بن سلمان وبوتين... تقارب وتفاهم

السعودية وروسيا... لقاءات مستمرة واتفاقات متعددة
* استضافة السعودية لفعاليات قمة 2020 يعطي دلالة على مكانة ما تطرحه المملكة من أفكار متطورة، وأطروحات نوعية على مستوى العالم ونتاجا لمنجزات «رؤية 2030».
 
* أصبحت المملكة العربية السعودية، عضوا في اللجنة الثلاثية «الترويكا» في مجموعة العشرين، والتي ترأسها اليابان العام المقبل.
* زيارة ولي العهد السعودي إلى روسيا عام 2015، وضعت الأساس لعلاقات شخصية جيدة وقوية بين بن سلمان وبوتين وساهمت في إيجاد مساحات واسعة من التفاهم بشأن بعض القضايا الدولية.
* روسيا تثمن مدى أهمية التنسيق مع السعودية للمكانة التي تشغلها المملكة دولياً وإقليمياً.
* تدرك موسكو أن الموقف السعودي يأتي اعتباراً من أنها خط الدفاع الأخير عن الأمن والاستقرار العربي في مواجهة تمدد المشروع الإيراني.
* تتفهم الرياض المخاوف الروسية من انتقال الجماعات الإرهابية من المنطقة إلى الداخل الروسي، وذلك في ظل وقوع بعض العمليات الإرهابية خلال الأعوام الماضية في روسيا.

 


باكو - أذربيجان: خرجت قمة قادة مجموعة العشرين التي أنهت أعمالها في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، في الثانى من ديسمبر (كانون الأول) 2018، في بيانها الختامي بالموافقة على استضافة المملكة العربية السعودية لفعاليات القمة ما بعد القادمة عام 2020. حيث تعقد القمة القادمة في اليابان عام 2019. وهو ما يؤكد مكانة المملكة سياسيا واقتصاديا ليس فقط وسط العالم العربي وإنما أيضا في العالم المتقدم، وبمقتضى ذلك أصبحت المملكة العربية السعودية، عضوا في اللجنة الثلاثية «الترويكا» في مجموعة العشرين، والتي ترأسها اليابان بصفتها رئيس المجموعة لعام 2019. والأرجنتين بصفتها الرئيس السابق، والسعودية بصفتها الرئيس اللاحق للمجموعة في عام 2020، وتهدف اللجنة للتعاون بشأن استمرارية واتساق جدول الأعمال، والمواضيع التي تناقشها المجموعة.
وغني عن القول إن اختيار المملكة لاستضافة قمة عام 2020، يعطي دلالة على ما تطرحه المملكة من رؤى جديدة وأفكار متطورة، وأطروحات نوعية، تصب جميعها في مصلحة خطط تطوير الاقتصاد العالمي وتقويته، وهو ما كان نتاجا لمنجزات الرؤية الوطنية التي تبنتها المملكة تحت اسم «رؤية 2030»، إذ كشفت كثير من المؤشرات عن مدى ارتباط هذه الرؤية مع محاور عمل قمة العشرين، وهو ما أوضحته وزارة الخارجية السعودية حينما أكدت في إنفوجراف لها، أن محاور قمة العشرين تتمثل في مستقبل العمل، والبنية التحتية للتنمية، والمستقبل الغذائي المستدام، موضحة أنها تتقاطع مع رؤية المملكة 2030 في خفض معدلات البطالة ووصولها إلى 7 في المائة بحلول 2030، وزيادة مساهمة القطاع الخاص ومشاركة المرأة في سوق العمل، وتضافر جهود قطاعات البلاد في تعزيز البنية التحتية، وتطوير المنظومة الصحية والاستفادة من دعم الغذاء والماء.
ومن هذا المنطلق، تزايد حجم اللقاءات التي عقدها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع مختلف قادة الدول المشاركة على هامش هذه القمة، حيث التقى بكل من: رئيس الصين، ورئيس جنوب أفريقيا، ونائب رئيس إندونيسيا، ورئيس وزراء الهند، ورئيسة وزراء بريطانيا، كما عقد لقاءات جانبية مع رئيس كوريا الجنوبية، ورئيس فرنسا، ورئيس المكسيك. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقدمة هؤلاء القادة، حيث جمعهما لقاء مهم، عكس مدى التقارب والتفاهم المتبادل بينهما بشأن كثير من الموضوعات والقضايا، وهو ما عبرت عنه الصور التي جمعتهما معا، إذ تبادل الرجلان التحية وتصافحا واقفين بحرارة، فضلا عن اتخاذهما مقعدين متجاورين على طاولة القمة وهما يتحادثان ويتبادلان الضحك. وكانت هذه الصورة محل تعليق من جانب المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، ردًا على سؤال عن هذه المصافحة الحارة بقوله إن «العلاقات الشخصية الجيدة هي أساس التعاون الثنائي الفعال»، وهو قول يحمل في طياته الكثير من الصحة في مجال العلاقات الدولية، إذ إن غياب العلاقات الشخصية بين الزعماء والقادة يجعل ثمة مساحات من التباعد في الفكر والتوجهات، بما ينعكس سلبا على تقاربهما وقدرتهما على وضع حلول للقضايا محل اهتمامهما. في حين أنه حينما نكون إزاء علاقات جيدة بين القادة يكون من السهولة بمكان حلحلة كثير من القضايا والتوصل إلى تفاهمات عدة بشأنها، وهو ما ينطبق على مسار العلاقات السعودية الروسية منذ زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا عام 2015، حيث وضعت الأساس لعلاقات شخصية جيدة وقوية بينهما ساهمت كثيرا في إيجاد مساحات واسعة من التفاهم بشأن بعض القضايا الدولية على غرار ما جرى بالنسبة للاتفاق النفطي وكذلك القضايا الإقليمية.
ولا شك أن الاهتمام السعودي بروسيا يأتي انطلاقا من إدراكها بأهمية روسيا كدولة محورية في العالم، فإلى جانب كونها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي، فإن لها حضورا كبيرا في كثير من القضايا العالمية والإقليمية والتي تمثل نقاطا مشتركة بين البلدين، تستوجب عقد المزيد من اللقاءات والتفاهمات وصولا إلى مواقف تحقق مصالح الطرفين، فكان اللقاء على هامش هذه القمة خطوة أكدتها خطوة أكبر مع إعلان الكرملين عن زيارة مرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المملكة في أوائل العام القادم (2019) وإن لم يتحدد موعدها بعد.
وفي الوقت ذاته تدرك روسيا مدى أهمية التنسيق مع المملكة العربية السعودية إدراكا من جانبها كذلك بالمكانة التي تشغلها المملكة دوليا وإقليميا، إذ تعد بدورها لاعبا رئيسيا في كثير من الملفات والقضايا التي تتراوح بين السياسية والاقتصادية والأمنية بل والإنسانية أيضا.
في ضوء كل ما سبق، يمكن رصد بعض المؤشرات الدالة على تعزيز التقارب السعودي الروسي وانعكاساته الراهنة، وذلك من خلال المحاور الآتية:
 
أولا: النفط وتراجع الأسعار... التوافق على تمديد اتفاق خفض الإنتاج
«نعم؛ لدينا اتفاق بشأن تمديد اتفاقيتنا»، تلك هي العبارة التي جاءت على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب اللقاء الذي جمعه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على هامش قمة العشرين ليعلن توافقهما على تمديد اتفاقهما بشأن خفض إنتاج النفط حفاظا على مستويات أسعار، دون تحديد الحجم النهائي كما أشار إلى ذلك أيضا الرئيس الروسي بقوله: «إن القرار النهائي لم يتخذ بعد بشأن الحجم، لكننا سنقوم بذلك سويا مع السعودية، ومهما كان الرقم النهائي بموجب القرار المشترك فإننا سنتابع الأوضاع في السوق ونتعامل معها بسرعة». ويذكر أن اتفاق الدول النفطية من الأعضاء وغير الأعضاء في منظمة (أوبك) بشأن تخفيض الإنتاج دخل حيز التنفيذ في بداية عام 2017. وفي وقت لاحق تم تمديده حتى نهاية عام 2018. وكان للمملكة الدور الأكبر في توقيع هذا الاتفاق، إذ وقع البلدان في سبتمبر (أيلول) 2016 مذكرة مشتركة نصت على تشكيل لجنة سعودية روسية تتولى تحديد الخطوات المطلوبة لاستقرار السوق، ومجموعة عمل مشتركة لتحديد الإجراءات المطلوبة لتحقيق ذلك.
 
ثانيا: الرياض وموسكو... تعددية مجالات التعاون ما بعد زيارة العاهل السعودي لموسكو 2017
شهدت العلاقات السعودية الروسية تحولا ملموسا وتطورا ملحوظا بوتيرة سريعة في مختلف المجالات منذ الزيارة التاريخية التي قام بها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، والتي شهدت توقيع كثير من الاتفاقيات بين البلدين، كان من أبرزها ما يأتي:
 - خريطة طريق سعودية روسية للتعاون الاقتصادي والتجاري.
 - مذكرة تفاهم لإنشاء منصة روسية سعودية بقيمة مليار دولار للاستثمار في مجال الطاقة.
 - مذكرة تفاهم لإنشاء منصة مشتركة بقيمة مليار دولار للاستثمار في مجال التكنولوجيا.
 - مذكرة تفاهم لاستثمار ما يصل إلى 100 مليون دولار في مشاريع للنقل في روسيا.
 - مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات.
 - مذكرة تفاهم بين وزارة التجارة والصناعة الروسية ووزارة التجارة والاستثمار السعودية.
 - مذكرة تفاهم للتعاون في مجال العمل والتنمية والحماية الاجتماعية.
 - برنامج تنفيذي للتعاون الثقافي بين روسيا والمملكة.
 - برنامج تعاون في المجالات الزراعية.
 - مذكرة برنامج تنفيذي للتعاون في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.
 - عقود لتوريد أنظمة عسكرية ومذكرة تفاهم لنقل وتوطين تقنية تلك الأنظمة في المملكة.
ونتيجة لذلك، تحققت كثير من الإنجازات في مسار علاقاتهما، وهو ما تدل عليه بعض المؤشرات المهمة، من أبرزها: تنفيذ صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي والصندوق السيادي السعودي مشروعات مشتركة في عدة مجالات بقيمة ملياري دولار، التعاون المكثف بين شركة الطاقة السعودية «أرامكو» وشركات روسية منها «غازبروم» و«نوفاتيك»، زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إذ شهد زيادة بنسبة 76 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري (2018) مقارنة بالعام المنصرم.
ومن الجدير بالإشارة أن التقارب بين البلدين لم يقتصر على المجالات السياسية والاقتصادية فحسب، بل حظى المجال الإعلامي باهتمامهما، هو ما تجلى في الزيارة التي قام بها وزير الإعلام السعودي عواد بن صالح العواد إلى موسكو في يوليو (تموز) الماضي (2018) ولقائه مع وزير الإعلام والاتصال الروسي كونستنتاين نوسكوف وعدد من المسؤولين في قطاع التلفزيون والإذاعة والصحافة والاتصال الحديث، لبحث أوجه التعاون بين البلدين وسبل تعزيز التواصل الإعلامي، وكذلك آليات استثمار وسائل الإعلام في نقل المحتوى الإعلامي لخدمة القضايا المشتركة، ومواجهة التحديات الإعلامية الراهنة.
 

 

ثالثاً: الرياض وموسكو... تقارب من أجل الجميع
كثيرا ما يثار التساؤل بشأن انعكاس التقارب السعودي الروسي على مسار العلاقات السعودية الأميركية والتي تتسم بطابع خاص منذ أربعينات القرن المنصرم، حيث يركز التساؤل حول أثر هذا التقارب على التحالف السعودي الأميركي، كما يمتد التساؤل بشأن أثره كذلك على مختلف الملفات الإقليمية والتي تشهد تباينا في مواقف البلدين (السعودية وروسيا) وتحديدا في الأزمة السورية والسياسة الإيرانية حيال تدخلاتها في شؤون الدول العربية. وهو أمر مردود عليه من وجهة نظر المملكة العربية السعودية وكذلك من وجهة نظر روسيا، إذ يرى البلدان أن علاقاتهما تقوم على إدراك كل منهما لأهمية علاقته بالآخر في ضوء المكانة التي يشغلها كل منهما دوليا وإقليميا كما سبق الإشارة، وكذلك في ظل تقاطع مصالحهما في كثير من القضايا والأزمات الراهنة، فضلا عن تفهم كل منهما لأولويات كل طرف وحدود تحركاته الخارجية بما يحافظ على أمنه القومي في ظل التهديدات المتزايدة التي تواجه كلا منهما.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن التقارب السعودي الروسي وإن كان يصب في المصلحة المباشرة لكل طرف منهما، إلا أنه يظل خطوة مهمة في مسار الحفاظ على مصالح الأطراف الأخرى المتعاونة مع كل منهما، إذ تُظهر مواقفهما مدى بعد نظر القيادة في البلدين حيال كثير من القضايا الدولية كالحرب على الإرهاب ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول، وكذلك حيال القضايا الإقليمية لكل منهما، فعلى سبيل المثال تتفهم موسكو الموقف السعودي من الأزمة اليمنية وضرورة عودة الشرعية واستعادتها والحفاظ على الوحدة اليمنية، الأمر ذاته في العراق وأهمية الحفاظ على استقرار ووحدة الدولة العراقية. الأمر ذاته يمتد إلى الموقف من سياسات طهران العدائية حيال دول المنطقة وتدخلاتها المستمرة سواء بشكل مباشر أو عبر أذرعها لزعزعة استقرار هذه الدول، حيث تدرك موسكو أن الموقف السعودي يأتي اعتبارًا من أنها خط الدفاع الأخير عن الأمن والاستقرار العربي في مواجهة تمدد المشروع الإيراني. في مقابل ذلك تتفهم الرياض المخاوف الروسية من انتقال الجماعات الإرهابية من المنطقة إلى الداخل الروسي، وذلك في ظل وقوع بعض العمليات الإرهابية خلال الأعوام الماضية في روسيا، وهو ما تعول عليه الرياض كثيرا في فهم موسكو وإدراكها لضرورة قمع النشاطات الإيرانية العدائية وارتباط ذلك بجميع خطط محاربة الإرهاب واستعادة استقرار المنطقة وأمنها.
ملخص القول إنه رغم ما وصلت إليه العلاقات السعودية الروسية من تطور ملحوظ خلال الأعوام الثلاثة الماضية منذ زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى موسكو عام 2015 وما تبعها من زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز عام 2017، فضلا الزيارات المتبادلة من كبار المسؤولين من البلدين، إضافة إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المملكة كما أعلن عنها مؤخرا خلال عام 2019. إلا أن حجم علاقاتهما ومجالاتها لا تزال دون المأمول في ظل الإمكانات التي يمتلكها كل طرف، وكذلك في ظل حجم التفاهمات المتبادلة بينهما، وهو ما يستوجب العمل على مسارين: الأول، الإسراع في تنفيذ جُل الاتفاقات الموقعة بين البلدين خلال هذه الزيارات. الثاني، العمل على تنوع مجالات تعاونهما بحيث لا يقتصر النصيب الأكبر منه على المجال النفطي فحسب، بل ثمة مجالات أخرى تعزز من مساحات التقارب بين البلدين، أبرزها المجالات الإعلامية والثقافية والتعليمية والبحثية، إذ من المهم أن يكون لمراكز البحوث والدراسات في البلدين نصيب وافر من الاهتمام لرفد صانعي القرار بالرؤى والأفكار التي من شأنها تعزيز تقاربهما من أجل مصلحة الطرفين بصفة خاصة ومصلحة الأمن والاستقرار العالمي والإقليمي على وجه العموم. وفي هذا الخصوص نأمل أن يُترجم اللقاء الحميم الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على هامش قمة العشرين والذي كان محط اهتمام الكثيرين، إلى سياسات عملية وخطوات تنفيذية تُسهم في تعزيز علاقات البلدين في ظل الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي إلى الرياض والتي من المتوقع أن تحمل مزيداً من التقارب والتفاهم بينهما بشأن كثير من القضايا والملفات الدولية والإقليمية.
 
 


اشترك في النقاش