لبنان مشروع حرب أهلية دائمة

* كل لبناني لا يعترض ولا يرفع الصوت ولا يقاوم «حزب الله» مسؤول بشكل أو بآخر عن الحرب الآتية لا محالة.

 
لا يدع لبنان مناسبة تمر من دون أن يبرهن لمحيطه أنه مشروع دولة فاشلة. سياسيون وإعلام ومجتمع يتبارون بالإسفاف والنذالة ويتلاعبون بمصير بعض الأبرياء الذين باتوا يبحثون عن بلد آخر يؤويهم. لا يضر هنا التعميم بخصوص الإعلام والسياسيين والمجتمع. فالسياسيون تابعون لجهات خارجية تمدهم بالمال الضروري لإرساء الزعامة، الذي بدوره يغذي جيوب المناصرين الذين يجندون الجمهور خلف «القائد»، هذا المال الآتي من الخارج يدعم الإعلام الذي لا بد سينتصر لمموله. حلقة عجيبة تتحكم فيها الطائفية بامتياز. والطائفية هنا درع يحتمي خلفها الفاسدون، تتخطى القانون وتطبيقه.
نعم التعميم بات ضروريا بشأن فساد الطبقة السياسية والإعلامية والاجتماعية. فالمجتمع الذي يقبل بأن تؤكل حقوقه البديهية من كهرباء وبنى تحتية للمواصلات وأمن غذائي... إلخ، وأن يدفع للدولة ضرائب من دون مقابل مع معرفته المسبقة أنها ستدخل جيوب المحظيين من الساسة، ويشاهد إعلاما كل همه إرضاء مموله مهما كانت نتائج أعماله، مجتمع يعرف كل هذا ويدرك كل هذا ولا يثور هو مجتمع أيضا فاسد.
أن ترى الشعب السوري رغم قمع النظام وإجرامه ينتفض على حكم الأسد الديكتاتوري بغض النظر عن نتيجة تلك الانتفاضة، أو الشعب الإيراني يطلق ثورة خضراء ويموت كثر من أجلها على يد الباسيج، ثم ترى الشعب اللبناني يرزح تحت نير عبودية الزعماء من دون أن يعترض فهذا أمر غريب، خاصة أن هذا الشعب يمنن العالم العربي تحديدا بثقافته وعلمه وتطوره. ولكنه على ما يبدو هو مجتمع استقال من مهامه وقبل بالواقع رغم مرارته. مجتمع مدجن وطائفي.
في الأيام الماضية القليلة قرر فجأة وئام وهاب أحد أزلام «حزب الله» أن يتهجم ليس فقط على سعد الحريري رئيس الحكومة المكلف، بل وعلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري أيضا. طبعا وهاب اتبع في شتم الحريريين أوامر مموليه الذين على ما يبدو مستعجلين تأليف الحكومة بشروطهم، ولكنه أفرط في الحماس وتخطى الحدود المعترف بها لبنانيا، وعاد واعتذر، وكاد هذا الأمر أن يشعل حربا صغيرة بين دروز الجاهلية التابعين «للزعيم» وهاب وسنة تيار المستقبل.
ليست مهمةٌ التفاصيل في هذا الحادث، المهم أن لبنان كاد أن يشتعل، وأنه يشبه الموقدة التي فيها جمر تحت الرماد. بدا لبنان الرسمي والشعبي ركيك البنية ومفكك الأوصال وطائفيا بامتياز كما دائما. وهاب احتمى وراء درزيته، فريق رفيق الحريري وراء سنيتهم، فيما بقي المسيحيون على قلة عديدهم متفرجين على ما يجري، فيما «حزب الله» يطفئ حريقا افتعله هو بنفسه من أجل دفع الرئيس الحريري إلى القبول بشروط توزير سني محسوب على محور الممانعة.
تعود العالم على أن يظهر لبنان بمظهر الدولة الضعيفة المنقسمة على ذاتها والطائفية وهذا ليس بالأمر الغريب على البلد. هذا تماما ما حصل عام 1969 حيث الدولة اللبنانية بكل عللها لم تنظم الوجود الفلسطيني، ووقعت اتفاقا أجاز لأبو عمار اللعب على الوتر الطائفي وضعف الدولة من أجل بلعها.
تماما كما يحدث اليوم مع إيران ومن خلال «حزب الله». الفرق الوحيد أن «حزب الله» ليس جسما غريبا كما الفلسطينيين، ما يعني أنه يمتلك مناعة أكبر من مناعة منظمة التحرير الفلسطينية.
ولكن ستبقى النتيجة نفسها، أي أن التخلص من سيطرة إيران على لبنان سيجلب حربا أهلية أخرى لا مفر منها.
يستطيع «حزب الله» أن يحكم لبنان كما يحلو لإيران وبالنيابة عنها ووفقا لأجندتها الإقليمية كما فعلوا من قبله الساسة اللبنانيون وفقا لأجندة سوريا، ولكن عندما يتواطأ معه اللبنانيون على مختلف انتماءاتهم الطائفية، وكل لغايات ومآرب خاصة ومصالح شخصية سيكونون مسؤولين عن خراب لبنان عندما يحين موعد التخلص من الحزب أو تدجين إيران.
نعم كل لبناني لا يعترض ولا يرفع الصوت ولا يقاوم «حزب الله» مسؤول بشكل أو بآخر عن الحرب الآتية لا محالة.