الانسحاب الأميركي من سوريا

* العمل الوحيد الذي قام به الرئيس ترامب هو إعادة الاعتبار لحلفاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، والوقوف معهم في مواجهة ما يعتبرونه خطر التمدد الإيراني.

 
تفاجأ العالم بإعلان الرئيس دونالد ترامب سحب جنوده من سوريا. مع العلم أن الرئيس كان أعلن مرارًا أنه ينوي القيام بتلك الخطوة. 2000 جندي أميركي سيعودون إلى بلادهم قريبا.
لم يمر هذا القرار مرور الكرام. وكان مدار بحث وأخذ ورد من جميع المعنيين بهذا القرار. عدا روسيا التي رحبت به، كل الأفرقاء المعنيين الآخرين ارتابهم شك في نوايا هذا الانسحاب.
طبعاً هناك من سارع إلى اعتبار تلك الخطوة تمهيداً للحرب. الآخرون رأوا في هذا القرار انسحاباً أميركياً من المنطقة وترك الحلفاء يواجهون وحدهم. وبين هذا وذاك اعتبر البعض أن هذا الانسحاب يضعف القدرة الأميركية في الشرق الأوسط مقابل تعاظم أدوار كل من روسيا وإيران وتركيا ويفتح الطريق أمام ربط طهران ببيروت من دون عوائق.
هذا القرار كانت له تداعيات أيضا على الإدارة الأميركية نفسها، إذ استقال وزير الدفاع جيمس ماتيس أحد مهندسي الوجود الأميركي في الشرق الأوسط كما استقال المبعوث الخاص للعراق برت ماكغورك.
من البديهي القول: إن هذا القرار ستكون له تداعيات سلبية، منها احتمال وقوع المنطقة التي ينسحب منها الأميركيون- وهي منطقة غنية بالبترول- في أيدي نظام الأسد وشركائه، وهذا أمر سيئ، إذ سيغذي ماكينة الحرب الخاصة به وبحلفائه.
وهو أيضاً سيعزل الأكراد وسيضعهم بمواجهة تركيا من دون أي رادع. وربما أسوأ ما في هذا القرار يبقى معنويا، إذ إنه يعطي إشارة إلى عدم اكتراث الولايات المتحدة بهذه المنطقة تحديدا، ما يزيد الضغط على الحلفاء في مواجهتهم لحلف الممانعين.
طبعاً قرار الانسحاب هذا كان منذ فترة على أجندة الرئيس الأميركي، وهو فاتح قبل ستة أشهر وزيره للدفاع بهذا الأمر. المتفاجئون كما المنتقدون لهذا القرار وهم كثر، وقعوا في جملة تناقضات تصطدم أساساً بعامل مهم وهو غياب أي استراتيجية للوجود العسكري في سوريا من قبل البيت الأبيض. فالمهمة التي أوكلت أصلا لتلك القوات أيام الرئيس السابق أوباما كانت محصورة بقتال «داعش». وبما أن البيت الأبيض أعلن وفقا لتقارير الخبراء العسكريين الأميركيين أن مهمة القضاء على «داعش» أنجزت بنسبة 99 في المائة، فما الفائدة حسب ترامب إذن من البقاء العسكري في سوريا؟ 
أما إذا كان هدف الانتشار العسكري الأميركي كما يقول البعض هو محاربة الحرس الثوري الإيراني، فكيف يمكن مد يد العون له في العراق؟ ثم كيف يمكن لنفس الجماعة التي تنتقد قرار الرئيس ترامب الانسحاب من سوريا على خلفية إخلاء الساحة لإيران، أن تطالب بوقف الدعم العسكري للمملكة العربية السعودية في اليمن وهي التي تواجه المد الإيراني هناك؟
المشكلة مع قرارات الرئيس ترامب، التي غالبا ما تعلن من خلال «تغريدة»، أنها سريعا ما تأخذ طابعا شخصيا من قبل منتقديه، وهم كثر، من دون الحاجة للتحليل والتمحيص في القرار. فالإعلام بأغلبيته كما الحزب الديمقراطي ينطلقان في مقاربتهم لعمل الرئيس ترامب أن كل ما يفعله الرجل خطأ. أما المشكلة الأخرى والتي ذكرناها قبلا هي غياب أي استراتيجية جدية فيما يتعلق بالشرق الأوسط. 
العمل الوحيد الذي قام به الرئيس ترامب هو إعادة الاعتبار لحلفاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، والوقوف معهم في مواجهة ما يعتبرونه خطر التمدد الإيراني. ما عدا ذلك فليس هناك إصرار جدي ومدروس على مواجهة التمدد الإيراني. فكيف يمكن التوفيق مثلا بين انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة العقوبات عليها، ومن ثم معاونة الحرس الثوري الإيراني في العراق في القضاء على «داعش»؟
من الواضح أن الرئيس ترامب يريد الانسحاب من الشرق الأوسط وحوله، وترك أمر ترتيبه لأخصامه. لا يريد الرئيس ترامب خوض حروب نيابة عن الآخرين، وهو موقف يلقى صدى إيجابيا لدى مختلف الفئات الشعبية الأميركية، ولكن هذا لا يعفي تلك الإدارة من ضرورة أن تكون لها رؤية واضحة تجاه المنطقة، وطالما تلك الرؤية لم تنضج بعد أو تتضح فستغرق المنطقة بفوضى من الواضح أنها ليست بناءة.