عضو هيئة التجارة الفيدرالية الأميركية لـ«المجلة»: حماية المستهلك والمنافسة العادلة مفاتيح الاقتصاد المتنامي

منذ أن عينه الرئيس ترمب في المنصب حاز مصادقة بالإجماع من مجلس الشيوخ الأميركي
* تستطيع الدول جذب استثمارات أجنبية مباشرة عندما تتبع سياسات اقتصادية متسقة من دون تحيز.
 * قبل السبعينات لم يكن القانون الأميركي مترابطاً ولا متسقاً بشأن ممارسات الشركات التنافسية.
 * هيئة التجارة الفيدرالية تعمل مع بلدان ديمقراطية وغير ديمقراطية في مساعدتها على حماية المستهلك والحفاظ على المنافسة.
 * حتى النخب المستفيدة من الفساد تتحسن أحوالها بدعم مبادئ سيادة القانون.

واشنطن: نوح جوشوا فيليبس، أحد الأعضاء الخمسة في هيئة التجارة الفيدرالية الأميركية، منذ أن عينه الرئيس ترمب في المنصب وحاز مصادقة بالإجماع من مجلس الشيوخ الأميركي في العام الماضي. جاء فيليبس إلى المنصب بعد صعود سريع في السلك القانوني؛ فقد عمل محامياً في رفع الدعاوى القضائية في شركات محاماة بارزة في نيويورك وواشنطن، ثم كبيراً لمستشاري السيناتور الأميركي جون كورنين، عضو اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ.
تحدث فيليبس في لقاء مع «المجلة» عن عمله في هيئة التجارة الفيدرالية، وأثر المؤسسة العالمي والدروس التي تعلمتها الولايات المتحدة عن قيمة المنافسة العادلة وحماية المستهلك.
وإلى أهم ما جاء في الحوار...
 
* ما وظيفة هيئة التجارة الفيدرالية وكيف تقوم بمهامها؟
- هيئة التجارة الفيدرالية هي هيئة مستقلة داخل الحكومة الأميركية تأسست عام 1915 للتعامل مع قانون مكافحة الاحتكار. تأسست الهيئة بعد مرور نحو 25 عاماً على تمرير أول قانون لمكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة والمسمى قانون شيرمان. كانت رؤية الرئيس نيلسون وآخرين حينئذ أننا نحتاج إلى كيان مختص للمساعدة على تقرير ما هو قانوني وغير قانوني ولاتخاذ إجراءات إنفاذ القانون. وبعد عقود، في الثلاثينات من القرن العشرين، منحنا الكونغرس سلطة العمل على حماية المستهلك مما سمح لنا باتخاذ إجراءات ضد الممارسات غير العادلة أو الخادعة.
ومنذ ذلك الحين، منحنا الكونغرس سلطة إضافية في مجالات مختلفة تتعلق بحماية المستهلك، وبدرجة أقل في مجال المنافسة. وفيما يتعلق بجانب المنافسة، يعني ذلك مراجعة عمليات اندماج معينة قبل حدوثها لمعرفة ما إذا كان يجب على الحكومة التدخل لإيقافها. أما في حماية المستهلك، فهناك كثير من المسائل الأخرى المتنوعة، منها قضية الخصوصية في الأعوام الخمسين الأخيرة، والتي أصبحت مسألة سائدة على نحو متزايد في الولايات المتحدة. ونملك فيها صلاحيات واسعة. في الوقت الحالي، جعلنا هذا التفويض الواسع في خضم نقاش دولي حول قوانين المنافسة والقضايا المتعلقة بالخصوصية.
 
* منها ذلك الكشف عن مشاركة «فيسبوك» لبيانات المستخدمين مع شركات خاصة من دون إذن؟
- أكدنا علانية أننا نجري تحقيقاً بشأن «فيسبوك»، لذلك لا يسعني قول الكثير بخلاف ذلك. من المعروف للجمهور أن «فيسبوك» يخضع لقوانيننا. وقمنا بتسوية القضية، ومطلوب منهم الالتزام بقواعد معينة. في العموم، فيما يتعلق بالخصوصية، ننظر إلى مجالين واسعين. الأول هو تشريعات خصوصية محددة، والثاني هو أن لدينا أيضاً هيئة عامة لحماية المستهلك للرقابة على الممارسات والتصرفات غير العادلة والخادعة.
 
* كيف تحددون الشركات التي تطلب تركيزكم؟
- عندما نرى الأشياء التي تُنشر في الأخبار أو يشكو إلينا المستهلكون، ننظر في تلك المسائل ونسعى إلى تحديد ما إذا كانت تلك الأمور بها انتهاكات للقوانين وماذا يمكن فعله حيالها.
 
* كيف يتجاوز تأثير هيئة التجارة الفيدرالية حدود الولايات المتحدة؟
- بالاشتراك مع وزارة العدل في قضايا مكافحة الاحتكار، وفي بنودنا الخاصة بحماية المستهلك، تؤدي هيئة التجارة الفيدرالية دوراً مهماً على المستوى الدولي في مساعدة الدول على تطوير قوانين تتماشى مع المبادئ التي نرى أنها جيدة ليس فقط للمستهلكين الأميركيين بل والمستهلكين حول العالم أيضاً. ولدينا مكتب للشؤون الدولية، معنيٌّ بتيسير عملية إنفاذ القانون في القضايا العابرة للحدود، ويضطلع أيضاً بدور تثقيفي مهم. فهو يساعد على شرح ما نفعله ولماذا نفعله بتلك الطريقة للدول الأخرى. ونرحب بممثلين من مؤسسات شقيقة من جميع أنحاء العالم هنا في هيئة التجارة الفيدرالية ونرسل مسؤولينا إلى الخارج كما نشارك بفاعلية في عدد من الهيئات الدولية المعنية بالمنافسة وحماية المستهلك.

 




نوح جوشوا فيليبس يتحدث خلال جلسة عقدت في واشنطن 14 فبراير 2018 عن سبل تحقيق الاندماجات وحماية المستهلك (غيتي)


 
* هل هناك حكومات تتعامل معها هيئة التجارة الفيدرالية في الخارج، بصفة أساسية من الحكومات الديمقراطية؟
- تؤدي البلدان الديمقراطية دوراً بارزاً في هذه المنظمات، ولكن هناك بلدان أخرى مشتركة أيضاً.
 
* ما رسالة هيئة التجارة الفيدرالية في الخارج نظراً إلى كونها قوة تعمل من أجل التنمية، وكيف تختلف الاستجابات لها؟
- في رأيي نحن جزء من نظام أكبر كثيراً لسيادة القانون. يعني دستورنا الخاص كهيئة مستقلة أننا غير خاضعين للسلطة السياسية وجزء من هدفنا أن نتمكن من تنفيذ سياسة رشيدة من دون توجيهات سياسية. وأن يستطيع الشركاء في السوق الاعتماد على ما نفعله من دون أن يكون ذلك الفعل سياسيا. ويمكنني أن أقول إن ذلك مهم لأي دولة بغض النظر عن تكوينها. هذا ليس مجال تخصصي ولكني أرى بالتأكيد أن هناك قدراً أكبر من الانزعاج في أي مجتمع قد يتدخل فيه الحاكم. من جهة أخرى، عند السعي إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة، أحد المؤشرات الجيدة هي تطبيق قواعد السياسة الاقتصادية باستمرار دون تحيز، وأفترض أن تلك يمكن أن تكون قوة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
 
* عندما تتواصل هيئة التجارة الفيدرالية أو تتخذ إجراءات على المستوى الدولي، كيف تسترشد مساعيها بخبرة أميركا التاريخية مع المحتكرين وقانون مكافحة الاحتكار؟
- إن أحد مشروعات الحكومة الأميركية منذ أمد طويل، وعلى مدار عقود، هو تعريف العالم بالدروس المهمة التي استفدناها منذ عقود فيما يتعلق بكيف يجب عمل قانون المنافسة. منذ عشرات الأعوام في أميركا، كان القانون غير مترابط، وكانت المحاكم تصل إلى قرارات غير متسقة، ولم يكن شركاء السوق يعرفون كيفية التصرف. واتفق كل من اليمين واليسار السياسي على أن الوضع فوضوي، وبالفعل بداية من سبعينات القرن الماضي وضعنا فكراً اقتصادياً أكثر صرامة في قانون مكافحة الاحتكار. ومنه خرجت مجموعة من المبادئ أكثر اتساقاً، وأفضل استيعاباً للسلوكيات التي يجب أن تكون محل تشكك من القانون وتلك التي لا يجب أن تكون كذلك. وتولينا نحن– بقيادة وزارة العدل وهيئة التجارة الفيدرالية– مهمة نقل هذه المبادئ إلى العالم وتعاملنا مع كثير من الدول المختلفة حول العالم للمساعدة على جعل القانون أكثر ترابطاً في جميع الأنحاء. أحد المضامين ذات الأهمية الخاصة على المستوى الدولي يشير إلى أنه مع تزايد تحول الشركات إلى تعدد الجنسيات وحاجتها إلى الاندماج، سوف تحتاج إلى الحصول على موافقة في اختصاصات قضائية متعددة، ومن الأفضل الحصول على ضمان معقول بتعرضها لمعاملة متساوية في جميع الأنحاء.
 
* أعطنا مثالاً على إحدى قضايا مكافحة الاحتكار الأميركية الحاسمة أو ذات الدلالة؟
- وقعت إحدى القضايا الشهيرة جداً- المتعلقة بمتاجر فونز للبقالة– عندما أوقفت الحكومة الفيدرالية عملية اندماج بين شركات بقالة ذات حصص صغيرة للغاية في السوق. وأقصد هنا نقاطاً مئوية فردية. نعرف الآن أن عملية الاندماج بين منافسين يملكون حصة ضئيلة في السوق سوف تؤدي إلى عجز عن رفع الأسعار على نحو يمكن تحمله. لذلك نحن لا نهتم بعمليات الاندماج على ذلك المستوى من حصص السوق. بل ننظر إلى مستويات تركيز أعلى. كانت المحاكم متشككة للغاية في عمليات الاندماج الأفقي– بين المتنافسين– وعمليات الاندماج الرأسي، وأنشطة سلسلة التوريد صعوداً وهبوطاً في صناعة معينة. في الواقع نتيجة لذلك دخلت الشركات في عمليات اندماج كبرى– وأصبحت شركات لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر تدخل في عمليات اندماج. وفي السبعينات من القرن الماضي، شهدنا فضيحة سياسية تتعلق بشركة «آي تي تي» التي كانت تملك شركات مختلفة. ومنعت الشركات من عمليات اندماج كان يمكن أن تصبح مفيدة، ودخلت بدلا منها في عمليات سيئة.
 
* في بعض الدول، ربما تشعر النخبة الاقتصادية بحقها الشخصي في استمرار الممارسات التنافسية غير العادلة أو بالتردد في تقديم قوانين حماية المستهلك. فكيف تسعون إلى إقناعها بإعادة النظر في الأمر؟
- إن قوانين المنافسة وحماية المستهلك مهمة للحفاظ على الأسواق واستمرارها مما يساعد على تشجيع التنمية. ويتعلق قانون المنافسة بقواعد الطريق التي يجب على الشركات أن تتبعها في تعاملاتها. على سبيل المثال، تساعد القوانين التي تتعلق بتثبيت الأسعار أو التلاعب في المناقصات على إبقاء التكاليف منخفضة للمستهلك. كما أنها تساعد على بث الثقة في الأسواق. وللأسباب ذاتها، فإن حماية المستهلك ومعرفة المستهلكين بأن الحكومة تحميهم سوف تشجعهم على الدخول إلى السوق وشراء المنتجات، وهو ما يحافظ على الاستثمار في حد ذاته. لننظر إلى الأمر بهذه الطريقة: إذا كنا نراقب السوق فقط، قد يكون على المستهلكين بذل طاقة كبيرة ليعرفوا ما إذا كان بائعو المنتجات أمناء أم لا، وربما يرتابون أكثر في بائعي المنتجات البعيدة عنهم أو التي لا يمكنهم الوصول إليها. وتؤدي الحكومة دوراً مهماً بتحديد قواعد الطريق. ويعرف المستهلكون تلك القواعد. على سبيل المثال، إذا علمت أن شركة ما يمكن أن تصبح في مشكلة إذا غشتك، سوف تشعر بثقة أكبر عند إنفاق المال. وذلك يحد من تكلفة الاحتياط الذي يبذله المستهلك لكي يعرف أن هناك قواعد وأنها مُطبقة. وهكذا تعد قوانين المنافسة وحماية المستهلك أسبابا تبث ثقة الشركات والمستهلكين في أمانة النشاط في السوق. وذلك سبب يدعو كلا منهم إلى الاستثمار والشراء، مما يساعد الجميع على النمو.
 
* حينما تكون القيادة السياسية لدولة ما لها مصلحة في احتكار الشركات، يواجه مناصرو الإصلاحات القانونية التي تدعو إليها مهمة شاقة. فلماذا يصبح من مصلحة أي قيادة سياسية فاسدة قلب النظام الذي تتربح منه؟
- يوجد سببان متصلان، وهما ثقة الشركات وثقة المستهلكين. فيما يتعلق بالشركات، عندما نعرف أن القواعد هي القواعد، وعندما نحدد ما يستطيع شركاء السوق فعله، سوف نجذب المنافسة. وسوف يعزز ذلك رفاهية المستهلكين– بزايدة الخيارات وتخفيض الأسعار– كما سيجعل الشركات أكثر كفاءة بإجبارها على المنافسة المنصفة. السبب الآخر هو أن المستهلكين لن يفضلوا الأسعار المنخفضة وزيادة المنتجات والابتكار والجودة فحسب، بل لأنهم لا يحبذون الفساد أيضاً. ويمكن أن تكون المنافسة وقاية ضد الفساد.
كما كشف التاريخ أن الناس عندما يجدون أن قواعد الطريق لا تُطبق باستمرار، ويخشون من وجود محسوبية وفساد كبيرين، يمكن أن تحدث اضطرابات اجتماعية. وأعتقد إذا كنت فرداً في نخبة ما يجب أن يثير ذلك قلقك البالغ.
 
* هل يمكن أن تقدم لنا نموذجاً تحذيرياً من التجربة الأميركية في هذا الصدد؟

- في السبعينات من القرن الماضي، في عهد إدارة نيكسون، كان هناك قلق من أن الحكومة تمارس سيطرة سياسية أو سيطرة بدافع سياسي أكثر مما ينبغي على قانون مكافحة الاحتكار. وحتى في الولايات المتحدة، كانت تلك فضيحة. وكانت متعلقة بالحكومة وشركة «آي تي تي» الكبرى، وأذكر أن البيت الأبيض برئاسة نيكسون اُتهم بتوجيه مساعي وزارة العدل لإنفاذ قانون مكافحة الاحتكار في ممارسة للمحسوبية السياسية. وكانت الصحافة غاضبة والناس غاضبين للغاية. ودخلت تلك الفضيحة ضمن فضائح أخرى، ولكنها كانت أزمة كبيرة حينئذ.


اشترك في النقاش