دراسة ترصد تحولات القوة الناعمة في مصر

صدرت عن هيئة الكتاب وتطرقت لفترات الصعود والهبوط

 

* هناك حقائق تاريخية ليست محل خلاف، مثل «أزمة الليبرالية» المصرية في علاقتها بالقوى الناعمة، وبأفكار التجديد في الفكر والفن.
* أصيب العمل العربي بتصدع مفزع عقب اجتياح صدام حسين للكويت، والغزو الأميركي للعراق.

 
القاهرة: «قوة مصر الناعمة.. البدايات والمكونات»، دراسة صادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، للكاتب الصحافي محمود دوير، حول بدايات تشكيل قوة مصر الناعمة ومكوناتها المتعددة والمتشابكة منذ قرن أو أكثر من الزمان، حيث رصدت مراحل كثيرة في مسار تكوين قواها من بداية النشأة، مروراً بمرحلة التوهج والقوة، إلى مرحلة التراجع والتردي والضعف. في كل تلك المراحل كانت السياسة عاملا رئيسياً فيها... ودرجة تأثيرها وامتلاك مشروع وطني شامل.
تتضمن الدراسة عدة أبواب تتناول بدايات التكوين والإرهاصات في العصر الحديث. ويكشف أحد الأبواب الدور الوطني للشيخ سيد درويش والشاعر بديع خيري ثم يتناول بدايات المسرح وتأثيره في باب يحمل عنوان أبو الفنون حاضرًا، ثم يأتي دور السينما كأحد مكونات القوى الناعمة في باب «السينما.. كلاكيت أول مرة» يليه أزمة الهوية التي تميزت بها مرحلة النصف الأول من القرن العشرين وما صحبها من معارك فكرية وسياسية في باب يحمل عنوان «جدل الهوية ومعاركها».
 
محاولة غزِل نسيج مصري عربي
وأشارت الدراسة في مقدمتها إلى محاولة غزل نسيج مصري عربي يجمع السياسي بالفني، والفكري بالاجتماعي، والأدبي بالوضع الإقليمي والدولي، نسيجًا يلملم تفاصيل الحياة منذ قرن أو أكثر، وذلك الحراك الشامل الذي ميز النخبة المصرية وتأثر بها المجتمع بأسره. نسيج يبحث في العلاقة بين الفنون بعضها ببعض وتأثير الساسة عليه، وتأثيره على القرار السياسي، وما بين تأثير دائم للمؤسسات الدينية في خلق نفوذ خارج الحدود وصعود وهبوط ذلك الدور، ثم تبحث في الشخصيات «المُلهِمة» بين من صنعوا لمصر قنديلها لتضيء العالم، ومن ساهم في صياغة أفكار كالقنابل تنفجر في وجوه أبنائها وتُشوِه نظرهم.
وبالتأكيد هناك حقائق تاريخية لم ولن تكون محلاً لأي خلاف، ومنها ما يمكن تسميته «أزمة الليبرالية» المصرية في علاقتها بالقوى الناعمة بشكل عام، وبأفكار التجديد والتجريب في الفكر والفن بشكل خاص.
وتعرضت الدراسة للهجة المصرية التي يتم تداولها في الأقطار العربية – بفضل السينما والموسيقى والأدب والدراما – وبين تداول العالم أجمع لأيقونات الحياة الفرعونية ونماذج لتماثيل قديمة وانبهار عالمي لا ينقطع بتلك الحضارة القديمة التي لا تزال أسرارها لم تكشف كاملة، بالإضافة إلى آثار تطُل شامخة من كل متاحف العالم الكبرى، وعلم يطلق عليه «المصريات»، وذلك الولع والتيه بالحضارة المصرية.
كل ذلك وغيره خَلق إعجابًا شديدًا بمصر، فانطلقت بفنونها وآدابها، واستطاعت مَد يدها للمساهمة في بناء مجتمعات شقيقة مجاورة من خلال التعليم وإنشاء مؤسسات الدولة، وكان الدور الذي قام به الأزهر الشريف في نشر تعاليم الإسلام الوسطي - حتى الربع الأخير من القرن العشرين - مما خلق ما نطلق عليه دوما «ريادة مصر» بالمنطقة العربية والمحيط الإسلامي، فنحن أمام حالة شديدة الخصوصية والتميز في التأثير والنفاذ.
ويعتبر البعض قدرة مصر على بسط نفوذها وتأثيرها الفكري أبعد من ذلك بكثير، ويعودون به إلى تاريخ عميق ضارب في القدم حينما استطاعت الحضارة المصرية القديمة أن تُحلق في سماء العالم، وتَبُث نموذجها الحياتي والقِيَمي والحضاري إلى أبعد من حدود الوطن الجغرافية.
وقالت الدراسة إن انشغال الكتاب والباحثين المصريين منذ سنوات بمصطلح «القوة الناعمة»، ساعد على التقاط المثقفين العرب هذا المصطلح الذي صار شائع الاستخدام في الأوساط السياسية والفنية والثقافية في العقدين الأخيرين، وتحوّل إلى معنى سحري لاختزال قيم التأثير والنفوذ لدى الآخر، وأحيانًا مجرد ملاذ للساسة أو بحث من البعض عن واجهة لادعاء دور طليعي لا وجود له بالفعل، فمصر التي عرفت مفهوم القوى الناعمة منذ قرن دونما أن تسميه، عرفت أيضا كيف تستخدم قواها الناعمة وكنوزها الفكرية والفنية، وساهمت في صياغة عقل ووجدان العالم العربي، بل امتد التأثير إلى أبعد من ذلك جغرافيًا لتعبُر الثقافة المصرية إلى أحراش أفريقيا وأطراف آسيا، حيث تمتلك مصر مقومات كثيرة للتأثير، من بينها الموقع الجغرافي المتميز الذي سمح بالاتصال اليسير بالعالم، إضافة إلى اللغة العربية ومكانتها بين الدول العربية ذاتها، وبالتأكيد فإن تاريخ مصر وحضارتها القديمة جعلاها مركزًا لاهتمام العالم، وساهمت في امتلاكها قوة ناعمة نافذة وقادرة.
وحددت الدراسة مواقف مصر التاريخية تجاه قضايا الوطن العربي وأفريقيا أحد أهم دعائم قوتها وتأثيرها الدولي، حيث كان الموقف الرسمي الثابت من القضية الفلسطينية - وهي قضية العرب المركزية - باعتبارها الأهم في ملف الصراع العربي الإسرائيلي بكل تفاصيله وتجلياته، سواء من خلال الاشتباك المسلح مع إسرائيل في عام 1948. أو قيادة مصر دومًا لقوى المواجهة العربية ورفض الهيمنة الغربية والتوسع الصهيوني؛ مما أدى إلى اشتعال حروب 1956 و1967 ثم معركة 1973 التي أعادت التوازن العسكري في المنطقة بعد سنوات من التفوق الإسرائيلي، وظل موقف مصر المساند للقضية الفلسطينية محل إعجاب وتقدير ملايين العرب الذين ينظرون إلى أن تحرير القدس وحل القضية لا يمكن أن يتم سوى بالمرور عبر القاهرة.

 




مؤلف الدراسة، محمود دوير

 
انهيار النظام العربي الإقليمي
أكدت الدراسة على أنه وبعد سنوات من رفض العرب والفلسطينيين لاتفاقية كامب ديفيد؛ فإن إبرام تفاهمات للتسوية صار الخيار الوحيد- المتاح- أمام الشعب الفلسطيني، خاصة بعد اعتبار القاهرة أن أكتوبر (تشرين الأول) 1973 هي آخر الحروب، كما قال الرئيس أنور السادات، وسار حسني مبارك على نفس الدرب، حيث ساهم انتهاء القطبية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في ضعف الموقف العربي وإفقاد دعم دولي لقضايا المنطقة، وأصاب العرب تصدع مفزع عقب اجتياح العراق للكويت، والغزو الأميركي للعراق التي وصفها المفكر السياسي لطفي الخولي بأنه حدث يوازي سقوط جدار برلين في تأثيراته على المنطقة «فإن سقوط جدار برلين العربي، يعني – على العكس – انهيار النظام العربي الإقليمي الذي تكون في منتصف الأربعينات».
وتابعت الدراسة قائلة: «ولم يكن غزو العراق للكويت، وما ترتب عليه من شرخ عربي لم يحدث من قبل في التاريخ الحديث للنظام العربي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، ليمر دون أن يساهم في إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، ويمنح خصوم العرب فرصة ذهبية للعبث فيما تم اكتسابه من خطوات نحو تنسيق عربي مقبول، حيث أهدرت تلك الخطوة التي أقدم عليها النظام العراقي فرصة لن تتكرر بعد ذلك في تحقيق توازن استراتيجي بالمنطقة بقدرات عربية، ودعم دولي وتوازن عالمي.


اشترك في النقاش