الاستثمار التعديني في «رؤية 2030»... قطاع اقتصادي واعد

«الشريان» الذي يغذي الصناعات الأساسية والتحويلية
* خادم الحرمين دشن مشروعات وعد الشمال الصناعية التي ستجعل المملكة ثاني أكبر دولة في العالم في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.
* وزير الطاقة السعودي: قيمة المخزون الجيولوجي المحتمل في المملكة يتجاوز تريليونا و300 مليار دولار... وتتركز معظم هذه الثروات في منطقة الدرع العربية.
* استهدفت رؤية 2030 النهوض بالقطاع التعديني الذي لا تزال مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي دون المأمول.
* تسعى السعودية من خلال المشروعات التعدينية لتصبح من بين الدول العشر الأولى في إنتاج الألومنيوم، ومضاعفة إنتاجها من الذهب ومعادن الأساس إلى 10 أضعاف إنتاجها الحالي.
* تنطلق رؤية 2030 من ضرورة العمل على التخفيف من الاعتماد على النفط، من خلال تنويع الموارد الاقتصادية غير النفطية.

باكو - أذربيجان:«إن المملكة تمتلك المقومات بما حبا الله أراضيها من تنوع جيولوجي فريد، ووفرة في مواردها المعدنية الغنية بالمواد الأولية، إذ تشير الدراسات إلى أن قيمة المخزون الجيولوجي المحتمل في المملكة يتجاوز تريليونا و300 مليار دولار، حيث تتركز معظم هذه الثروات في منطقة الدرع العربية التي تبلغ مساحتها 630 ألف كم مربع». 
بهذه الكلمات المهمة، أعلن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، في كلمته أمام المؤتمر العربي الدولي للثروة المعدنية في دورته الخامسة عشرة المنعقدة بالقاهرة خلال الفترة من 26 - 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. عما تمتلكه المملكة من ثروات معدنية تنبئ بفرص استثمارية واعدة في قطاع يستهدف أن يكون الركيزة الثالثة للاقتصاد السعودي إلى جانب النفط والبتروكيماويات وفقا لرؤية 2030 التي تنطلق من ضرورة العمل على التخفيف من الاعتماد على النفط، من خلال تنويع الموارد الاقتصادية غير النفطية، ويمثل قطاع التعدين أبرز القطاعات الاقتصادية الواعدة لتحقيق قيمة اقتصادية مضافة للمملكة.
في ضوء ذلك يتناول هذا التقرير مستقبل الاستثمار التعديني في المملكة في ضوء رؤية 2030 من خلال ثلاثة محاور، هي:


 
الأول: قطاع التعدين في رؤية المملكة 2030
أكدت الدراسات التي أُجريت على الثروات المعدنية في المملكة، والتي تم استخلاصها من الأبحاث الجيولوجية والتعدينية، على وجود فرص تعدينية واعدة، وخاصة في منطقة صخور الدرع العربية النارية، والمتحولة، والغطاء الرسوبي التي تمثل باقي مساحة المملكة، والتي تعرف أيضا بالرف الرسوبي العربي، حيث أثبتت هذه الدراسات على صخور الدرع العربية بأنها تحتوي على احتياطي هائل من أحجار الزينة، من صخور الشيست، والنيس، والجرانيت، والجابرو مع احتمالات وجود الحديد والنحاس. كما أن صخور الدرع البلوتونية تحتوي على نسبة من المانغنيز والكروم والنيكل. أما صخور الدرع الفلسية، فهي مصدر لليورانيوم والمواد المشعة. ويحتوي الغطاء الرسوبي على مصادر لافلزية ذات أهمية اقتصادية مثل الفوسفورايت ومعادن الألومنيوم والزنك والحجر الجيري. كما أن منطقة الربع الخالي تعد مصدرا هائلا للرمال النقية، والمتبخرات، والأملاح.
ومن هذا المنطلق، استهدفت رؤية 2030 النهوض بهذا القطاع التعديني الذي لا تزال مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي دون المأمول، إذ لا تتجاوز وفقا لأعلى التقديرات 2.5 في المائة، وأن المكتشف منها لا يتجاوز 50 في المائة مما هو موجود في باطن الأرض. ولذا، في ضوء هذه المقومات الكثيرة التي حبى الله بها المملكة، ثمة فرص مستقبلية واعدة لهذا القطاع الذي يمكنه أن يُسهم بصورة كبيرة في تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاقتصاد الوطني؛ فضلاً عن دعم الأهداف المتعلقة بتطوير الصناعة المحلية، من خلال تقديم المواد الخام المحلية الأساسية التي تشكل القاعدة لأي اقتصاد صناعي متقدم.
وعليه، تستهدف رؤية 2030 رفع الناتج المحلي من قطاع التعدين من 64 مليار ريال في 2016، إلى 97 مليارا بحلول 2020. وزيادة عدد الفرص الوظيفية من 65 ألف موظف حتى 90 ألف موظف في 2020، وفق برامج التحول الوطني، مع العمل على رفع نسبة مشاركة قطاع التعدين في الناتج المحلي الوطني لتتجاوز 5 في المائة، من خلال تكثيف أعمال الكشف عن المعادن، بفتح المجال أمام المستثمرين المحليين والأجانب لدخول المجال للتنقيب عن المعادن.


 
ثانيًا: القطاع التعديني في المملكة... قراءة في الإحصاءات
في ضوء تلك الأهمية التي يحظى بها القطاع التعديني في رؤية المملكة 2030، سعت وزارة الطاقة السعودية إلى العمل على تطوير هذا القطاع من خلال تنفيذ استراتيجية شاملة، محددة الأهداف والسياسات، تتضمن كثير من المبادرات الهادفة إلى إعادة هيكلة القطاع، والعمل على زيادة القيمة المضافة للمعادن، وتنمية المناطق الأقل نموًا، وذلك بهدف: «استثمار ثرواتها المعدنية وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بها لكي تصبح عنصرًا جوهريًا على خريطة التعدين والصناعات التعدينية العالمية»، وذلك على حد قول وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، الذي أكد على أن «خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز دشن مشروعات وعد الشمال الصناعية التي ستجعل المملكة ثاني أكبر دولة في العالم في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية بعد الصين... وأن المملكة تسعى من خلال المشروعات التعدينية لتصبح من بين الدول العشر الأولى في إنتاج الألومنيوم، ومضاعفة إنتاجها من الذهب ومعادن الأساس إلى 10 أضعاف إنتاجها الحالي، من خلال توفير المحفزات وبناء البيئة الاستثمارية الآمنة لتجذب المستثمرين إلى قطاع التعدين في المملكة».
ومن الجدير بالذكر أن المملكة كانت قد دشنت في عام 1997 شركة التعدين العربية السعودية المعروفة اختصارا بشركة «معادن» كشركة مساهمة سعودية لها شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة، حيث كانت الشركة مملوكة بالكامل للدولة قبل طرح 50 في المائة من أسهمها في عام 2008م للاكتتاب العام في سوق الأسهم السعودية (تداول). وتعد هذه الشركة إحدى الشركات السعودية الرئيسية لتنمية قطاعات التعدين في المملكة، حيث تملك منجم مهد الذهب ومنجم الصخيبرات، ورخص تعدين الفوسفات وغيره، ورخص الكشف عن كثير من المعادن النفيسة والمعادن الأساسية.

ولدى شركة معادن في هذه الآونة ثلاثة مشاريع عملاقة، ليس على مستوى المملكة فحسب، ولكن على المستوى العالمي، وهي:

  1. الأول، إنشاء مجمع للأسمدة الفوسفاتية في العالم في حزم الجلاميد شمال المملكة ونقله إلى مدينة رأس الخير الصناعية على الخليج العربي، وذلك لتصنيع وإنتاج أسمدة فوسفاتية.​​وقد بدأ العمل فيه.
  2. الثاني، إنشاء أضخم مجمع متكامل للألومنيوم في العالم، من المنجم إلى مجالات التصنيع النهائية، والتي تشمل منتجات عالية التقنية والجودة، مثل صناعة أجزاء السيارات، والتغليف، والتشييد، والبناء. وقد بدأ العمل فيه أيضًا.
  3. الثالث، مشروع الملك عبد الله لتطوير مدينة وعد الشمال للصناعات الفوسفاتية، بما في ذلك إنشاء البنية التحتية للمدينة الجديدة في شمال المملكة بكامل خدماتها وأعمالها الصناعية.

وتم تصميم هذه المشاريع الثلاثة من أجل الدخول في جميع العمليات اللاحقة، في الفوسفات والبوكسايت، وتنمية مناطق جديدة في المملكة، مستفيدين من المزايا النسبية المتعددة، مثل توفر الطاقة، والكبريت، والموقع المناسب، مع تدريب الشباب السعودي للعمل في هذه المشاريع، وإعطاء القطاع الخاص السعودي فرصًا أكبر في الدخول في الصناعات التكميلية.
ولعل من أهم مشاريع الصناعات التعدينية، والتي لها علاقة طبيعية بالبترول والطاقة، هو مجمع رأس الخير على الخليج العربي، الذي أدى إلى إنشاء مدينة صناعية جديدة في المملكة، ستكون واحدة من أهم المجمعات الصناعية في المملكة. وهذا المجمع، الذي يبدأ من أقصى شمال المملكة لنقل ثروات الفوسفات والبوكسايت من الشمال، عبر قطار سريع، ينتهي بإنتاج الأسمدة والألومنيوم في هذا المجمع، مع التركيز كذلك على الصناعات الثانوية المرتبطة بها، بحيث تصبح المملكة واحدة من أهم الدول المنتجة والمصدرة للأسمدة في العالم.​​

وتكشف الإحصاءات الواردة في النشرة الإحصائية للربع الأول من عام 2018 والصادرة عن المركز الوطني للمعلومات الصناعية بالمملكة العربية السعودية، عن واقع الاستثمار التعديني في المملكة من خلال الكشف عن نسبة المصانع العاملة في صناعة التعدين، وكذلك حجم العمالة في هذا القطاع إضافة إلى حجم رأس المال المستثمر، وذلك على النحو الآتي:

  1. بلغت نسبة عدد المصانع العاملة في مجال المعادن (اللافلزية21.6  في المائة والمشكلة 13.1 في المائة) بإجمالي = 34.7 في المائة. ​               
  2. بلغت نسبة عدد العاملين في مجال المعادن (اللافلزية19.2  في المائة والمشكلة 10 في المائة) بإجمالي = 29.2 في المائة.                         
  3. بلغت نسبة رأس المال المستثمر في مجال المعادن = 16.7 في المائة.                                                                                  

 
ثالثاً: قطاع التعدين السعودي ورؤى التطوير
غني عن القول إن الأهمية التي يشغلها القطاع التعديني في رفد الاقتصاد السعودي بعوائد تعزز من قوته وتزيد من كفاءته، كونه الشريان الذي يغذي الصناعات الأساسية والتحويلية والتي تدخل منتجاتها في جميع المستلزمات والمنتجات الحياتية، لا يعني أن الطريق أمام تطوير هذا القطاع والارتقاء بدوره سهلا أو ميسرا، وإنما يواجه بكثير من التحديات والصعوبات، منها على سبيل المثال:

  • كبر مساحة المملكة التي تتجاوز مليوني كيلومتر تمثل 70 في المائة من مساحة شبه الجزيرة العربية.
  • محدودية البنية التحتية التي لا تفي باحتياجات جميع المكامن التي تقع في المناطق النائية والبعيدة.
  • طول الفترة ما بين عمليات الاستكشاف والإنتاج والتي قد تصل إلى مدة لا تقل عن 10 سنوات.
  • عدم توافر الكفاءات البشرية المؤهلة للعمل في هذا القطاع.

ومن ثم، أضحت هناك حاجة ماسة نحو العمل على تذليل هذه الصعوبات ومواجهتها، وهو ما يتطلب الإسراع فيما اتخذته وزارة الطاقة السعودية من خطوات جادة في هذا الخصوص، ومنها على سبيل المثال ما يأتي:

  • إدخال إصلاحات هيكلية في صناعة التعدين من خلال إطلاق المبادرات والشراكات ومراجعة أنظمة التراخيص والاستثمار والتمويل بما يتناسب وطبيعة هذه الصناعة.
  • إيجاد البيئة الاستثمارية الملائمة لنمو هذا القطاع وتوسعة دوره، وذلك من خلال وضع أنظمة إدارية وسياسات تخطيطية تضمن التنافسية وتراكم رأس المال.
  • استكمال مشروعات خطوط السكك الحديدية يربط بين مواقع المعادن في شمال المملكة ومواقع الإنتاج والتصدير، حيث يمثل ذلك خطوة رئيسية في سبيل ازدهار الحركة الصناعية التعدينية وتطوير الصناعات الإنتاجية والتحويلية والخدمات المصاحبة لها وإدخال صناعة جديدة تتكامل مع الصناعات القائمة.
  • تنمية المناطق النائية من خلال إقامة الصناعات التعدينية بالقرب من مصادرها.
  • استكمال إنشاء المدن الصناعية التعدينية المتخصصة على غرار «وعد الشمال»، والتي تعد في الأساس مدينة تعدينية متكاملة.
  • تطوير قدرات الكوادر البشرية العاملة في هذا القطاع، من خلال تأسيس مراكز التميز لتدريب وتأهيل السعوديين في هذا المجال.
  • تعزيز التكامل العربي الاقتصادي في قطاع التعدين، وذلك من خلال تنسيق الجهود وتبادل الخبرات.
  • استكمال تنفيذ الاستراتيجية الشاملة لقطاع التعدين التي أطلقتها وزارة الطاقة في منتصف عام 2017. تلك الاستراتيجية التي تتضمن كثيراً من المبادرات السابق الإشارة إلى بعضها، ومنها: مبادرة «تطوير مدينة وعد الشمال المتجددة»، ومبادرة «المشروعات التعدينية في منطقة رأس الخير»، والتي تضم مشروعاتٍ تصل كلفتها إلى 130 مليار ريال (34.6 مليار دولار)، ويتوقع أن تضيف 35 مليار ريال (9.3 مليار دولار) للناتج المحلي. فضلا عن مبادرة «بناء مراكز لإنتاج الذهب في المنطقتين الوسطى والشمالية»، التي تهدف لتقديم قيمة مضافة للاقتصاد المحلي، والدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقتين.

اشترك في النقاش