ارتفاع معدلات الطلاق في لبنان

خبراء يربطونه بتحول دور المرأة في المجتمع
* تشهد حالات الطلاق المسجلة في لبنان ارتفاعًا ملحوظًا، فبين عامي 2007 و2017 تضاعف عدد حالات الطلاق بنسبة 31.1 في المائة.
* خبير أسري: الأسرة اللبنانية في حالة مؤسفة وفي حالة تفكك وانهيار واللبنانيون أصبح بينهم وبين مؤسسة الزواج اليوم نوع من النزاع.
* هناك ضرورة قصوى لوجود خبير ومرشد نفسي داخل المحاكم، يستطيع التدخل في حالات النزاع بين الزوجين.

 
بيروت: في وقت يعيش فيه لبنان تحت وطأة الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية المتلاحقة، لا يمكن إغفال الجانب الاجتماعي، إذ يعاني اللبنانيون من تفاقم الآفات والظواهر الاجتماعية على مستوى الأفراد والأسر والبيئات على اختلافها.
عام بعد عام تشهد حالات الطلاق المسجلة في لبنان ارتفاعًا ملحوظًا، فبين عامي 2007 و2017 تضاعف عدد حالات الطلاق بنسبة 31.1 في المائة فبعدما كان عدد حالات الطلاق 5859 حالة في عام 2007، ارتفع هذا الرقم إلى 9840 حالة طلاق في عام 2017، وهو رقم كبير جدًّا، إنْ لم نقل إنّه مرعب وينبئ بفشل المؤسّسة الزوجية.
مع العلم بأن هذه أرقام غير نهائية، إذ إن طلبات طلاق كثيرة تنتظر في المحاكم الشرعية والروحية التي غالبًا ما تماطل في بتّها، ما يرفع النسبة تلقائيًا، كما أّنها لا تشمل حالات الانفصال بالتراضي، إما بهجر المنزل الزوجي المشترك أو بالعيش تحت سقفٍ واحد من دون الالتزام بالحياة الزوجيّة وخصوصًا لدى الطوائف المسيحية.
وفيما يسجل ارتفاع حالات الطلاق نسبة 31.1 في المائة في لبنان، تسجّل عقود الزواج ارتفاعا متواضعا في الفترة نفسها بنسبة 13 في المائة، وهو ما يشير إلى خلل ما في المؤسسة الزوجية ويدعو لدق ناقوس الخطر والتنبّه من العوامل والأسباب وراء هذه الأرقام المخيفة، وما يدعو بالتالي للتساؤل عن أي مجتمعٍ نتّجه الآن في لبنان»؟
ولدراسة وتفسير ظاهرة تزايد نسب الطلاق في لبنان عن قرب، كان لا بدّ من إلقاء نظرة على نسب عقود الزواج المسجلة في لبنان، وبحسب الباحث في شركة الدراسات والأبحاث الدولية للمعلومات، محمد شمس الدين: «في 2007 كان عدد عقود الزواج 35796. وفي 2010 ارتفع العدد إلى 41552. ليعود وينخفض هذا الرقم في 2015 إلى 40649. وفي 2017 شهدت عقود الزواج انخفاضا بسيط إلى 40624».
وفيما يتعلّق بعقود الطلاق فقد شهد عام 2007 عدد 5859 حالة ليرتفع الرقم في 2010 إلى 5897. ويستمر في الارتفاع في 2015 إلى 7503 حالة لتصل في 2017 إلى 9840 حالة طلاق.
ومن هنا نرى أن ثمة ثباتا في عدد عقود الزواج، بينما في المقابل نرى زيادة بعقود الطلاق، فمن عام 2007 حتى 2017 ارتفعت نسبة عقود الزواج إلى 13.5 في المائة، أما بالنسبة لعقود الطلاق فقد ارتفعت بنسبة 31.1 في المائة.
ويوضح شمس الدين في حديث لمجلة «المجلة» أن «نسبة ارتفاع حالات الطلاق هي كبيرة فمن أصل 40 ألف عقد زواج ثمة 10 آلاف حالة طلاق سنويا أي الربع لكن ليس بالضرورة أن ترتبط هذه الأرقام بنفس الأشخاص الذين عقدوا قرانهم». وبالتالي هذا مؤشر على أن الأسرة في طريق التراجع في لبنان».
ويرى شمس الدين أن ثمة عدّة أسباب تضافرت وأدّت إلى ارتفاع الإقبال على الطلاق وتأتي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في مقدمة الأسباب، لكن الأكيد أن ارتفاع حالات الطلاق مقابل ثبات عدد الزيجات هو مؤشر خطير».
وفي سؤالنا عن الفئات العمرية التي تقدم على الطلاق قال شمس الدين، إنه «لم يتم تحديدها في هذه الإحصاءات والأمر نفسه بالنسبة لتحديد الطوائف، لكن على الأغلب أن حالات الطلاق تحصل في لبنان لدى الديانة الإسلامية لأن الطلاق لدى الديانة المسيحية صعب ويستغرق وقتا طويلا وأعداده محدودة».
هذا عدا عن أنه في المجتمع اللبناني من الصعب الارتكاز على الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية فيما يتعلّق بعقود الزواج والطلاق مائة في المائة، لأن هناك عددا كبيرا من اللبنانيين لدى طوائف معينة لا يسجلون الطلاق وحتى الزواج، ما يعني أن هذه الأرقام ليست نهائية وقد يكون هناك عدد حالات طلاق أكثر بكثير.
لكن ما أسباب الطلاق؟ هذا السؤال قد نجد عنه الكثير من الإجابات، لكن لا شك أن الأمر يرتبط غالبًا بالأوضاع السائدة في كل بلد وما يعانيه شعبه من أزمات تتعلّق بالثقافة والمجتمع والأوضاع الاقتصادية والمعيشية أيضًا، كما أن البطالة من الأسباب الرئيسية لهذه النسبة المرتفعة، إلى جانب عامل أساسي يتمثل في الفترة نفسها بتحول المرأة إلى عنصر فاعل ومنتج في الأسرة، بعيدًا عن التصوّر الذكوري التقليدي للزواج الذي يرى في المرأة مجرد ملحق بالرجل.
الأرقام الظاهرة أعلاه تدلّ على أن المجتمع اللبناني يتجه نحو مزيد من الطلاق ما يعني مزيدا من الخلافات الزوجية ومزيدا من انهيار الأسر ومزيدا من الإحجام عن الزواج في حال كانت هناك مشاريع زواج.
 
كما أنه وبحسب الباحث المتخصص في علم اجتماع الأسرة والتنمية الدكتور زهير حطب، فإن عدد الزيجات بالمقارنة مع تقدم نسب الإقدام على الطلاق، يشير إلى أنه لا استقرار أسريا، ما يعني أن الأسرة اللبنانية في حالة مؤسفة وفي حالة تفكك وانهيار وأن اللبنانيين أصبح اليوم بينهم وبين مؤسسة الزواج نوع من النزاع.
وأشار حطب في حديثه لمجلة «المجلة» إلى أن «هذه الإحصاءات سلبية المضمون وتعكس أن العائلات تعيش في مرحلة الخطر والقلق على المستقبل والمصير».
 
تغيّر مفهوم الزواج والطلاق
ارتفاع حالات الطلاق يعود لأزمة مجتمع ككل وغير محصور في مدينة أو قرية معينة، لأن المواقف التي يتخذها الأفراد هي التي تحدد السلوك الاجتماعي وليس المجتمع الجغرافي، بدليل أن الثقافة المعاصرة ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المعاصر يبث المضمون والمعطيات والمواد الحياتية نفسها على جميع فئات المجتمع وبالتالي المجتمع اللبناني ككل خاضع لهذا التوجيه المعاصر وهو عدم احترام وتقدير وإظهار قيمة الأسرة، إذ أصبح الطلاق والأسر مؤسسات تقليدية لم يعد الإعلام ووسائل التواصل يعتبرها ذات قيمة يجب احترامها ومراعاتها، وعلى سبيل المثال سرعة الارتباط والزواج بين الشاب والشابة والذي سرعان ما يظهر سوء التفاهم والخلافات بينهما ليقع من ثم الطلاق وهو ما يشير إلى عدم احترام وإدراك معنى الزواج والطلاق الذي تجرد من كل القيم الدينية والمجتمعية، وبالتالي التراجع عنهما وإهمالهما يدلّ على أن مفهوم الطلاق والزواج أصبح في مهب الريح وأصبح يختلف تماما عما كان سائدا من حيث القيمة الدينية وفي الوقت الحاضر أصبحت قيمتهما اجتماعية وتكاد تكون متغيرة وليست من الثوابت.
 
أسباب الطلاق
«هذا زواج عن حب»، و«هذا طلاق بسبب فشل الحب»، هي تعابير مضى عليها الزمن ولم تعد رائجة ولا تناسب مجتمعنا اليوم لأنه في الوقت الحالي ليس هناك سبب واحد، وحيد وحاسم بالنسبة للإقدام عى الزواج أو الطلاق، ويشدد في هذا السياق الدكتور حطب على أن «هناك العشرات من العوامل والأسباب التي تتقاطع مع بعضها وتخلق وتفرز حالة التوجه لدى الأفراد في المجتمع نحو إنهاء الزواج أو تجاوزه ونشوء نزاعات زوجية».
من هنا ثمة عوامل اقتصادية وسوء الأحوال المعيشية بالدرجة الأولى، وعوامل اجتماعية ومجتمعية بالدرجة الثانية، وثالثا تغير سلّم القيم وصورة القيمة بالنسبة للشباب، فلم تعد هناك قيم مشتركة فيما بينهم، إنما أصبحت كل مجموعة تبني قيمها الخاصة وبالتحديد القيم الفردانية التي لا تتقاطع مع قيم الآخرين، من هنا نرى حالات الفوضى في مجال الأسرة والطلاق.
 
تغير دور المرأة في المجتمع
برأي الدكتور حطب فإن «المسؤول عن السرعة في حالات الطلاق والزيجات الفاشلة هو الرجل، لأن التغيرات التي تطرأ على المجتمع غيّرت ثقافة الأفراد وإنتاجيتهم، فنجد أن 90 في المائة من الفتيات تعلّمن ووصلن إلى مراحل جامعية كما أن 40 في المائة منهن انخرطن في ميدان العمل وأصبح لديهن مداخيل، وبالتالي حققن استقلاليتهن الذاتية والمعيشية... كذلك تطور فكر الإناث إذ بتن يطالبن بالعدالة والمساواة، بينما الشاب لا يزال عالقا في الماضي فلم يعد يرى نفسه سوى فارس يقوم بمغامرات والإناث ميدان رحب لفروسيته إذ يعتقد أن صورة الرجل القديم المتحكّم بالمرأة عندما كانت جاهلة وأمية لا تزال قائمة، فيظن أن زميلته على مقاعد الدراسة سوف تظل تلعب هذا الدور وتراعي فروسيته، فيما الفتاة بتفكيرها المتقدم لم يعد الرجل وفروسيته في معظم الأحيان في سلم أولوياتها لأنها أضحت مستقلة وقادرة على أن تتحمل مسؤولية نفسها».
وبحسب حطب «هذه التغيرات في فكر المرأة وتوجهاتها لم يلتقطها الرجل، وبالتالي كل مشاريع الزواج التي تفشل سببها في أغلب الأحيان عدم مراعاة تبدل ونموّ الأفكار وتغيّر الصور والأدوار بشكل متساوٍ، فالمرأة أصبحت تقوم بدورها الجديد بالمقابل الرجل لم يتنبه لهذا الأمر ولا يرى في الفتاة سوى صورة المرأة القديمة وهو ما يؤدي إلى نزاعات وفشل الارتباط والتباعد أيضا».
كما رأى حطب أن اليوم «قلّما ينشِئ الثنائي الرجل والمرأة علاقة عاطفية إنما في معظمها علاقات مصلحية ونزاعية وصدامية كل منهما يحاول تكريس الدور الذي يريد وهذا ما ينتج إشكالات جديدة».


 
دور الأهل في النزاعات
كذلك لفت حطب إلى «دور الأهل الذي تغير مع مرور الزمن إذ لم يعد لهم دور في حل النزاعات بين الزوجين تفاديا للطلاق، وحتى في الزواج لم يعد لهم أي دور يذكر، فلم يعد الأب والأم قادرين على التوسّط بين الأبناء لحلّ الخلافات، وبالتالي تم فقدان العنصر الأساسي الذي كان يؤمن نوعا من الانتقال الهادئ بين قيم وقيم أخرى وتطور وتطور آخر... ومن هنا يمكن الإشارة إلى استيلاء وسائل الاتصال على هذا الدور من الأهل من حيث التشجيع ودفع الشباب على اتخاذ مواقف غير منطقية وغير عقلانية».
 
أرقامٌ مُخيفة تدقّ ناقوس الخطر وتطرح السؤال العريض: «نحو أي مجتمعٍ نتّجه الآن في لبنان»؟
مؤسسة الأسرة سوف تتجه نحو مزيد من التعقيد والتأزّم والانهيار، وبالتالي سوف نخسر ما كان يؤمّن استقرار المجتمع وتماسكه وتضامنه وهي الأسرة.
وفي الوقت الحاضر والمستقبل القريب لم تعد الأسباب الاقتصادية والفقر هي الأسباب الوحيدة وراء انهيار المجتمع بل سيصبح هناك سبب إضافي وهو «الفردانية» التي تدفع جميع الشباب للعيش خارج الأسر وخارج العلاقات المستقرة.
 
دعوة للقائمين على أمور الزواج والطلاق في الطوائف
وجّه الدكتور حطب رسالة لرجال الدين بما أنهم يتحكمون بقضايا الأحوال الشخصية محملاً إيّاهم مسؤولية انهيار الأسرة اليوم بسبب انشغالهم بقضايا وأمور دنيوية وسياسية، تاركين الاهتمام بالقضايا الشبابية والدينية المتعلقة بالأسرة، مشيرا إلى «اهتمام وتمسّك رجال الدين اليوم بدورهم الديني وإهمالهم لدورهم الجوهري المتعلق بالأخلاق الدينية التي هي سبب أساسي في انهيار مؤسسة الزواج».
 
أهمية المرشد الاجتماعي والنفسي لحلّ النزاعات بين الزوجين
أشار الدكتور حطب إلى أن «المحاكم الروحية في لبنان لا تلجأ لمرشد اجتماعي أو نفسي إلا في حالات نزاع دقيقة ومحصورة، وثمة بعض المحاكم تحوّل بعض الحالات إلى مثل هؤلاء الاختصاصيين لكن ليس بشكل دائم وتلقائي، ما يؤدي إلى اللجوء لحسم الخلافات بشكل تعسفي وسريع». 
وتابع: «لذا هناك ضرورة قصوى لوجود خبير ومرشد نفسي داخل المحاكم، يستطيع التدخل في حالات النزاع بين الزوجين، وفي حال فعلا لا يمكن حل الخلافات بين الطرفين فينصح المرشد ويقترح الطلاق، إنما ترك مسألة الطلاق لاعتبارات شخصية لدى الزوجين أو لدى القاضي لمجرد قناعة تكونت لديه في جلسة لا تدوم أكثر من نصف ساعة فهو ما يعتبر قرارا تعسفيا يؤثر سلبا على الاستقرار الأسري».

 


اشترك في النقاش