سياسات الأمن... والأولويات الخمس لأوروبا

مؤتمر في بروكسل بشأن مستقبل الأبحاث الأمنية في القارة العجوز
* تواجه أوروبا تهديدًا مستمرًا لأمنها. فقد أصابت الهجمات الإرهابية الكثير من المدن الأوروبية وكان آخرها هجوم ستراسبورغ.
يعد مؤتمر البحث الأمني، الاجتماع السنوي الذي يلتقي فيه أرباب الصناعة والحكومات ومؤسسات المعرفة لمناقشة حالة العمل الحالية والتحديات التي تواجه البحوث الأمنية في أوروبا.
* تشهد أوروبا أﮐﺛر ﻣن 4000 هجمة إلكترونية ﻓﻲ اﻟﯾوم منذ ﻋﺎم 2016.
شهدت بعض أجزاء من أوروبا كوارث طبيعية شديدة مثل حرائق الغابات في البرتغال. لذلك، من الحتمي جعل أوروبا مكانًا أكثر أمانًا للعيش فيه.

بروكسل: الهجوم الأخير في ستراسبورغ، يؤكد مرة أخرى أن أوروبا تواجه أكثر من أي وقت مضى تهديدات متنامية، تتراوح من الكوارث الطبيعية إلى الجريمة والإرهاب، مما يعرض أمن الملايين من مواطنيها للخطر.
وفي هذا السياق، عقد مؤتمر في بروكسل تحت شعار «جعل أوروبا أكثر أمانًا: عرض تأثير الأنشطة البحثية في مجال الأمن... حول مستقبل الأبحاث الأمنية في أوروبا»، تعرض فيه المنضمون إلى نتائج البحوث الملهمة لأنشطة وابتكارات السلامة.
ويعد هذا المؤتمر حول البحث الأمني، الاجتماع السنوي الذي تلتقي فيه مؤسسات الصناعة والحكومات ومؤسسات المعرفة لمناقشة سياسة العمل الحالية والتحديات التي تواجه البحوث الأمنية في أوروبا ويمثل هذا اللقاء فرصة لعرض المشاريع الأمنية التي يمولها الاتحاد الأوروبي في معرض كبير أعد للغرض
ونظمت فعاليات مؤتمر بحوث الأمن والسلامة لعام 2018 بالاشتراك بين المفوضية الأوروبية ووزارة النقل والابتكار والتكنولوجيا النمساوية، يومي 5 و6 ديسمبر (كانون الأول) في بروكسل في مركز اجتماعات سكوير.
وجمعت 800 مشارك يمثلون مجموعة واسعة من المهتمين بالشأن الأمني من باحثين وأرباب الصناعة وموفري السلامة العامة والمباشرين الميدانيين (إدارات مكافحة الحرائق، الشرطة، حرس الحدود، وكالات الاستخبارات، إلخ.) فضلا عن عدد كبير من صانعي القرار في جميع أنحاء أوروبا.
وركز عمل المؤتمر على كيفية استعداد الشركات لإدارة المخاطر الناشئة والتصرف فيها. كما تم عرض نتائج البحوث التي شملت مجموعة واسعة من القطاعات وطرحت حزمة واسعة من الإجراءات تهتم بالتحضير والوقاية والكشف والمراقبة والاستجابة والرد على المخاطر. وهي معلومات مفيدة للمستخدمين الذين هم صناع السياسات والعلماء والصناعة والممارسين، مثل خدمات الطوارئ ورجال الإطفاء والشرطة.
ووفقًا لأندريا دي كانديدو، رئيس وحدة الهجرة والشؤون الداخلية: «تهدف المفوضية الأوروبية إلى تسليط الضوء على دور البحوث الأمنية في دعم تنفيذ سياسات الاتحاد الأوروبي والتصدي لها. وهي تحديات مجتمعية حاسمة تتضح من خلال مكامن القوة لأنشطة البحث والابتكار في مجال الأمن.
لذلك يعتبر نشر نتائج البحوث حجر الزاوية في رسم السياسات الأمنية المستقبلية للاتحاد الأوروبي ومن بين الدوافع الرئيسية لاكتساح السوق العالمية للإنتاج الأمني التي تمثل حاليًا هاجسا كبيرا لمنتجي البحوث الأمنية ولجميع أصحاب المصلحة المعنيين.
كما تضمن الحدث مساحة للعرض والكثير من المناقشات المواضيعية. وقد افتتح المؤتمر وزير النقل والابتكار والتكنولوجيا النمساوي نوربرت هوفر والمفوض جوليان كينغ رئيس المشاريع الأمنية للاتحاد.
 
التحديات والعقبات
ركزت حلقة النقاش الأولى على تحديات التواصل ونشر نتائج البحوث الأمنية وكيفية تسخيرها، وكيف يمكن للأبحاث الاستجابة للاحتياجات السياسية أو الوظيفية التي يعبر عنها المباشرون؟ وكيف يمكن تحقيق التآزر المناسب بين المبادرات البحثية المختلفة؟ وكيف يمكن التعامل مع المستثمرين من القطاعين العام والخاص لزيادة المشاركة؟

 




دورية للشرطة في مطار أيرلندا بالقرب من استكهولم.


 
من المختبر إلى واقع الحياة
وفي هذا السياق تعرض المشاركون إلى الآليات المحتملة لزيادة استخدام نتائج البحوث الأمنية وتصنيع وسائل استخدامها، بما في ذلك تعزيز القدرات العملية الممكنة لوكالات الاتحاد الأوروبية الأمنية في دعم التحقيق المباشر لسلامة الدول والمواطنين.
بالإضافة إلى ذلك، تم تخصيص ثمانية ورشات لقضايا محددة مثل معالجة الكوارث في الكثير من البلدان، والتحسيس الأمني للمواطنين، وإدارة الحدود غير المادية، والجريمة السيبرانية، والأمن البحري وحماية الأماكن العامة ومواجهة التطرف وكيفية رد الفعل على الهجمات الإرهابية.
 
تهديدات متعددة
تواجه أوروبا تهديدًا مستمرًا لأمنها. فقد أصابت الهجمات الإرهابية الكثير من المدن الأوروبية. وتستمر التهديدات السيبرانية، مع أكثر من 4 آلاف هجمة فيروسات ومحاولات اختراق «رانسوم» يوميا، في عام 2016. وشهدت بعض أجزاء من أوروبا كوارث طبيعية خطيرة مثل حرائق الغابات في البرتغال. لذلك أصبح من الحتمي جعل أوروبا مكانًا أكثر أمانًا للعيش فيه.
فتهديدات الأمن اليوم تتطور بسرعة معقدة، وغالبًا ما تكون عابرة للحدود بطبيعتها. هذا هو السبب في أن هذه التهديدات تتطلب استجابة جماعية للتعامل معها بشكل فعال في أوروبا. وللبحوث دور هام في دعم التنمية عبر الحدود من خلال حلول مبتكرة يمكن أن توفر لصانعي السياسات والممارسين التقنيات والخدمات لمعالجة هذه التهديدات والمخاطر الأمنية.
 
إجابة جماعية
منذ عام 2007. خصصت الأموال من قبل الاتحاد الأوروبي لتلبية احتياجات البحث الأمني. ووفقا لألبرتو دي بيندكتيس، رئيس المجموعة الأمنية في المفوضية الأوروبية: «خلال الفترة من 2014 إلى 2020. خصص برنامج أفق أوروبا 2020 نحو 1.7 مليار يورو للأبحاث الأمنية. وهذا يمثل نحو 50 في المائة من إجمالي التمويل العام للبحوث في الاتحاد الأوروبي. وهذا لأن الأوروبيين يواجهون الكثير من التحديات لأمنهم. وتشمل خاصة الجريمة المنظمة والإرهاب والكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية الضخمة. 
على كل بلد، بالطبع، أن يتحمل مسؤولية خط المواجهة لضمان الأمن على أراضيه، والتي تشمل الاستجابة للتهديدات الرئيسية التي يتعرض إليها ومن بينها جدية إدارة حدوده.
يقول وزير النقل النمساوي والابتكار والتكنولوجيا، نوربرت هوفر في هذا السياق: «هناك إجماع متنامٍ على أن الدول الأوروبية يمكنها فقط الاستجابة بنجاح لتهديداتها المادية والحاسوبية من خلال العمل معًا داخل الاتحاد الأوروبي وبدعم منه.
وأضاف السيد جوليان كينغ، رئيس الأمن في الاتحاد الأوروبي: «إن السنوات الأخيرة شهدت أولوية جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي حيث اتخذت تدابير سياسية مختلفة لتشجيع العمل ضد التطرف ولجعل التعاون ولتبادل المعلومات أكثر عملية».
الهدف هو أن يصبح الاتحاد الأوروبي مكانا آمنًا حقيقيًا وفعالاً في عالم أكثر ترابطًا وأكثر عولمة، لأن أمن دولة عضو هو أمن جميع الدول الأعضاء.
 
نهج متكامل
تتبع أوروبا نهجًا متكاملاً لإدارة التهديدات الأمنية. وهذا يتطلب دعمًا قويًا للبحث والابتكار في شكل أدوات وتكنولوجيات لدعم الدول الأعضاء في تنفيذ التوقي والتأهب والتنبؤ والمراقبة فضلاً عن الرد والإغاثة.
وقد مكنت هذه الطريقة من تطوير حلول أمنية ملموسة مثل استخدام تطبيقات الكشف عن الضحايا، والماسحات الضوئية المبتكرة للمطارات، وتقنيات لوقف المركبات غير المتعاونة، وأدوات التدريب الافتراضية لمكافحة التطرف العنيف.

 




Caption


 
أولويات الاتحاد الأوروبي
على سبيل المثال، يقوم برنامج المجتمعات الآمنة «آفاق 2020» بتمويل الأبحاث الخاصة بحماية البنية التحتية، ومقاومة الكوارث، والجريمة والإرهاب، والحدود والأمن الخارجي، والأمن الرقمي.
 
محاربة الجريمة والإرهاب
البحث في مكافحة الجريمة والإرهاب في أوروبا هو الدعامة الأولى في أجندة الأمن الأوروبية التي تستهدف الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة والجريمة السيبرانية. وتتمثل مسارات العمل الثلاثة في: تعزيز تبادل المعلومات، وزيادة التعاون ودعم التدريب الميداني، والبحث والابتكار.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك ما يقرب من 3.600 خلية من جماعات الجريمة المنظمة التي تعمل في الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في قطاع المخدرات، والاتجار بالبشر، والسلع المقلدة والجرائم البيئية، تتنامى استثماراتهم عبر الدول بشكل متزايد مما يؤدي إلى امتداد نشاطهم ليعم الاقتصاد المنظم بشكل لا يلفت الأنظار.
في حين تبقى الأنشطة التنفيذية وملاحقة المجرمين مسؤوليات وطنية، فإن الاتحاد الأوروبي يدعم التعاون العملي بين الدول الأعضاء في حربها ضد المنظمات الإجرامية، بتمويل البرامج البحثية وتعزيز العمل المخابراتي عبر وكالاتها الأوروبية.
 
استراتيجية مكافحة الإرهاب
تستند استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب على أربع ركائز: الوقاية والحماية والملاحقة والرد.
ويتصدى ركن الوقاية لأسباب التطرف وتجنيد الإرهابيين، والاستعداد لعودة المقاتلين الأجانب، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الإرهابيين، ويشمل عنصر حماية الأمن على الحدود الخارجية لأوروبا، مما يحسن من سلامة النقل، ويحمي المواقع الاستراتيجية ويقلل من استهداف البنية التحتية الحساسة.
ويهدف ركن التوقي إلى إعاقة قدرة الإرهابيين على التخطيط والتنظيم وتقديم الإرهابيين إلى العدالة. هنا يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز القدرات الوطنية وتحسين التعاون وتبادل المعلومات بين الشرطة والسلطات القضائية ومعالجة تمويل الإرهاب وحرمان الإرهابيين من دعمهم ومواردهم.
وأخيرًا، يغطي ركن الاستجابة إدارة وتخفيف عواقب أي هجوم إرهابي من خلال تحسين القدرات اللازمة لمواجهة هجوم ما بعد إنقاذ الضحايا.

 




ترأس السيد نوربرت هوفر، وزير النقل والابتكار النمساوي، المؤتمر الأوروبي للبحوث الأمنية.


 
حماية البنية التحتية
تهدف حماية البنية التحتية إلى ضمان درجة عالية من الحماية للبنى التحتية الأوروبية الضرورية من خلال زيادة مقاومتها لجميع التهديدات والأخطار. فهو ينظر إلى المخاطر المرتبطة بالاعتماد المتبادل على البنية التحتية ويأخذ في الحسبان التبادلات عبر الحدود بين القطاعات (على سبيل المثال، الشبكات الأوروبية ذات الجهد العالي).
وبالتالي، يتم تطوير عمليات محاكاة التصليح على أساس اختبارات الإجهاد، والوعي، والتدريب، والتمارين، وتبادل الأفراد. كما يشجع الاتحاد الأوروبي الحوار بين مشغلي البنى التحتية الحساسة بتحسين البنية التحتية لتجنب أي إخفاقات فنية وللتحضير بشكل أفضل للأحداث السلبية.
كما يتعلق الأمر بتعزيز مرونة البنية التحتية ضد الكوارث الطبيعية أو مجابهة الآثار الضارة لتغير المناخ أو التهديدات الأمنية الأخرى. وتغطي استراتيجية الاتحاد الأوروبي مجموعة واسعة من سياسات النقل بالطرق البرية والبحرية والسكك الحديدية وسائر وسائل النقل لتهيئة بيئة آمنة للنقل.
وتوضع هذه المعايير الفنية لكشف وإدارة المخاطر بشكل أفضل والاستجابة للتهديدات الرئيسية مثل الهجمات الإرهابية والجرائم والحوادث، كما تنطوي على تنسيق الإجراءات على أرض الواقع لتحسين الوقاية والتأهب والاستجابة لطبيعة الكوارث التي هي من صنع الإنسان والأعمال الإرهابية والهجمات أو الحوادث التكنولوجية أو الإشعاعية أو البيئية مثل التلوث البحري ودعم الجهود الوطنية لحماية الناس والبيئة والملكية، بما في ذلك التراث الثقافي لأوروبا، وبذلك يكون الأمن والاقتصاد هما من اهتمامات البحوث الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي، فالبحوث تقدم حلول تحسين الأمن وتحسين الأداء الصناعي، وتعزز تطوير التقنيات والأدوات اللازمة حتى يتمكن أولئك الذين على خط الجبهة من التعامل مع الإرهاب والجريمة السيبرانية وتهريب الأسلحة النارية والاتجار بالبشر ومجابهة الكوارث الطبيعية.
كما أن التعاون عبر الحدود يساعد على تحطيم الحواجز المجزأة والمتباعدة المعايير التكنولوجية، في حين أن تعزيز القدرات المشتركة للدول الأعضإء بات ضروريا للتعامل مع التهديدات الأمنية وبناء سوق واحدة وقوية ضد انعدام الأمن. وهكذا سيتمكن البحث والابتكار من لعب دور مهم في مجابهة تلك التحديات.
في يوليو (تموز) 2017، أكد تقرير من الخبراء رفيعي المستوى أن:
الاستثمار في البحث والابتكار سيرفع من مستوى الاتحاد الأوروبي في مجابهة التحديات العالمية (على سبيل المثال، الهجرة والأمن وتغير المناخ والصحة)، ويسهل إيجاد الحلول بشكل أسرع وأكثر كفاءة، مقارنة بما يمكن أن يكون على المستوى الوطني المنفرد.
كما تمكن الأبحاث الأمنية الصناعة الأوروبية من الوقوف في وجه المنافسة القوية من الولايات المتحدة الأميركية وآسيا، وتساعد في دعم جهود الاتحاد الأوروبي في سياسة الاعتماد على الذات في مواجهة التهديدات الأمنية.
وتجدر الإشارة إلى أن قطاع الأمن الأوروبي يوظف 4.7 مليون شخص ويحقق رقم معاملات يفوق 200 مليار يورو سنويا، عبر أكثر من 20 قطاعا فرعيا من الاقتصاد. هذه الأرقام سوف ترتفع ومن المتوقع أن تتوسع الأسواق بمعدلاتها مستقبلا.


اشترك في النقاش