فرصة لتعزيز النمو في الشرق الأوسط

التحول من اقتصاد النفط إلى النمو الاحتوائي
·             رفع معدل الالتحاق بالمدارس في البلدان المستوردة للنفط يرفع الاستثمار الخاص 1 %.
·             كل دولار من موارد الحكومة يتم تحويله من دعم الطاقة إلى الاستثمار يرفع النمو 2 %.
·             تحسينات البنية التحتية تحقق زيادة في الاستثمار ثلاثة أرباع نقطة مئوية إضافية.
·             زيادة التطور المالي في البلدان المستوردة للنفط يعزز الاستثمار الخاص نصف نقطة مئوية.
·             البلدان المصدرة للنفط تحصل إيرادات ضريبية غير نفطية أقل من 10 %.. بينما الأسواق الصاعدة تحصل 20 % من إجمالي الناتج المحلي.

القاهرة: آفاق غامضة للاقتصاد العالمي في ظل استمرار النزاع التجاري الصيني الأميركي، والارتفاع المستمر في أسعار الفائدة الأميركية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وينتظر المستثمرون مؤشرات على أسعار الفائدة الأميركية في المستقبل، وتوقعات بمزيد من العقوبات الأميركية على الصين.
وقال دانييل هاينس، المحلل في «إيه إن زد»، إن المستثمرين لن يحركوا ساكنا لحين صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) واتضاح الرؤية أكثر بشأن النزاع التجاري العالمي قبيل قمة العشرين، وتقلبات أسعار النفط في الفترة الأخيرة.
لكن أمام دول منطقة الشرق الأوسط فرصة لتعزيز النمو من خلال التعجيل بإجراء إصلاحات جريئة، إذا ما أرادت أن تحقق النمو الاحتوائي اليوم ولصالح الأجيال القادمة، فالحاجة لاتخاذ إجراءات على مستوى السياسات أصبحت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأصبح صناع السياسات بحاجة للتركيز على الإصلاحات التي تساعد بلدانهم على اللحاق بركب نظرائها في مجالات التعليم والبنية التحتية والتطور المالي والحوكمة. ومن شأن هذه الإصلاحات المساعدة في موازنة أثر التيارات المعاكسة الناجمة عن المؤثرات العالمية خارج نطاق سيطرة صناع السياسات، لتعزيز الصلابة الاقتصادية وتحديد المسار نحو تحقيق نمو أعلى وأكثر احتواء لمختلف شرائح المجتمع في المستقبل.


 
الاستثمار الخاص
لقد ظل استثمار القطاع الخاص منخفضا بالمقاييس التاريخية في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقارنة بمعظم اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الأخرى. وتفاقم هذا الاتجاه العام في السنوات الأخيرة. ففي نصف بلدان المنطقة، انخفضت نسبة الاستثمار الخاص إلى إجمالي الناتج المحلي منذ «الانتفاضة العربية» في 2011. مقارنة بالفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2008- 2009. وكان لهذا التراجع أثر عميق على سلامة الاقتصاد في المنطقة، الأمر الذي تحول إلى خسارة سنوية في النمو بمتوسط قدره 1.5 نقطة مئوية في البلدان المصدرة للنفط وما يقرب من نقطة مئوية واحدة في البلدان المستوردة للنفط.
ووسط تزايد المخاطر التي تكتنف آفاق الاقتصاد العالمي، واستمرار الابتكار التكنولوجي الذي يبشر بتغيير الطبيعة التي دأب عليها العمل، يتعين على بلدان المنطقة التعجيل بإجراء إصلاحات جريئة، إذا ما أرادت أن تحقق النمو الاحتوائي اليوم ولصالح الأجيال القادمة.
وهناك بعض العوامل التي تعزز الاستثمار الخاص، مثل نمو أسواق التصدير وتطور أسعار النفط، لا تخضع لسيطرة صانعي السياسات في المنطقة. لكن هناك عوامل أخرى لها تأثير ملحوظ على الاستثمار الخاص، ومنها التعليم والبنية التحتية والحوكمة وإمكانية الحصول على التمويل، وجميعها مجالات بإمكان بلدان المنطقة تحسينها، ويمكن أن تتأثر مباشرة باختيارات السياسات.
فعلى سبيل المثال، يزيد معدل الالتحاق بالمدارس في البلدان المستوردة للنفط قليلا على 50 في المائة بالنسبة للتعليم الثانوي، وهو أقل كثيرا من المتوسط في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الذي يصل إلى 75 في المائة. فإذا تمكنت البلدان المستوردة للنفط في المنطقة من رفع معدلات الالتحاق بالمدارس إلى هذا المستوى، سيكون بوسعها تعزيز الاستثمار الخاص بأكثر من نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي.
فالاستثمار في الموارد البشرية عن طريق توسيع الفرص التعليمية يمكن أن يساهم أيضا في زيادة قدرة البلدان على مواجهة تحديات المستقبل، خاصة وقد أصبحت التكنولوجيا سريعة التطور أكثر تضافرا مع وظائف الغد.
 
البنية التحتية
تمثل تحسينات البنية التحتية حاجة ملحة أخرى. فيمكن من خلال ضمان توافر الكهرباء للجميع تحقيق زيادة في الاستثمار بواقع ثلاثة أرباع نقطة مئوية إضافية.
وتأتي البلدان المستوردة للنفط في مراكز متأخرة عن نظرائها في مختلف مقاييس الحوكمة، من مكافحة الفساد إلى سيادة القانون. ومن شأن النهوض بسيادة القانون وصولا إلى المتوسط السائد في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، أن يحقق زيادة في الاستثمار الخاص بواقع ثُلثي نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي. وبالتوازي، نجد أن زيادة التطور المالي في البلدان المستوردة للنفط في المنطقة وصولا إلى المستوى السائد في أوروبا الصاعدة يمكن أن يعزز الاستثمار الخاص بواقع نصف نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي.
ولا يقتصر هذا التحدي على بلدان المنطقة المستوردة للنفط، فالبلدان الأغنى المصدرة للنفط متأخرة أيضا عن ركب نظرائها من الاقتصادات المتقدمة في مختلف مقاييس الحوكمة والتطور المالي. وعلى وجه التحديد، مع زيادة التطور المالي لبلوغ المستوى المسجل في متوسط الاقتصادات المتقدمة يمكن تحقيق زيادة في الاستثمار الخاص بنحو نقطتين مئويتين من إجمالي الناتج المحلي.


 
المالية العامة
يمكن لإصلاحات مالية عامة جيدة التصميم أن تساعد صناع السياسات على تخفيض الدين مع الحفاظ على النمو وحماية أضعف شرائح المجتمع.
فمع زيادة ضيق الأوضاع المالية العالمية، أصبح تخفيض عجز الموازنات والديون أكثر إلحاحًا في بلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ويتعين اتخاذ إجراء عاجل لمواجهة الديون التي تراكمت في السنوات الأخيرة، والذي يتجاوز الآن 50 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في قرابة نصف بلدان المنطقة. وإذا لم تنتبه الحكومات لهذا النداء، فستضطر إلى إنفاق نسب متزايدة من ميزانياتها العامة على مدفوعات الفائدة والسداد الجزئي لديونها المستحقة، بدلاً من إنفاقها على الاستثمارات الضرورية في رأس المال المادي والبشري التي من شأنها دعم النمو.
 
استيعاب البطالة
في نفس الوقت، وإزاء الزيادة السريعة في القوى العاملة وارتفاع معدلات البطالة، وخاصة بين الشباب والنساء، تحتاج المنطقة إلى نمو أعلى وأكثر شمولاً للجميع. ويبدو استيعاب 5 ملايين عامل سنويًا في الفترة القادمة بمثابة تحدٍ جسيم أمام منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نظرًا للبطالة الحالية التي تطال شابًا من بين كل خمسة شباب.
وغالبًا ما يُتوقع أن تؤدي إجراءات تخفيض عجز الميزانية إلى كبح النمو. غير أن هناك مناهج للسياسات تستطيع البلدان استخدامها لمعالجة هذين التحديين بصورة فعالة، وحين تقوم الحكومات بتخفيض النفقات أو زيادة الضرائب، يُخشى أن يقع الضرر على أضعف شرائح المجتمع. ولضمان أن تكون سياسة المالية العامة مرشدًا للاقتصاد نحو حلقة إيجابية من التحسن المتعاقب في النمو والعدالة، ينبغي تصميم إصلاحات الميزانية بدقة حتى تحقق الحماية للفقراء. ذلك أن انتشال الناس من الفقر يؤدي بالفعل إلى تعزيز إنتاجيتهم، وزيادة قدرتهم على الإنفاق، والحد من الجريمة والصراع، ومن ثم زيادة النمو الاقتصادي الممكن على المدى الطويل. وبالتالي، نجد أن هناك رابطة وثيقة بين مفهومي النمو والعدالة.


 
زيادة الإيرادات
توضح التجربة أن النمو والعدالة يتأثران بطريقة خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات، بينما يتفاوت الكم المطلوب لإبقاء الدين في حدود يمكن تحملها. فالبلدان التي خفضت العجز وتمكنت في نفس الوقت من الحفاظ على الاستثمار العام حققت نموا أعلى وتوزيعًا أكثر عدالة للدخل. والحكومات التي أجرت إصلاحات في الدعم والأجور العامة وأعطت أولوية للإنفاق الاجتماعي (على التعليم والرعاية الصحية وشبكات الأمان الاجتماعي) حققت نموًا أعلى على المدى الطويل ودرجة أكبر من العدالة في توزيع الدخل.
وقد أوضحت الدراسات التي تناولت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أن كل دولار من موارد الحكومة يتم تحويله من دعم الطاقة إلى الاستثمار المنتج يرفع النمو بمقدار 2 في المائة إضافية على المدى الطويل. وعلاوة على ذلك، فإن الحكومات التي اعتمدت مزيجًا من إجراءات خفض الإنفاق وإصلاحات المالية العامة الأوسع نطاقًا لزيادة التحصيل الضريبي حققت مكاسب أكثر استدامة مما حققته الحكومات التي استخدمت إجراءات في جانب واحد.
على مدار الثلاث سنوات الماضية، اعتمدت معظم البلدان في «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان والقوقاز وآسيا الوسطى» مزيجًا من الإجراءات الخافضة للإنفاق والمعززة للإيرادات، مما أدى إلى انخفاض العجز، لكن هذه الإصلاحات لم تكن دائمًا مواتية للنمو.
فعلى سبيل المثال، تمكنت بلدان مصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل البحرين وإيران، من حماية الإنفاق الرأسمالي وإصلاح الدعم إلى حد كبير. غير أن هذه البلدان لم تتمكن من زيادة التحصيل الضريبي بالقدر الكافي، مما هدد استمرارية المكاسب المحققة.
وفي نفس الوقت، تمكنت بلدان مستوردة للنفط مثل تونس، من تعبئة الإيرادات الضريبية، ولكن هذه المكاسب زال بعض تأثيرها مع الارتفاع المقابل للدعم بسبب ارتفاع أسعار النفط وعدم استكمال إصلاحات الدعم المقررة. وبالإضافة إلى ذلك، ورغم الفجوات الكبيرة، تلقى الإنفاق على البنية التحتية ضربة كبيرة في البلدان المستوردة للنفط مثل جيبوتي وموريتانيا.
وهناك حاجة لزيادة الإيرادات الضريبية وخاصة البلدان المصدرة للنفط، نظرًا لتأخر المنطقة في هذا الصدد عن نظرائها من بلدان الأسواق الصاعدة. فالبلدان المصدرة للنفط تحصل إيرادات ضريبية غير نفطية تبلغ أقل من 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، أي أقل من نصف متوسط الأسواق الصاعدة الذي يبلغ قرابة 20 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وهناك مجال أمام البلدان لتخفيض الإعفاءات السخية من ضرائب الشركات، كما في الأردن، والتي تعطي أفضلية لمؤسسات الأعمال الكبيرة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ وجعل النظم الضريبية أكثر تصاعدية (في الأردن وإيران، مثلاً)؛ وتوسيع القاعدة الضريبية، وهو ما يشمل البحرين ومصر. وبإمكان الحكومات أن تركز أيضًا على تحقيق توزيع أكثر عدالة للعبء الضريبي، بما في ذلك زيادة الضرائب على الثروة – كالعقارات والتركات والكسب الرأسمالي والأرباح الموزعة والفوائد – مع القيام تدريجيًا بتطبيق ضريبة على الدخل الشخصي بدلاً من رسوم الخدمات والدمغة التنازلية المكلفة.


 
فاتورة الأجور
من ناحية الإنفاق، ينبغي على صناع السياسات أن يحتسبوا في الميزانية قيمة الزيادة المرجحة في تكاليف خدمة الدين وأن يعملوا على تحسين جودة الإنفاق. وفي نفس الوقت، يتعين اتخاذ إجراءات لزيادة الاستثمارات في رأس المال المادي والبشري، أو على الأقل الحفاظ على الموجود منها. ويعني هذا ضرورة تكثيف الجهود لتخفيض فاتورة الأجور العامة في بلدان مثل الجزائر والكويت وتونس. ومع استكمال إصلاح الدعم والتحويلات اللذين يتسببان في إهدار الموارد وتوجيهها للأغنياء أكثر من الفقراء، ستتمكن الحكومات من زيادة الإنفاق الاجتماعي الذي يقتصر في المنطقة على ثلث متوسط الأسواق الصاعدة.
وبالنسبة لبلدان القوقاز وآسيا الوسطى، هناك مجال لتحسين إجراءات المشتريات العامة والإشراف على المؤسسات المملوكة للدولة من أجل الحفاظ على موارد الميزانية والحد من المخاطر على المالية العامة. وعلى جانب الإيرادات، هناك مجال لزيادة مساهمة ضرائب الشركات في الإيرادات لكي تصبح أكثر اتساقًا مع الإيرادات التي تحصل من ضرائب الدخل الشخصي.
 
شفافية الحكومات
بالنسبة لكل البلدان، ولضمان ترجمة الإنفاق على البنية التحتية إلى نمو احتوائي، ينبغي توجيه اهتمام كبير لإطار إدارة الاستثمارات العامة، بما في ذلك تقييم المشروعات واختيارها وتقييم نتائجها. ومع زيادة شفافية الحكومة ومساءلتها، يمكن تقليص فرص الفساد واختلاس الأموال العامة والمساعدة في زيادة الإيرادات الضريبية. ومن شأن تحسين النظرة السائدة لمدى مساءلة الحكومة أن تؤدي إلى خفض تكلفة الاقتراض على المستوى السيادي ومستوى القطاع الخاص، مما يحقق زيادة أكبر في الاستثمار والنمو.
 

الحسابات الخارجية
سوف تشهد البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان تحسنا واضحا في أرصدة حساباتها الخارجية والمالية العامة في 2018-2019 في ظل ارتفاع أسعار النفط. وبوجه عام، رغم أن الآفاق المستقبلية لإيران أضعف بكثير في ضوء إعادة فرض العقوبات عليها، فمن المتوقع أن يبلغ معدل النمو في البلدان المصدرة للنفط 1.4 في المائة في عام 2018 و2 في المائة في عام 2019. وعقب الانكماش الذي شهدته دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2017. من المتوقع أن يتعافى النمو مسجلا 2.4 في المائة في عام 2018 و3 في المائة في عام 2019. ويساعد على ذلك تعافي النشاط غير النفطي، مدعوما بتباطؤ وتيرة الضبط المالي وارتفاع إنتاج النفط.
ومن المتوقع أن يستمر النمو بمعدل متواضع في البلدان المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان مسجلا 4.5 في المائة في عام 2018. قبل أن ينخفض مرة أخرى إلى 4 في المائة في عام 2019. لكن النمو غير متوازن، حيث يُتوقع أن يقل النمو عن 5 في المائة على المدى المتوسط في نحو ثلاثة أرباع البلدان المستوردة للنفط، وهو معدل منخفض جدا لا يسمح بالتصدي للتحديات على صعيد العمالة وسد احتياجات التنمية في المنطقة. كذلك أدى ارتفاع أسعار النفط إلى محايدة أثر بعض التحسينات الأساسية في حساباتها الخارجية والمالية العامة.
 
مخاطر
هناك مخاطر متعددة ومتشابكة تخيم على الآفاق الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، منها تشديد الأوضاع المالية العالمية بسرعة تفوق التوقعات، وتصاعد التوترات التجارية التي يمكن أن تؤثر على النمو العالمي وتضر بالشركاء التجاريين الرئيسيين في المنطقة، والضغوط الجغرافية - السياسية، وانتشار تداعيات الصراعات الإقليمية. وقد تسفر هذه المخاطر عن تدهور المزاج العام السائد في الأسواق المالية وزيادة تقلبات هذه الأسواق، مما يؤدي إلى تفاقم تحديات التمويل أمام البلدان ذات مستويات الدين المرتفعة أو احتياجات إعادة التمويل الكبيرة.
وقد تشكل أجواء عدم اليقين السياسي والتوترات الاجتماعية تحديا أمام تنفيذ جدول أعمال الإصلاحات في بعض البلدان. وبالإضافة إلى ذلك، هناك قدر كبير من عدم اليقين المحيط بآفاق أسعار النفط. وإذا استمر ارتفاع هذه الأسعار، فقد يضعف ذلك من عزيمة البلدان المصدرة للنفط على مواصلة الإصلاحات، ويؤدي إلى تفاقم الضغوط على البلدان المستوردة للنفط.


 
مزيد من الإصلاحات
يجب أن تلتزم بلدان المنطقة بإجراء مزيد من الإصلاحات حتى تتمكن من تعزيز صلابتها في مواجهة هذه المخاطر وبناء مستقبل يتقاسم فيه الجميع منافع النمو. وأن تكون أسعار الصرف المرنة بمثابة هوامش وقائية في حالة التعرض لضغوط خارجية. واتخاذ تدابير إضافية لتصحيح أوضاع المالية العامة في جميع أنحاء المنطقة من أجل بناء وتعزيز الهوامش الوقائية، وحماية الاستمرارية، وتحقيق درجة أعلى من العدالة بين الأجيال. وفي الوقت نفسه، هناك المزيد مما يمكن أن تقوم به البلدان لضمان اتسام سياساتها المالية العامة بالإنصاف وأن تكون أكثر دعما للنمو.
وتؤكد الآفاق الاقتصادية والمخاطر المتزايدة ضرورة تكثيف الجهود لزيادة النمو إلى مستويات توفر الوظائف الكافية بما يحقق صالح الجميع. وفي هذا السياق، يجب أن تعمل بلدان المنطقة على زيادة فرص الحصول على التمويل، وتعزيز الحوكمة، وتحسين محصلة التعليم، وزيادة مرونة أسواق العمل، ولا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي.
وحتى تضمن البلدان أن إجراءات التصحيح المالي في المستقبل ستكون منصفة وداعمة للنمو قدر الإمكان، عليها أن توجه أولويات الإنفاق نحو الاستثمارات عالية الجودة والداعمة للنمو في مجالات رأس المال البشري والبنية التحتية المادية، مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي الموجه بدقة لمستحقيه، والانتقال إلى هيكل ضريبي أكثر تصاعدية، وتنويع قاعدة الإيرادات، وإزالة التشوهات.
فتعزيز خلق فرص العمل ودعم النمو الاحتوائي يستلزمان وجود قطاع خاص ديناميكي يدعمه استثمار خاص قوي. غير أن الاستثمار الخاص في المنطقة منخفض مقارنة بمستواه في المناطق المناظرة.
 
النشاط غير النفطي
من المتوقع استمرار تعافي النشاط غير النفطي، مدعوما بتباطؤ وتيرة الضبط المالي، مع ارتفاع الإنتاج النفطي في البلدان التي تتوافر فيها طاقة زائدة بالفعل. ولا يزال ميزان المخاطر يميل إلى جانب التطورات السلبية على المدى المتوسط. وتتضمن هذه التطورات تشديد الأوضاع المالية العالمية بوتيرة أسرع من المتوقع، وتفاقم التوترات التجارية التي من شأنها التأثير على النمو العالمي وفرض ضغوط خافضة على أسعار النفط، كما تتضمن أيضا التوترات الجغرافية - السياسية والتداعيات الناجمة عن الصراعات الإقليمية.
وبينما قد توجد أسباب تبرر تباطؤ وتيرة جهود الضبط المالي على المدى القصير، يجب استمرار هذه الجهود على المدى المتوسط. وسوف يتيح ذلك للبلدان التخفيف من التأثير المحتمل للصدمات، كما سيضمن استخدام الإيرادات الهيدروكربونية على نحو قابل للاستمرار. ومن شأن استمرار الإصلاحات الهيكلية تيسير تنمية القطاع الخاص، وتعزيز صلابة الاقتصاد على المدى الطويل. وقد يؤدي التأخير في تنفيذ جدول أعمال الإصلاحات الهيكلية إلى إعاقة الجهود الهادفة إلى تنويع الاقتصاد وجعله أكثر احتواء للجميع.
 


اشترك في النقاش