الإيرانيات الأرامل... قضية منسية أم أداة توظيفية؟

المرأة الإيرانية... لا تزال القيود مستحكمة

 

* كشف التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية لعام 2013، عن حجم المعاناة التي تتعرض لها النساء الإيرانيات من تمييز أمام القانون.
* تطغى بعض القضايا على ملف المرأة الإيرانية؛ كمشاركتها السياسية، وذلك على حساب قضية من أهم قضايا المرأة الإيرانية، وهي قضية المرأة الأرملة.
* هل تقبل المرأة الإيرانية أن تضحي بمستقبلها ومستقبل أبنائها من أجل خطاب خادع يموت في سبيله زوجها.
 

باكو - أذربيجان: في خضم السياسة التوسعية التي تنتهجها إيران منذ أحداث عام 1979 التي أطاحت بالشاه وجاءت بملالي طهران، تحت شعار خادع عن نصرة المظلومين والمستضعفين، وهو شعار يحمل في ظاهره الرحمة وفي باطنه كل العذاب، إذ استغل هذا الشعار من أجل تحقيق أحلام فارسية ليس فقط على حساب شعوب دول الجوار الإيراني، وإنما على حساب الشعب الإيراني ذاته، والذي أغرته شعارات براقة وخطابات رنانة لا يزال الكثيرون يدفعون أثمانا باهظة جراء اللهاث وراء تلك الشعارات على أمل أن يأتي الغد بصورة تحقق هذه الطموحات، وهو ما كشفت زيفه كثير من الدراسات والبحوث عن تداعيات التدخلات الإيرانية في شؤون الدول الأخرى سواء كانت بشكل مباشر كما هو الحال في العراق وسوريا واليمن أم بشكل غير مباشر عن طريق أذرعها المنتشرة في كثير من البلدان على غرار ما يجري في لبنان، فضلا عن تمدداتها في مناطق أخرى بعيدة عن الجوار الإيراني كما هو الحال في بعض الدول الأفريقية وتحديدا في دول غرب القارة الأفريقية وكذلك في بعض دول أميركا اللاتينية.
ولكن ما يلفت الانتباه أن هذه الدراسات والبحوث لم تقتصر على رصد التجاوزات الإيرانية في الخارج فحسب، بل تناولت بالشرح والتحليل أيضًا الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب الإيراني تحت حكم الملالي على المستويات كافة؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، وهو ما عبرت عنه بجلاء المظاهرات الشعبية التي شهدها عام 2009 رافضة لهذه السياسات وقد تم قمعها آنذاك بصورة حديدية عكست انغلاقية النظام الإيراني وتوحشه في تعامله مع مطالب شعبية مشروعة تتعلق بالأوضاع المعيشية المتردية نتيجة السياسات الخرقاء التي تنتهجها طهران في هدر موارد الدولة وثرواتها على طموحات من أجل استعادة هيمنة فارسية متوهمة.
ونتيجة للتعامل القمعي مع أصحاب هذه المطالب المشروعة آنذاك، تكررت هذه المطالب في نهاية العام المنصرم (ديسمبر/ كانون الأول 2017) واستمرت مع بداية هذا العام (2018)، حيث شهدت العاصمة طهران مظاهرات شعبية رافضة للسياسات الإيرانية التدخلية في شؤون البلدان الأخرى التي تأتي تداعياتها على حساب المواطن الإيراني الذي يئن من ظروف معيشية وأوضاع إنسانية متردية، أخذا في الحسبان أن هذه الظروف والأوضاع تزداد مأساوية في المناطق التي يقطنها مواطنون من عرقيات غير فارسية كما هو الحال في منطقة الأحواز العربية المحتلة، وكذلك المنطقة الواقعة في شمال غربي إيران والمعروفة باسم أذربيجان الجنوبية.
وفي القلب من كل تلك الأوضاع، تأتي المرأة الإيرانية التي تتحمل كثيرا من التجاوزات بحقها، إذ تُعد إيران من أكثر الدول تشددًا في فرض قيود على المرأة والتي وصلت إلى حد وضع قيود على لباسها، حيث إن القانون الذي تم سنّه في أوائل ثمانينات القرن المنصرم، يفرض على المرأة وضع غطاء للرأس وارتداء ملابس تستر الجسم في الأماكن العامة، وإلا عوقبت بالحبس لمدة شهرين ودفع غرامة قدرها 50 ألف تومان إيراني.
ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل كشف التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية لعام 2013. عن حجم المعاناة التي تتعرض لها النساء الإيرانيات من تمييز أمام القانون، وكذلك ما يتعلق بممارساتهن لحقوقهن السياسية كالجنسية والسفر إلى الخارج، كما يُحظر عليهن الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية بموجب المادة 115 من الدستور، والتي تنص على أن المرشح للرئاسة يجب أن يكون رجل سياسة ذا خبرة في العمل العام، ويتمتع بخلفية دينية عميقة، ويتحلى بالتقوى، وأن يكون جديرًا بالثقة ويؤمن بمبادئ الجمهورية الإسلامية. ورغم ما أُثير بشأن هذا النص من خلافات عدة إلا أن مجلس صيانة الدستور الإيراني كان قد قضى في مايو (أيار) 2013، بعدم أحقية النساء في الترشح للانتخابات الرئاسية. بالإضافة إلى ما سبق، تجلى التمييز ضد المرأة كذلك فيما يتعلق بممارساتهن لحقوقهن الاجتماعية المتصلة بالزواج والطلاق، والميراث، وحضانة الأطفال.
 
المرأة الإيرانية لم تقف صامتة أمام تجاوزات نظام الملالي
صحيح أن المرأة الإيرانية لم تقف صامتة أمام هذه القيود وتلك التحكمات، حيث تبنت بعض النساء الإيرانيات موقفا معارضا لهذه السياسات منذ اليوم الأول لأحداث عام 1979 والتي وصلت إلى حد تولي قيادة المعارضة في الخارج «مريم رجوي» قائدة حركة مجاهدي خلق المعارضة، إلا أنه من الصحيح كذلك أن هذا النهج المعارض كان يمثل توجها ضعيفا بين النساء الإيرانيات، الأمر الذي تجاوز مع صمتهن حدود القبول المنطقي، وهو ما دفعهن إلى توسيع دائرة معارضتهن لمثل هذه الممارسات، وتجسد ذلك في بعض المؤشرات الآتية:

  1. شهدت إيران في مايو 2014. ما اصطلح على تسميته إعلاميًا بـ«انتفاضة حاسرات الرؤوس»، التي أطلقت شرارتها مجموعة نساء من شتى أنحاء البلاد، حينما نشرن صورًا شخصية لهن بغير حجاب على موقع «فيسبوك» تحمل عنوان «لحظات حرية مسروقة».

  2. مشاركتهن في فعاليات الموجة الثورية الأولى التي اندلعت عام 2009 اعتراضا على تزوير الانتخابات وتردي الأوضاع، كما شاركن كذلك في الموجة الثورية الثانية التي اندلعت نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2017. حيث قامت مجموعة من النساء بخلع الحجاب وارتدين ملابس بيضاء بدلاً من الشادور الأسود؛ احتجاجًا على فرض نمط معين من اللباس عليهن.

  3. تمرد عدد من السيدات الإيرانيات على قوانين دولتهن التي تحظر عليهن حضور مباريات كرة القدم، حيث شاركت الإيرانيات في مدرجات مباريات كأس العالم الأخيرة التي أقيمت في روسيا (2018)، وكانت في مقدمتهن النائبة الإيرانية «بروانة سلحشوري» والتي جاء على لسانها تعليقا على قرار البرلمان بحظر سفر النواب: «سوف أذهب إلى روسيا على نفقتي الخاصة، لكي أكسر حاجز القيود غير القانونية التي تحظر حضور النساء للملاعب ومشاهدة المباريات». ومما يلفت الانتباه أن مشاركة هؤلاء النساء في هذه المباريات لم تقتصر على الحضور فحسب، بل حاولت كسر قيد آخر من القيود المفروضة عليهن وهو قيد اللباس، إذ ارتدين ملابس عصرية مكشوفة، كما قمن برفع عدد من اللافتات تطالب بالسماح للسيدات في إيران بالدخول لملاعب كرة القدم، والتواجد في المدرجات لمشاهدة المباريات.

 
الحكومة الإيرانية تحاول استرضاء المرأة... حضور المباريات واختيارهن مساعدات هل يكفي؟
كانت تلك مؤشرات على ما انتهجته المرأة الإيرانية في رفضها لسياسات حكومتها التي تنفق الملايين على خدمة نفوذها السياسي في الخارج كما هو الحال في سوريا والعراق ولبنان، مع ترك الشعب فريسة للغلاء، ينهشه الوضع الاقتصادي المتردي، وتفترسه البطالة. ورغم محاولات الحكومة الإيرانية التخفيف من حدة هذه المعارضات عبر اتخاذ إجراءات شكلية، منها على سبيل المثال:

  • السماح للمرأة بالتواجد في مدرجات كرة القدم، حيث تمت الموافقة على حضور 1000 سيدة إيرانية مباراة نهائي دوري أبطال آسيا لكرة القدم التي جرت في طهران بين فريق برسبوليس الإيراني وفريق كاشيما إنتلر الياباني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، والتي فاز فيها الفريق الياباني.

  • تعيين 3 نساء كمساعدات لرئيس الجمهورية، وهن: معصومة ابتكار نائبةالرئيس لشؤون المرأة والأسرة، ولعيا جُنيدي نائبة الرئيس للشؤون القانونية، وشهيندخت مولوردي مساعدة للرئيس في الحقوق المدنية، كما تم تعيين مجموعة من النساء في منصب نائب وزير.

ولكن لم يكن كل ذلك كافيا أمام مطالب المرأة الإيرانية التي كشفت منذ اللحظات الأولى مدى التلاعب الحكومي بملفها ومحاولة استرضائها بقرارات شكلية، إذ إنه بعد وعود قطعها الرئيس الإيراني «حسن روحاني» خلال حملته الانتخابية بإنشاء وزارة للمرأة، تلاشت تلك الوعود واختفت العهود، بل شهدت المشاركة النسائية في حكومته الثانية تراجعا، فبعد أن كان عددهم 4 نساء في حكومته الأولى، 3 منهن في مناصب نائب الرئيس بالإضافة إلى مساعدة خاصة، تقلص عددهن إلى ثلاثة نساء كما سبقت الإشارة. فضلاً عن ذلك لا تزال القوانين التمييزية ضد المرأة سارية سواء بالنسبة لشؤونها الأسرية أو فرصها التوظيفية، وهو ما يعني أن الخطاب الذي يحاول الرئيس الإيراني حسن روحاني استرضاء المرأة به هو خطاب دعائي فاضح على غرار خطاباته كافة.


 
الإيرانيات الأرامل... ملف مهمل أم أداة توظيف؟
لم يكن من السهل التغاضي عما كشفه القيادي الإيراني عبد الله ناصري، المنتمي إلى ما يعرف بتيار الإصلاحيين، في أواخر أبريل (نيسان) 2018، من استغلال الإيرانيات الأرامل من جانب جهاز الاستخبارات الإيراني إثر حرب الخليج الأولى في ثمانينات القرن الماضي، حيث تم توظيفهن لإنهاء الحياة السياسية لكثير من المعارضين والإصلاحيين، وذلك على حد قوله. صحيح أن سرعان ما تم حذف الخبر من كثير المواقع الإلكترونية، إلا أن مجرد نشره ألقى حجرا في مياة راكدة أو ملف مسكوت عنه يتعلق بحقوق المرأة الإيرانية ودورها ومكانتها في المجتمع الإيراني. إذ إنه في كثير من الأحيان تطغى بعض القضايا على ملف المرأة الإيرانية؛ كمشاركتها السياسية ودورها الاقتصادي وتوليها المناصب الإدارية، وذلك على حساب قضية من أهم قضايا المرأة الإيرانية، وهي قضية المرأة الأرملة التي مات زوجها في حروب تخوضها طهران خارج حدودها، فوفقا لما أعلنه محمد علي شهيدي محلاتي، رئيس مؤسسة «الشهداء وقدامى المحاربين» الإيرانية، فإن «حصيلة الخسائر التي منيت بها القوات الإيرانية حتى مارس (آذار) 2017 بلغت نحو 2100 شخص قتلوا في العراق وسوريا». وبغض النظر عن مدى دقة هذا العدد فإنه يكشف عن حجم المأساة التي تعيشها المرأة الإيرانية الأرملة، وهو ما يعني وقوع هؤلاء النساء فريسة لمجتمع يحكم قبضته على حاضرهن ومستقبلهن، بل يتركهن رهينة في يد عائلات أزواجهن الراحلين بلا اختيارات حقيقية أو مستقلة لتقرير مصيرهن ومصير أبنائهن، ويقلص حريتهن الشخصية لحدها الأدنى رغم أنها حرية محدودة أصلا، وهو ما يعني في معظم الحالات ضرورة أن تتزوج الأرملة من شقيق زوجها الراحل أو أحد أبناء عمومته دون أن يكون لها الحق في الاختيار أو الرفض رغم محاولات بعضهن التمرد على ذلك.
وفي ضوء ذلك يصبح التساؤل الأكثر بحثا عن إجابة بين النساء الإيرانيات الأرامل بصفة خاصة والمدافعات عن حقوق المرأة الإيرانية بصفة عامة، هل يظل هذا الملف طي الكتمان بعيدا عن الدراسة والتحليل للوقوف على حجم ما تتعرض له المرأة الإيرانية الأرملة سواء تم استغلالها من جانب بعض أجهزة الدولة على غرار ما جرى خلال حرب الخليج الأولى أو استغلالها من جانب أسرة الزوج تماهيا مع القوانين والتقاليد والعادات المقيدة لحقوق المرأة وحريتها؟ وهل تقبل المرأة الإيرانية أن تضحي بمستقبلها ومستقبل أبنائها من أجل خطاب خادع يموت في سبيله زوجها كما برر ذلك رئيس مؤسسة «الشهداء وقدامى المحاربين» الإيرانية بقوله: «هؤلاء المقاتلون قتلوا دفاعا عن العتبات المقدسة في سوريا والعراق»؟
ما نود أن نخلص إليه أنه إذا كانت المرأة الإيرانية بصفة عامة لا تزال تعاني كثيرا من القيود والتحكمات التي عبر عنها الفيلم الإيراني «فردوس» المشارك في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش المغربية عام 2015. حيث جسد معاناة المرأة الإيرانية وسط مجتمع لا تزال نظرته إلى المرأة تحمل الكثير من المغالطات والتحيزات، بل وتُمارس ضدها كثير من صور العنف والاضطهاد، إلا أن الأمر بالنسبة للإيرانيات الأرامل يحتاج إلى مزيد من الدراسات والتحليلات بل وإنتاج أفلام توضح حجم المأساة التي تعيشها هؤلاء الأرامل اللاتي فقدن أزواجهن في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل وإنما يخوضونها تحقيقا لطموحات قادة يحلمون بمزيد من السيطرة وبسط النفوذ على حساب دماء المواطنين الذين تدفع أسرهم حاضرها ومستقبلها في سبيل تحقيق هذه الأحلام وذلك مع غياب عائلهم، فهل ستصمت المرأة الإيرانية على هذا الوجه القبيح من الاستغلال ضد فئة من النساء وقعن تحت عوز الحاجة وضغوط متطلبات الحياة ولم يعد أمامهن سوى بدائل محدودة للغاية لإدارة شؤون حياتهن؟


اشترك في النقاش