إعادة إعمار سوريا... البناء على خلفية مذهبية

اختار «حزب الله» تمكين مشاريعه الإعمارية في دمشق للسيطرة على السلسلة الجبلية الممتدة من بقاع لبنان إلى جبال سوريا
* ترتكز حركة الشراء والبيع على استقطاب شبان شيعة لبنانيين للاستثمار واستملاك عقارات في سوريا.
* قبل الحرب كان سعر العقار السوري يصل إلى 40 ألف دولار، وقد نتج عن الحرب انهيار سوق العقارات والعملة السورية.

 
بيروت:عام 2018 ظهرت مجموعة مواقف من وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل تشير إلى العمل الحكومي داخليًا وخارجيًا لإشراك لبنان في إطار مشاريع إعادة الإعمار التي تجري ببطء حاليًا، ولكنها ستتسارع تدرجيًا كلما خفت وطأة الحرب، ومن بين التصريحات لجبران باسيل تغريدة نشرها على «تويتر» قال فيها «لبنان لديه القدرة على بناء المشرق».
وكانت صحيفة «الأخبار» الموالية لـ«حزب الله» قد كشفت في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2018 أن الحكومة السورية أطلعت العونيين على أن الأراضي السورية مفتوحة لاستقبال أي مبادرات للإسهام في إعادة إعمار سوريا، كذلك قامت منتصف عام 2017 قناة «الجديد» اللبنانية بنشر دعايات على شاشتها التلفزيونية لبرامج إعادة إعمار سوريا.
أواخر شهر أغسطس (آب) من العام الماضي تلقى رجل أعمال شيعي لبناني- رفض ذكر اسمه- رسالة نصية من صديقه المقاول يخبره فيها عن وجود أرضٍ للبيع في دمشق يبلغ سعرها 20 مليون ليرة سورية، وهو ليس العرض الأول الذي يتلقاه رجل الأعمال، فمنذ بداية عام 2018 وانخفاض وتيرة المعارك العسكرية في سوريا أخذت عروض بيع أراضٍ والاستثمار في سوريا تنتشر بشدة داخل أوساط المقاولين وأصحاب رؤوس الأموال الشيعة.
يقول رجل الأعمال لـ«المجلة» إنه يفكر جديًا في شراء شقتين أو ثلاث شقق في سوريا، لأن الأسعار مغرية جدًا. وبحسب قوله فإن الاستثمار حاليًا في مجال العقارات في سوريا ستنتج عنه في المستقبل أرباح مالية كبيرة، ذلك أن استقرار الوضع فيها سيمهد الطريق تلقائيًا إلى انتعاش الليرة السورية، ما يعني أن الأرباح المالية التي ستنجم عن بيع الشقق بعد عشر سنوات ستكون كبيرة جدًا، مقارنة بما سيتم دفعه في المرحلة الراهنة.
حسام، يسكن ضاحية بيروت الجنوبية تزوج قبل سنتين وسكن في منزلٍ إيجار، كحل بديل عن شراء المنزل وهو ما يعجز عن القيام به بسبب ارتفاع سعر العقارات في لبنان بحيث يصل سعر العقار إلى 100 ألف دولار على أقل تقدير. ارتفاع أسعار العقارات اللبنانية دفعه إلى استئجار منزلٍ صغير في حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية بكلفه شهرية تقدر بنحو 400 دولار أي ما يقارب 4800 دولار سنويًا، بقي حسام في منزله لمدة ثمانية أشهر، غير أنه بداية عام 2018 اشترى منزلاً بكلفة 6000 دولار في ريف دمشق في منطقة السيدة زينب، تسكنه زوجته وطفله بينما يعمل هو في بيروت ويعود إلى سوريا لتمضية العطلة الأسبوعية، وحاليًا ينوي شراء أرضٍ في ريف دمشق لإقامة مشروع تجاري صغير.
مؤخرًا سادت ظاهرة تلقي شبان لبنانيين رسائل نصيّة على هواتفهم تدعوهم لشراء شقق ومحلات تجارية في سوريا. الدعوة لشراء الشقق والمتاجر والمطاعم، تروج لها مجموعة شركات صغيرة الحجم ذات طابع مذهبي شيعي، تسعى للاستثمار والكسب المالي في مرحلة إعادة أعمار سوريا ومنها.
من بين الدعوات التي رُوِّج لها كثيرًا على خدمة واتساب، عرض لشراء أراضٍ بمساحات مختلفة تبدأ من دونمين وتصل إلى 10 دونمات في محافظة وريف دمشق. ومن بين المناطق التي تشهد حاليًا نشاطًا لبيع الشقق؛ منطقة الجسر الرابع، ومنطقة الجسر الخامس جانب الأرض السعيدة، وطريق عام قصر المؤتمرات، وطريق عام نادي الفروسية، ومنطقة السيدة زينب ومحيطها، وتتفاوت الأسعار بين 20 و100 لتصل إلى 250 مليون ليرة سورية.
ومن بين عروض البيع التي وصلت للبنانيين، عرض لبيع محل بمدينة الجاحظ مساحته 60 متراً، وعرض آخر لمحل بمدينة الطلياني يصلح لأن يكون مطعمًا، مساحته 300 متر وإيجاره السنوي يقدر بـ20 مليون ليرة سورية، وتداولت وسائل التواصل النصيّة عرض بيع مطعم مع كامل تجهيزاته في مدينة دمر بمبلغ 18 مليون ليرة سورية.
هذه العروض موجهة للبنانيين ويتداولها الشيعة بشكل حصري، في شهر نوفمبر الماضي، نشر موقع موال لـ«حزب الله» مادة قال فيها «علم أن شركات عدة تعنى بالمقاولات بدأت بفتح مكاتب لها في سوريا» تمهيدًا للعب دور في مرحلة إعادة الإعمار.
يسعى مقاولون في لبنان إلى دخول مرحلة إعمار سوريا، وقد تداولت مواقع إخبارية لبنانية أن شركة يرأسها شخص معارض للرئيس السوري بشار الأسد أراد الدخول عبر شراكات مع شركات يونانية وروسية، إلا أن السلطات السورية عندما علمت بالأمر رفضت دخول أي مقاولين عارضوا في السبع سنوات الأخيرة سياسة الأسد.
التسلل إلى الداخل السوري غائب عن المتابعة الإعلامية، وبهذا الشأن قال المحلل والكاتب السياسي خير الله خير الله لـ«المجلة»: «لا يوجد إعلام عربي بفضح ما تقوم به إيران والأسس المذهبية التي يقوم عليها مشروعها التوسعي».
ترتكز حركة الشراء والبيع على استقطاب شبان شيعة لبنانيين للاستثمار واستملاك عقارات في سوريا، وبهذا الشأن يقول خير الله: «بالنسبة إلى سبب توطين لبنانيين شيعة، فهذا عائد إلى عدد الشيعة المحدود في سوريا، بالإضافة إلى أن معظم شيعة سوريا غير مقتنعين بالمشروع الإيراني وأهدافه، وعليه يتم استبدالهم بلبنانيين».
لقد اختار «حزب الله» تمكين مشاريعه الإعمارية في العاصمة السورية لأنها العاصمة السياسية والمناطق الحدودية مع لبنان بما يفتح له المجال بالسيطرة العمرانية على السلسلة الجبلية الممتدة من بقاع لبنان وصولاً بجبال سوريا المحاذية للأراضي اللبنانية.
يقول خير الله فيما يخص الانتشار العمراني المستجد في سوريا إن «السبب يعود إلى قرب تلك المناطق من لبنان وإلى سهولة ربطها بدويلة حزب الله في لبنان. الأهم من ذلك، أن حزب الله استطاع تهجير أهالي تلك المناطق وبات يسيطر عليها عمليا. لم يعد أمام أهل الأرض سوى الاستسلام لشروط حزب الله بالنسبة إلى السعر الذي يطرحه من أجل شراء أراضي تلك المنطقة».
مصدر مقرب من الحزب رفض الكشف عن اسمه، أخبر «المجلة» أن نشاط «حزب الله» الإعماري يتركز أيضًا في شرق ريف حلب لأنها المدخل الغربي للعاصمة السورية، وفي السيدة زينب في دمشق، وهي منطقة أغلقها الحزب بالكامل حتى أضحت معقلا عسكريًا وأمنيًا خاصا به ومعزولا عن قوى الأمن والجيش السوري، ولا توجد فيه قوى أمنية داخلية إلا وتكون إما تابعة للحزب أو تعمل تحت إشرافه.
أما في المناطق الحدودية السورية اللبنانية كالزبداني فقد فرض «حزب الله» نفسه فيها كآمرٍ ناهٍ، بعدما انتهت المعارك العسكرية ضد المعارضة السورية المسلحة لصالحه، وأتم عدد كبير من المصالحات بين سكانها المعارضين والنظام السوري، والتي ترسخ الكثير منها على أسس الإبعاد الجماعي للسكان عن أراضيهم بشكل نهائي لا رجعة عنه وفق قرارات صادرة عن الحكومة السورية.
وفي القصير والنبك ويبرود والقلمون، تشهد هذه المدن إعادة إعمار للمباني وإصلاحا للأبنية المتضررة، ويبدو أن هنالك مخططًا لتطعيم المدن بشيعة سوريا من كفريا والفوعة. هذه المناطق الخاضعة بكاملها لسيطرة «حزب الله»، حاولت روسيا السيطرة عليها العام الماضي حين أرسلت دوريات إلى القصير ولكن ما لبث أن انسحبت من القصير على ضوء تسوية سريعة مع إيران. في القصير والنبك ويبرود والقلمون وضعت إيران شروطًا على إعادة الإعمار، من بينها عدم السماح بإنشاء مبانٍ ترتفع أكثر من 12 مترًا أي أكثر من ثلاثة طوابق لأن ارتفاع المبنى قد يتحول إلى مرتفع عسكري وكاشف للقناصين في حال اندلعت أي معركة في المستقبل.
قبل الحرب كان سعر العقار السوري يصل إلى 40 ألف دولار، وقد نتج عن الحرب انهيار سوق العقارات والعملة السورية ما جعل المناطق السورية مقصدًا خصبًا لشراء العقارات والاتجار بالعملة السورية في السوق السوداء. وفي دائرة المقاولين الذين يعملون لصالح إيران والحزب يوجد متمولون لبنانيون وسوريون من الطائفة المسيحية من حلفاء «حزب الله»، بالإضافة إلى استقطابه لمتمولين من الطائفة السنية مقربين من توجهه السياسي أو لم تصدر عنهم مواقف تزعج النظام السوري خلال الحرب السورية.
 


اشترك في النقاش