السعودية نحو تحويل هدر الطعام إلى أعلاف حيوانية

حملات توعوية لتعزيز ترشيد استهلاك الغذاء والشراب في المملكة
* تبني السعودية لسياسات الاستثمار الذكي والمبتكر، يشجع الأفكار الريادية التي تخلق حلولاً لتحديات قائمة وقادمة فيما يخص هدر الغذاء.

جدة: مع بلوغ هدر الطعام في السعودية أرقامًا قياسية، وصلت إلى نحو 8 ملايين طن بقيمة 49 مليار ريال (13 مليار دولار) بحسب تقرير صادر عن منظمة الغذاء العالمية (فاو)، صدر عام 2018، تحركت المنظمات الحكومية وغير الحكومية لإطلاق حملات توعوية لتعزيز ترشيد استهلاك الغذاء والشراب، وعزز ذلك الجمعيات الخيرية السعودية التي تتحرك بقوة لإعادة الاستفادة من فوائض الطعام عبر جمعها وإعادة تهيئتها وتوزيعها على المحتاجين، إلا أن عبء النهوض بالتصدي لظاهرة هدر الطعام يحتاج إلى مزيد من الابتكار وإيجاد طرق أفضل للاستفادة من بقايا الطعام.
مجموعة من المستثمرين السعوديين رأت في الطعام المهدر فرصة استثمارية ذهبية عبر تحويل البقايا والمخلفات إلى أعلاف حيوانية، وبخاصة أن السعودية أصبحت أكبر مستورد للشعير في العالم بمعدل 8 ملايين طن سنويًا من أصل 22 - 25 مليون طن هي حجم ما يتم تداوله في سوق الشعير عالميًا.
كيف يمكن الحصول على تقنيات تحويل الغذاء؟ وما التحديات المطروحة أمام تدوير الغذاء؟ وهل التسهيلات الائتمانية متوفرة؟
 
منجم سوق الخضار والمطاعم
يقول أحد القائمين على مشروع تصنيع الأعلاف الحيوانية من بقايا الطعام في حديث إلى «المجلة» إن الفكرة بدأت أثناء إحدى جولات التسوق في سوق الخضار والفواكه المركزي بالرياض، حيث يتم التخلص من أطنان وأطنان من الخضراوات والفواكه التي أعرض المتسوقون عن شرائها، إما بسبب تلفها أو عدم ملاءمتها للاستهلاك أو الأوراق التي ترمى. جاء رجل بسيارة نقل صغيرة تحمل على ظهرها بعض الأغنام، وحمل بعض صناديق مخلفات الخضراوات، وبدأت الحيوانات بتناول الطعام بينما كان الراعي يغادر الموقع.
لمعت الفكرة في رأسه وقرر إجراء بحوث تفصيلية حول الإمكانيات والفرص القائمة والاستفادة من تجارب عالمية سابقة. ووجد أن ألمانيا ضمن الدول الأكثر تقدمًا في إعادة التدوير؛ حتى إن بعض المناطق وصلت إلى نسبة 100في المائة في إعادة تدوير كل شيء، ابتداءً من النفايات الصناعية وصولاً إلى روث الحيوانات.
اتسعت الفكرة لتصل إلى البحث عن مصادر أخرى لتدويرها؛ على أن تكون ذات طبيعة مستدامة، أي أنها غير موسمية ولا تتعرض لشح في الكميات. فكان الحل في المطاعم التي تتخلص من ملايين الوجبات يوميًا. بدأ بعض المحادثات مع سلاسل المطاعم الكبرى وكان الترحيب موجودًا بجمع بقايا الطعام بفرز محدد للأصناف.
 
الجانب اللوجستي... الأهم
يوضح مستثمر تدوير الطعام أن التحدي الأكبر يكمن في جمع بقايا الغذاء وإنقاذها من الهدر في الوقت المناسب، لأن بقايا الطعام تتعرض للتعفن، الأمر الذي يقلل من فرص تدويرها، لذا يجب أن تكون بقايا الطعام في حالة مناسبة للتدوير. وبناءً على ذلك، فإن وسائط النقل ينبغي أن تحتوي على مبردات. وهناك البقايا التي يتم التخلص منها في ساعات الليل المتأخرة والتي تحتاج إلى الجمع، مما يعني أن الجانب اللوجستي هو الأهم لنقل المدخلات إلى المصنع.
توفير أسطول من سيارات النقل المهيأة والسائقين والانتظام في التأكد من توريد الكميات المطلوبة في جميع الأوقات في أفضل حال للتدوير هو ما يحتاج إلى استعدادات وميزانيات ضخمة لتغطية تكلفة استئجار السيارات وتهيئتها وتدريب السائقين.
 
الخبز له دور
يتلقى الخبز في السعودية دعمًا حكوميًا بأكثر من ملياري ريال (أعلى من نصف مليار دولار)، لكن معدلات هدر الخبز والمعجنات مرتفعة تصل إلى 30 في المائة. يمكن الاستفادة من الخبز المهدر في إطعام المواشي والأسماك؛ شريطة أن يكون بحالة جافة وغير متعفنة من أجل معالجته وطحنه وإضافة بعض الخلائط الغذائية وتشكيلها على النوع المطلوب أو إدخال الخبز ضمن صناعة الأعلاف نفسها.
صحيح أن أسلوب تجفيف بقايا الخبز موجود في السعودية، لكنه بدائي ويقتصر على مجموعة من الهواة أو المهاجرين، إلا أنه يمكن إيجاد فرصة لتصنيعه بشكل أفضل وإدخال قيمة مضافة عليه؛ حتى يكون علفًا صالحًا لاستهلاك الماشية والأسماك.


 
التسهيلات الائتمانية
يقدم صندوق التنمية الصناعي تسهيلات ائتمانية تصل إلى 50 في المائة من تكاليف التأسيس والإنتاج بفوائد معقولة وتسهيلات في السداد تصل إلى 20 عامًا. ويعتقد مستثمر التدوير أن الفكرة جديدة على السوق الصناعية السعودية، وأن ذلك يعزز عناصر حصول المشروع بنجاح على التمويل المطلوب الذي قد يصل إلى نحو 100 مليون من الريالات (26.6 مليون دولار). فالفكرة جديدة وتؤدي في حال تطبيقها وتحولها إلى استثمار مغرٍ إلى خفض استيراد الشعير وخلائط تغذية الحيوانات كالذرة مثلاً، وهو ما يعني مزيدًا من الاكتفاء الذاتي في هذا الجانب، مضيفًا أن مباحثات التمويل انطلقت مع مختلف جهات التمويل، ومن المقرر وجود المشروع في الرياض، مما يمنح تنوعًا أكبر لقطاع الاستثمار الصناعي.
 
مخطط الإنتاج
يعتزم المشروع إنشاء 5 خطوط إنتاج، تشمل إنتاج الأعلاف للماشية والقطط والكلاب والدواجن والأسماك، إلى جانب خط لتصنيع السماد من المخلفات النهائية التي لا يمكن استخدامها للتغذية، مما يعني أن المشروع مرتبط بالقطاع الزراعي إلى جانب تنمية الثروة الحيوانية.
أما خطوط الإنتاج، فهي تستورد من ألمانيا بعد إجراء مفاوضات مع خبراء تقنيات التدوير الغذائي الألمان، ما يمثل أحد أشكال التعاون اللانفطي بين البلدين، والتي تسهم في توطين الصناعة المحلية في قطاع واعد.
إن تبني السعودية لسياسات الاستثمار الذكي والمبتكر، يشجع الأفكار الريادية التي تخلق حلولاً لتحديات قائمة وقادمة فيما يخص هدر الغذاء. وإذا كان الهدر، الذي ينبغي الحد منه، موجودًا، فإن إضاءة شمعة التدوير خير من ظلام استنكار الفعل دون التحرك!
 
 
 


اشترك في النقاش