تنتهي نهاية دالة عبر التأكيد على استدعاء ماركيز بطل الحكاية الشعرية ومركزها، والذي يبدو حضوره مختلفا هنا، حيث تستجلي القصيدة عالمه الثري فنيا وإنسانيا، وحيث العلاقة الخصبة بينه وبين بلدته «أراكاتكا»، فيصبح غابرييل غارسيا ماكيز مفتاحا للنص وجوهرا له في الآن نفسه: «ماركيز يرقد فوق الأرخبيل- يسند ظهره على الموج- يمد ساقيه... إلى نهاية العالم- خفيفا- ثم يلبس شجرة- يطل من أوسطها وجهه- خفية- على بنت تخلع سترتها- فوق ضفة المسيسيبي- وحيدة- على الشاطئ- يستمتع الماء وحيدا- بنعومة بشرتها- ثم تلتصق بلحائه- دون أن تعرف- أن أشجار أراكاتكا ذكور- وأقسم لنفسه- أنه بالأمس شد البحر- على غفلة منه- إلى الشطين- وأجلسه بجانبه هادئا- كجندي أكل الخوف بندقيته». (ص37(.
يحضر ماركيز في المقطع السابق بظلاله المختلفة، ويوظف الشاعر الصورة الفنية بأطيافها البلاغية والبصرية والمركبة في إنتاج المعنى داخل القصيدة.
وفي قصيدة «اسمه سلفادور دالي» يتزاوج المحلي بالعالمي، وتحضر القرية وسلفادور معا، وتتجاور الأشياء ولا تتصارع، في متن شعري متماسك في بنائه، حر في تكوينه الجمالي.
وفي نص «قصيدة رديئة جدا» يصبح العنوان محفزا على القراءة، مازجا بين خارج النص وداخله، بين العنوان والمتن، بين القصيدة بمعناها العام، والقصيدة التي تأتي الإشارة إليها نصا في القصيدة باعتبارها رديئة تبغي الذات الشاعرة التطهر منها، وكأن الجمال غاية، والقبح دنس.
وفي قصيدة «رمح معاوية» ينفتح التراث المعرفي الذي يتواصل من خلاله الشاعر مع متلقيه على الثقافة العربية مثلما تواصل من قبل مع الثقافة الغربية، ويبدو الحضور الإشكالي للتاريخ هنا مسكونا بدلالة لا نهائية: «وفي ممر البيت- وقف التاريخ- واسترد عافيته- ثم أغمد قلمه- في كفي- ولم تصدقه دماء الغرقى». (ص61(.
في «بقعة بيضاء» تأتي الإشارة النصية إلى العنوان في المتن الشعري للقصيدة ذاتها، حيث العنوان هنا جملة مجتزأة من النص، فالذات الشاعرة تظل تبحث عن تلك البقعة البيضاء بغية أن تجدها، غير أن الحياة تبدو مثل سلسلة متواترة من الحزن والوحشة؛ ولذا فإن الذات الشاعرة تؤنسن الناي الحزين، وتستلهم طاقاته المؤسية في قصيدة «الناي» التي تتلو «بقعة بيضاء».
وفي «طاووس» تتواتر شعرية مازجة بين التخييل الذاتي والتخييل الموضوعي: «سوف يطلق الصياد صرخته- ويفتح لصقره ثغرة- تكفي كي يغير جسده- الآن سوف يصبح- طاووساً- ولن يفترس- كل هذه الطيور- التي سوف تردد خلفه- كل ألحانه المهملة» (ص80). بينما يصبح التخييل الشعري في قصيدة «ثرثرة» مرتبطا بالذات الشاعرة، ومتكئاً عليها، وتبدأ قصيدة «ثرثرة» بسؤال لافت، وتنهض على تيمة السؤال في بنائها الشعري، وفيها يتأخر حضور السؤال قليلا في النص في مراوغة فنية من الشاعر الذي يعمق الاستهلال الشعري ويفتح أفق التلقي على مدارات واسعة.
ينتهي كل شيء في القصيدة الأخيرة «سقوط»، ولا ينتهي أيضا، فالسقوط له ذراعان حانيتان، مثلما كان المجد حضن عاهرة! هنا تتبدل المجازات وتتنوع، ويصبح الشعر ميدانا للغواية والاحتمال والفن، وليس فخا للجاهز والحقيقي.
في الديوان إشكاليتان فنيتان، حيث ثمة ارتباكات لغوية في بعض المواضع مثلما نرى في قصيدة «هذا الراقص»، وتحديدا في الاستهلال، كما نرى هيمنة للمعرفي على الجمالي أحيانا، وتحديدا في بعض المواضع في قصيدة «اسمه سلفادور دالي».
وبعد... يأتي ديوان «هذا الراقص» بعد ثلاثة دواوين للشاعر عبد الله راغب، وهي (سيدة الصباح- هي أعضاء ليست لك- تجذبه إلى آخر الكون)، مسكونا بجدل الصورة والدلالة، ومنفتحا على أفق وسيع من التأويلات، وخطوة مهمة في التعبيد لمشروع شعري مميز يخص الشاعر ونصوصه المغايرة.

 

 


اشترك في النقاش